مؤتمر اللاجئين.. هل وصل نداء العودة إلى مخيّمات لبنان؟!

لا يدّخر النظام السوري فرصة لإذلال السوريين الذين تمرّدوا على ظلمه واستبداده، ويلتجئ في كلّ مناسبة إلى الإتجار بهم لابتزاز المجتمع الدولي في سبيل تمرير صفقاته، والترويج للبروباغاندا الخاصة به، في سبيل تحصيل أموال إعادة الإعمار، التي إن استطاع تحصيلها، فستذهب هي الأخرى لملء جيوب زبانيته، فيما يعيش أكثر من 9 ملايين سوري تحت خط الفقر.

آخر تلك الادعاءات التي روّج لها النظام بتأييد ودعم روسيين كاملين، هو ذلك المؤتمر الخاص باللاجئين، الذي دعت إليه روسيا، على أرض مستعمرتها المتوسطية الجديدة، والذي تمكّنت من عقده بتمثيل دولي هزيل، بغية القفز فوق الشرعية الدولية، وإتمام هذا الاستحقاق الذي كان ينبغي أن يتمّ انعقاده بعد الانتهاء من إقرار دستور جديد في سوريا يضمن الانتقال السلمي للسلطة، وفقاً لقرار الأمم المتحدّة 2254.

على كوكب آخر، غير ذلك الذي يعيش عليه النظام السوري وزبانيته وشركاؤه الدوليين، وعلى بعد 100 كم فقط من قصر المهاجرين، الذي يقيم فيه رأس النظام السوري، يعيش ملايين السوريين ممن هجّروا من بلدهم، وأجبروا على الإقامة في مخيمات اللاجئين السوريين في لبنان، في ظروف صحية بالغة القسوة، لا تقيهم حرّاً، ولا تردّ عنهم برداً!

هؤلاء اللاجئون هم من قيّض لهم أن ينجوا بأرواحهم من المجازر الطائفية التي ارتكبت من قبل ميليشيات حزب الله الطائفية، التي اجتاحت مدنهم وقراهم في سوريا، ولاحقتهم إلى حيث يقيمون، فاستخدمت مسلّحيها الذين حشروهم في كانتونات لا يكادون يجرؤون على مغادرتها، خوفاً من أن يذهبوا ضحية جريمة عنصرية صنعتها آلة الحزب الإعلامية الطائفية، أو أن يتمّ اختطافهم وإيداعهم السجون، وفي أحيان أخرى تغييبهم وراء الشمس.

وسط كلّ هذه الظروف اللاإنسانية، يعقد النظام السوري مؤتمره موجّهاً دعواته للاجئين من أجل العودة إلى سوريا، الغارقة في الظلام والبرد، والتي انقطع الطحين من أفرانها بالتزامن مع انعقاد المؤتمر، وغاب الوقود من محطاتها.

اللاجئون السوريون في لبنان..إحصاءات متضاربة وظروف معيشية رديئة

يشير تقرير المفوضية العليا لشؤون اللاجئين إلى أن لبنان “يستضيف أكبر عدد من اللاجئين السوريين للفرد الواحد، حيث تقدر الحكومة وجود 1.5 مليون لاجئ سوري، بينهم أقلّ من مليون لاجئ من المسجّلين رسمياً.

وكان المفوض السامي فيليبو غراندي، قد صرّح من لبنان عقب انفجار بيروت أنّه “إلى جانب التأثير الفوري والطويل الأمد للانفجار المدمر، الذي وقع في 4 أغسطس في ميناء بيروت الرئيسي، فإن المفوضية تشعر بالقلق إزاء التأثير المشترك للأزمة الاقتصادية الحادة والممتدة وجائحة كوفيد-19 في البلاد.

وقال السيد بالوش: “هذه العوامل الثلاثة مجتمعة تضر بالسكان في المناطق الأكثر ضعفاً وفقراً في جميع أنحاء البلاد”.

وكان برنامج الأغذية العالمي قد أعلن خلال شهر حزيران/ يونيو المنصرم أنه يساعد حوالي 650.000 لاجئ من الأشد ضعفاً بمساعدات نقدية. وقد استفاد أكثر من 36،000 طالب لبناني وسوري من برنامج التغذية المدرسية التابع للبرنامج قبل اعتماد بعض القيود التي تم اتخاذها خلال جائحة كوفيد-19.

