احتفال على الأطلال.. خمسون عاما من حكم آل الأسد لسوريا

حملت خمسة عقود منذ تولي أسرة آل الأسد الحكم في سوريا الكثير من التناقضات السياسية والدبلوماسية والمآسي والصدامات تخللتها حروب مع إسرائيل وتدخل في شؤون لبنان وتودّد إلى الولايات المتحدة وعقد تحالفات مع حلفاء جدد متى ما اقتضت المصلحة ذلك، فضلا عن الإمساك بالسلطة بقبضة من حديد من خلال قمع المعارضين ووأد كل المحاولات الشعبية لإصلاح الأوضاع وإعادتها إلى السكة الصحيحة حتى باتت البلاد أمام حتمية انهيار اقتصادي في ظل حرب أهلية مستمرة منذ عشر سنوات دمّرت كل شيء تقريبا.

بيروت – يستحضر الكثيرون في مثل هذا التاريخ قبل خمسين عاما كيف أصبحت سوريا تحكمها عائلة واحدة، وهي آل الأسد، وباتت منذ ذلك الحين مكبّلة ولم يستطع أحد أن يتولى السلطة حتى بعد عشر سنوات من الثورة.

فقد قام حافظ الأسد، الضابط الشاب في القوات الجوية، والذي أتى من المرتفعات الساحلية للبلاد في الثالث عشر من نوفمبر عام 1970 بانقلاب عسكري، وكانت آخر عملية ضمن سلسلة من الانقلابات التي شهدتها سوريا منذ استقلالها عن فرنسا في العام 1946.

ومع ذلك لم يكن هناك أي سبب يجعله الأخير من نوعه، فبعد مرور خمسين عاما على ذلك الانقلاب، لا تزال عائلة حافظ الأسد تحكم سوريا حتى اليوم ولم يتمكن أحد من إسقاطها.

وتحولت البلاد إلى أثر بعد عين عقب حرب قتل فيها نصف مليون شخص، وهجر نصف السكان ودُمّر الاقتصاد، وخرجت مناطق كاملة عن سيطرة النظام، إلا أن ابن حافظ، بشار الأسد، لا يزال متمسكا بما تبقى من البلاد دون أن ينازعه أحد على ذلك.

وتقول زينة كرم، وهي صحافية في وكالة أسوشيتد برس، إن حكم بشار، الذي أمضى نصفه في الحرب يختلف عن حكم أبيه في عدة نواح، حيث اعتمد على الحلفاء مثل إيران وروسيا بدلا من أن يعبر عن انتمائه لفكرة القومية العربية، كما أظهر اعتماده الشديد على المحسوبية التي نهبت ثروات الدولة بدلا من انتهاجه نهجا اشتراكيا يخدم الشعب.

ولكن ورغم ذلك، فإن أدوات الأسد الابن لم تختلف عن أدوات أبيه حيث كان على رأسها القمع ورفض الصلح وإراقة الدماء حتى أن البعض شبّه حكم آل الأسد تماما كما فعلت أسرة كاسترو في كوبا وسلالة كيم في كوريا الشمالية، حيث ارتبط اسم عائلة الأسد بالبلاد كما فعل بعض الحكام من غير الملوك في بلدانهم.

احتفال على الأطلال

كيسنجر حاول مع الأسد دون جدوى

لا شيء يدعو إلى التأكيد أو حتى التخمين بأن بشار الأسد سيحتفل هذا العام بمرور خمسة عقود على تولي أبيه السلطة، فالظروف ليست مواتية بالمرة، وحتى وإن فعل ذلك فسيكون احتفاء باهتا لا ينسجم مع الأزمة التي يمر بها بلده على نحو غير مسبوق.

ويفسر نيل كويليام، وهو عضو في برنامج دار تشيذم حول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ذلك قائلا “لا شك أن سنوات حكم عائلة الأسد الخمسين كانت قاسية ومتوحشة وانهزامية، فقد حولت البلد إلى بلد مُحطم وفاشل ومنسي إلى حد كبير”.

وبعد استيلاء حافظ الأسد على السلطة في عام 1970، عمد إلى دعم سلطته وتمتينها، فأتى بشخصيات من طائفته العلوية في سوريا لتحتل مناصب رفيعة في الدولة ثم أسس “دولة بوليسية” تعتمد على الحزب الواحد تبعا للطراز السوفييتي، وهكذا باتت سلطته مطلقة، ونشر عناصر مخابراته في كل مكان ليعزز من أركان حكمه.

