العنف، كل ما تبقى لنا؟

تستدعي عمليات الانتقام العنيف والهيجان الشعبي الإسلامي الذي نلحظه حيال “إهانات” أوروبية للإسلام السؤال عن الحساسية الإسلامية العالية تجاه أوروبا. لا نلاحظ ردّات فعل إسلامية تذكر حيال إهانات أكبر وأعمق ترتكب بحق الاسلام والمسلمين في غير مكان من العالم، بما في ذلك على يد مسلمين، كما كان الحال مثلاً في إقليم دارفور السوداني، حيث كان يجري تمزيق القرآن على يد مليشيات الجنجويد وقتل الأطفال والشيوخ داخل المساجد. أو في سورية، حين كان شبّيحة النظام يجبرون الناس على الركوع لصورة رئيسهم. وقعُ أي “استهانة أوروبية” بالإسلام يكون شديد الأثر على نفوس المسلمين، قياساً على ما يتعرّض له الإسلام والمسلمون من إهانات وإجرام من أي مصدر آخر. 

للذاكرة الإسلامية المشتركة حضور في هذه الحساسية تجاه أوروبا، تمتد من الغزوات الصليبية إلى الاستعمار الأوروبي الحديث. أوروبا هي تجسيد الآخر المنتصر الذي تمكّن من توطين قبس الحضارة الإسلامية، حين راح هذا القبس يخبو في ديار الإسلام. يمكن أن تكون أوروبا إذن مرآة هزيمة المسلمين وتأخرهم. أوروبا هي “آخر” في نظر المسلمين، لأنها غير مسلمة، الأمر الذي يجعل تفوقها الحضاري ثقيلاً على قلوب أصحاب الحضارة الغابرة الذين لا يجدون لراحة نفوسهم سوى استحضار ذكرى تلك الحضارة بالأشكال والأزياء واللغة والأسماء، ثم لا يجدون من وسيلةٍ لإثبات حضورهم العالمي سوى العنف الصادم في الاستهداف وفي الطريقة. 

لا نلاحظ ردّات فعل إسلامية تذكر حيال إهانات أكبر وأعمق ترتكب بحق الاسلام والمسلمين في غير مكان من العالم، بما في ذلك على يد مسلمين

من الصعب عزل عمليات القتل التي شهدتها دول أوروبية، أخيرا، عن سياق “صحوة عنفية” إسلامية بلغت حد تشكيل دولة خلافة إسلامية استطاعت أن تهزم جيوشاً، وأن تلغي حدوداً سياسية. وقد تطلبت هزيمتها تشكيل تحالفٍ دوليٍّ بقيادة الولايات المتحدة ضم 82 دولة، وعمليات جوية وبرية استغرقت حوالي خمس سنوات (من منتصف العام 2014 حتى ربيع 2019)، فيما لم تستغرق هزيمة الجيش العراقي إبّان صدّام حسين (هناك من صنفه رابع أكبر جيش في العالم) أكثر من ثلاثة أسابيع. 

لا تفتقد إلى السند التحليلات التي تعتبر أن أيادي عدة ساهمت في صعود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، أميركية وأخرى إقليمية وعربية (كل لغاياته)، وأن نظام نوري المالكي في العراق وبشار الأسد في سورية مهّدا أيضاً لهذا الصعود لغاياتهما الخاصة. مع ذلك، لا محيد عن رؤية كفاحية مقاتلي “داعش” واستبسالهم. وراء هذا القدر من التماسك وكذا المستوى الرهيب من الوحشية الذي أظهره التنظيم، توجد قضية وحدت مقاتليها وشدّت أنصارها وجمهورها إلى حد التغاضي عن مستوى الاستعراض الإجرامي الذي ثابر عليه التنظيم. 