حكم آل الأسد

  • 1967 إسرائيل تحتل مرتفعات الجولان
  • 1970 حافظ الأسد ينجح في تولي السلطة بعد انقلاب عسكري
  • 1973 سوريا تدخل مع مصر في حرب مع إسرائيل
  • 1980 حافظ الأسد ينحاز إلى إيران في حربه ضد العراق
  • 1982 القوات السورية تجهض تحركا لجماعة الإخوان المسلمين في حماة
  • 2003 بشار الأسد يعارض الاحتلال الأميركي للعراق
  • 2005 انسحاب القوات السورية من لبنان بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري
  • 2011 اندلاع الانتفاضة السورية ولم يسقط بشار الأسد منذ ذلك الحين

وبفضل تلك القيود الصارمة، حوّل سوريا إلى مركز قوة في منطقة الشرق الأوسط، فحظي باحترام البلدان العربية من جراء موقفه الثابت بالنسبة إلى مرتفعات الجولان تلك المنطقة الاستراتيجية التي ضمتها إسرائيل في حرب 1967.

ولم يستسلم حافظ الأسد، بل شنّ بلده في السادس من أكتوبر 1973، هجوما مفاجئا على إسرائيل على مرتفعات الجولان شرقا، بالتزامن مع هجوم مصري من جهة قناة السويس، في محاولة لاستعادة ما خسره العرب من أراض خلال نكسة يونيو 1967.

وبعد ذلك دخل في محادثات سلام مع إسرائيل بوساطة أميركية حينما زار وزيرة الخارجية الأميركي الأسبق هنري كسنجر دمشق في عام 1973 فأبدى شيئا من اللين في بعض الأحيان فقط ليصيب الأميركيين بالإحباط وخيبة الأمل من جراء تراجعه والمطالبة بالمزيد من الأراضي لتنتهي الحرب رسميا بتوقيع اتفاقية فض الاشتباك في مرتفعات الجولان.

وخلال الحرب العراقية – الإيرانية، انحاز حافظ الأسد إلى جانب إيران ضد العالم العربي بكامله الذي كان يدعم صدام حسين، فأسس تحالفا أنقذ ابنه في ما بعد. كما دعم التحالف الذي قادته الولايات المتحدة لتحرير الكويت بعد غزو صدام لها في عام 1990، فحصد بذلك ثقة الأميركيين.

وقد وصف الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، الذي التقى حافظ الأسد مرات عدة في مذكراته التي تحمل عنوان “حياتي” قائلا “كان رجلا قاسيا لكنه متميز فقد مسح مدينة كاملة عن الوجود ليلقن معارضيه درسا”، في إشارة إلى مجزرة حماة التي وقعت في عام 1982، حيث قتلت قوات الأمن الآلاف لسحق انتفاضة الإخوان المسلمين.

وقد خلّفت تلك المجزرة، التي تعتبر في نظر بعض المؤرخين السياسيين الأسوأ في التاريخ المعاصر للشرق الأوسط ضغينة، وحقدا أذكى نار انتفاضة أخرى قامت ضد ابنه في ما بعد.

وتعليقا على ذلك، يقول سام داغر مؤلف كتاب “الأسد أو نحرق البلد: كيف دمرت شهوة السلطة لدى عائلة واحدة سوريا” إن العنصر الأساسي الذي اعتمد عليه نظام الأسد لبقائه هو عدم القبول بتسوية على الصعيد الداخلي كما قام باستغلال التقلبات الجيوسياسية على المستوى الإقليمي والعالمي، وانتظار الأعداء حتى يخرجوا من اللعبة.

عقود من التقلبات

رغم الانتفاضة لم يسقط بشار

ترى زينة كرم أن بشار الأسد اقتبس الشيء الكثير من شخصية والده في إدارة دواليب الحكم بعد وفاته في عام 2000، لكنه بخلاف حافظ الأسد أضاع الكثير من الفرص وشذ عن الطريق برأي منتقديه.

ومنذ بداية حكمه حظي بشار بترحيب كبير لكونه أعلن عن التزامه بمسار الإصلاح والتحديث، بما أنه طبيب عيون تدرّب في بريطانيا، حيث ادعى السير على درب الانفتاح عندما سمح بقيام مناظرات سياسية لكنه سرعان ما ضيّق الخناق على شعبه، بعدما واجه تحديات بسبب المتغيرات الجيواستراتيجية التي شهدها العالم، مع هجمات 11 سبتمبر على الولايات المتحدة.