القضية التي وحدت مقاتلي “داعش”، وشكلت تبريره الوجودي هي الدفاع عن الإسلام (الإسلام السني تحديدا)، واستعادة مكانته ودوره. توجد قناعة بأن هذه المهمة تجسّد التكليف الإلهي الأسمى. يحتشد وراء هذه القضية كل القهر التاريخي المتراكم في قلوب المسلمين الذين سرعان ما يتخيلون أسلافهم الكبار (سادة العالم السابقين) يحثّونهم على “الصحوة” واستعادة الدور. لا ينتظر الأنصار هنا شرحاً لمعنى الإسلام المقصود، “الصحوة العنفية” تستدعي النسخة الأكثر جذريةً والأكثر صداميةً في الإسلام. سوف يبدو، على هذا، أنه ينبغي التخلص من كل نسخ الإسلام التي توصف بالاعتدال والتسامح. لهذا كانت جاذبية “داعش” وكان العدد الأكبر من ضحايا “داعش” هم من المسلمين، ضمن معركة توحيد “الإسلامات” في إسلام جهادي واحد يضع نفسه في مواجهة عالم كافر يتجسّد في الغرب. 

العمليات الإرهابية مجرد انتقامات، أو انفعالات عنيفة للتعبير عن الغضب وعدم الرضى

تبدو العمليات التي حدثت أخيرا في فرنسا وفي النمسا نموذجاً من النشاط “الداعشي”، حتى لو كانت عمليات مستقلة لا صلة لها بالتنظيم، قام بها أشخاص مستقلون ذاتيو التطرّف الإسلامي (self-radicalized). المبدأ هو إحداث الصدمة في وسط “العدو” بواسطة العنف الذي هو كل ما تبقى لمن يتمزّقون بين ما يتصورونه مكانة عليا حباهم بها الله، بوصفهم مسلمين، وحقيقة هامشيتهم في عالم “غربي” تجاوزهم، وتجرأ على حقوقهم ولا يقيم لهم وزناً. 

العمليات المذكورة مجرد انتقامات، أو انفعالات عنيفة للتعبير عن الغضب وعدم الرضى، سيما أنها تستهدف غالباً ضحايا مغفلين، يسهل قتلهم حتى بالسلاح الأبيض، غير أن هذه الأفعال تتصل في العمق مع نسق شعوري مكنون لدى جمهور واسع من المسلمين، يستبطن معاقبة المنتصر حضارياً، والذي لا نستطيع مجاراته. 

على الصعيد الديني الإسلامي الرسمي، تدان الجريمة، ويُطالب بعدم تكرار الاستفزاز. وعلى الصعيد الشعبي تخرج مظاهرات غاضبة ضد “إهانة” الإسلام مع تجاهل الجريمة. على الصعيدين المذكورين، يوجد ألم وجداني “تراجيدي” بين ما يمليه الحس السليم والأخلاق العامة من رفض للقتل الذي يستهدف مدنيين وشعور خفي بالراحة من فعل الشباب “الغيورين” الذين يجرحون “الغرب” الذي هزم الإسلام. بين رفض الجريمة والرضى عنها، يعيش مسلمون كثيرون ألماً وجدانياً، يعزّزه واقع هزيمتهم وتأخرهم الثقيل.

تبدو العمليات التي حدثت أخيراً في فرنسا وفي النمسا نموذجاً من النشاط “الداعشي”

استهداف الغرب دون غيره من مصادر الإساءة للإسلام والمسلمين، على الرغم من فداحة الإساءات الموجهة إلى الإسلام والمسلمين في غير مكان، يعني أن الموضوع ليس دينياً بحصر المعنى، وأن لهذه العمليات دافعا مركبا، فهو أولاً حساسية المسلمين لصورتهم في عيون الغرب “المنتصر” تجعل الاستهانة الأوروبية مؤلمة (لنلاحظ مقدار احتفاء المسلمين بتحوّل مسيحي أوروبي إلى الإسلام، الشيء الذي لن نجده عند تحول شخص أفريقي مثلاً). وثانياً العداء المستبطن للغرب الذي استحوذ على الحضارة وفكك إمبراطورية الإسلام واستعمر بلدان المسلمين. 

تبدو هذه العمليات بديلاً عن الطريق الشاق، ولكن المجدي، المتمثل في التخلص من عقدة المهزوم عبر الانخراط في مجالات التحويل السياسي العقلاني والتشاركي ومجالات العمل والعلم والبناء. قد يخفف هذا النوع من العنف عن الذات المهزومة والمهمّشة، ولكنه عقيم ومدمر للذات في علاقتها مع نفسها وعلاقتها مع الآخر.

العربي الجديد

اترك رد