وبما أنه عارض الغزو الأميركي للعراق في العام 2003، حيث كان القلق يساوره من أن يكون هو التالي للإطاحة به من الحكم، ولهذا سمح للمقاتلين الأجانب بدخول العراق من أراضيه، ما غذّى حالة التمرد ضد الاحتلال الأميركي، فأثار بالتالي حنق الأميركيين وغيظهم.

حكم بشار، الذي أمضى نصفه في الحرب، يختلف عن حكم أبيه، فقد اعتمد على إيران وروسيا بدلا من أن يعبر عن انتمائه لفكرة القومية العربية

وقد أجبر بشار الأسد على إنهاء هيمنة سوريا التي طالت على لبنان في 2005 بعدما اتُهمت دمشق باغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، غير أنه احتفظ بعلاقات متينة مع حزب الله اللبناني. وتماما كما فعل والده، عمد إلى ترقية أفراد من عائلته ليغلف بذلك سلطته، فنشأ جيل جديد شاب أكثر حداثة، لكنه كان أكثر جشعا وطمعا في جمع الثروة بنظر الكثير من السوريين.

وحينما جاءت ثورة ما يسمى بـ”الربيع العربي” كان الكثيرون يظنون أن بشار سيسقط من الحكم بعدما وصلت إلى بلاده في مارس 2011 كون تلك الانتفاضة تعتبر التحدي الأكبر لأسرة آل الأسد.

وكان رد فعل بشار تجاه المظاهرات التي كانت سلمية في البداية بإطلاق يد قوات الأمن لتقوم بقمع المتظاهرين، مما أدى إلى توسّع المظاهرات وازديادها بدلا من إخمادها، ثم تحولها في ما بعد إلى ثورة مسلحة وقفت كل من تركيا والولايات المتحدة ودول الخليج بجانبها.

وهكذا تشتت جيشه، ومع اقترابه من الانهيار، فتح بشار الأسد بلاده أمام الجيشين الروسي والإيراني ووكلائهما الطريق لدخول البلاد فدمروا المدن والمحافظات كما تم اتهامه باستخدام الأسلحة الكيميائية ضد شعبه وقتل الآلاف من المعارضين وسجنهم، مما أدى إلى هرب الملايين منهم إلى أوروبا.

ورغم أن بشار تحول إلى شخصية “منبوذة”، لكنه عمد ببراعة إلى تصوير الحرب على أنها خيار بين بقاء حكمه وبين تسلم المتطرفين الإسلاميين مقاليد السلطة، وعلى رأسهم تنظيم داعش، وبذلك أقنع شريحة واسعة من السوريين والدول الأوروبية بأنه “أهون الشرّين”.

وبفضل تحالفاته مع روسيا وإيران، تمكن من القضاء على الخطر العسكري الذي يهدده وأصبح على يقين أكثر من أي وقت مضى بأنه سيفوز في الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في العام المقبل في شبه دولة ممزقة اسمها سوريا.لقاء تاريخي لم يكلل بالنجاح

ويرى داغر أن الحرب غيرت السوريين دونما رجعة، لكن الانهيار الاقتصادي وتزايد المصاعب قد يغيران كل تلك الحسابات، إذ يقول “لقد استفاق جيل كامل من أبناء الشعب ولا بد أن يجد طريقه في نهاية المطاف وأن يستعيد البلاد ويرسم مستقبلها”.

ومع ظهور نتائج الانتخابات الأميركية التي فاز بها الديمقراطي جو بايدن، علق الكثير من المعارضين السوريين على ذلك ساخرين وقالوا “بقي حكم الأسد ورحل تسعة رؤساء أميركيين منذ أيام ريتشارد نيكسون”.

ويقول زاهر سحلول، وهو طبيب أميركي من أصول سورية يعيش في شيكاغو منذ أن غادر سوريا عام 1989، “طيلة حياتي هناك، كان على أبناء جلدتي من السوريين أن يصوتوا أربع مرات في الانتخابات لصالح رئيس واحد، ألا وهو حافظ الأسد الذي لا يزال ابنه رئيسا للبلاد. ولكن بعدما هاجرت إلى الولايات المتحدة قمت بالتصويت لستة رؤساء مختلفين، لذلك أتمنى أن تشهد بلادي انتخابات حرة يوما ما”.

وربما إرث حافظ الأسد كان سيبدو مختلفا تماما لو لم يخلف بشار، بحسب كويليام الذي قال “لم يكن الأمر مواتيا، لكن إرث بشار سوف يلقي بظلاله على إرث الأسد ويجعله مرادفا للقسوة، والتدمير المتعمد لدولة عظيمة، وشعب جميل”.

صحيفة العرب

اترك رد