فيما أوضحت إليزابيث بيرز، المتحدثة باسم البرنامج خلال مؤتمر صحفي في جنيف، أن “جائحة كـوفيد 19 والكساد الاقتصادي الناتج عنها فاقما وضع مئات الآلاف من اللاجئين السوريين في المنطقة”، مؤكّدة أنّه  “حتى قبل الجائحة، كانت معظم أسر اللاجئين تعيش في فقر مدقع”، مشيرة إلى أن عدد اللاجئين الضعفاء الذين يفتقرون إلى الموارد الأساسية للبقاء في المنفى “زاد بشكل كبير بسبب الطوارئ الصحية”.

وحول هذه المعاناة، يقول أحد اللاجئين السوريين في لبنان: “عندما شهد لبنان حظراً للتجول وإقفالاً تاماً بعد انتشار مرض كوفيد- 19، تمّ تجاهل السوريين لفترة طويلة من قبل الأمم المتحدّة حتى بات اللاجئ يعاني من صعوبة تأمين الخبز لعائلته، إلى أن قرّرت الأمم المتحدة صرف مبلغ 400 ألف ليرة لبنانية، كل ثلاثة أشهر”.

ويتابع محمود: “في الشتاء مع الإقفال الجديد سيزداد الوضع سوءاً، ولن تتوقّف المعاناة عند حدود رغيف الخبز”، لافتاً إلى أنّه برفقة عدد من السوريين يعتصمون بشكل مستمر أمام مبنى المفوضية، ويقول “الأمم المتحدة لا تقدّم الطبابة الكافية أو المساعدات لغالبية السوريين، وهي لا تغطي إلا نسبة ضئيلة منهم”، وقال: “في الأسبوع الماضي أحرق أحدهم نفسه في لبنان احتجاجاً على أوضاع السوريين السيئة في لبنان”.

مؤتمر للاجئين برعاية روسيا.. أزمة ثقة 

حذّرت منظمات حقوقية، من أن توقّف المعارك في مناطق عدة في سوريا لا يعني أنها باتت مهيأة لعودة اللاجئين، في ظلّ افتقارها للبنى التحتية والخدمية، والخشية من حصول انتهاكات لحقوق الإنسان.

فيما أعلن وزير خارجية الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، عن رفض الاتحاد المشاركة في المؤتمر “لأن شروط مشاركته لم تتوافر”.

حول العودة إلى سوريا، استجابة لدعوة النظام، يقول “محمود” وهو لاجئ سوري في لبنان: “مستعد للموت، وقد ذقنا الموت في سوريا سابقاً، وأفضّله على أن اعود إلى كنف النظام المجرم، لقد كنت وما زلت وسأظلّ معارضاً لنظام بشار الأسد، نتيجة للانتهاكات التي ارتكبها بحقنا”.

صورة جوية لمخيمات السوريين

ويتابع: “من يتابع اليوم أخبار سوريا، يعرف أن النظام لم يغيّر سياساته ولا نية لديه لتغييرها، اليوم تستطيع أن تشاهد طوابير الخبز والوقود في سوريا التي نحب، ولكننا نشاهد ما يحصل للسوريين ممن لم يغادروا سوريا، ولهذا فلا يمكن أن نعود قبل رحيل النظام”، مشيراً إلى أنّ “ظروف المعيشة في سوريا لا تختلف عنها في مخيمات اللجوء، كذلك لا توجد لديّ ثقة بنظام الأسد”.

ويلفت “محمود” إلى أنّ “مؤتمر اللاجئين ينعقد برعاية موسكو، التي كانت ومازالت جزءاً من مأساة السوريين، حيث قصفت أهالينا دمّرت بيوتنا بالصواريخ، فكيف نقبل بها كضامن؟”.

فيما يتعلّق بالضمانات من قبل المجتمع الدولي: “لا تستطيع الحصول على ضمان من نظام مجرم أو احتلال روسي، كثيرون ممن قرّروا العودة غيّبوا في السجون وانقطعت أخبارهم عن ذويهم، فكيف نسلّم رقابنا مقابل ضمانات من هذا النوع؟”.

شبان بلا قيود أو وثائق رسمية

مشكلة كبيرة أخرى يواجهها اللاجئون المقيمون في لبنان، تتجلّى في هوية الأطفال المولودين على الأراضي اللبنانية، وهم في الغالب من المكتومين، نظراً لغياب الاهتمام بهذه القضية من جهة، والعراقيل التي وضعها النظام السوري في طريق الأهالي، والتي وصلت إلى حدّ الاعتقال من دوائر النفوس أو الجهات الحكومية لمجرّد تسجيل طفل في السجلّات الرسمية!

تقول “مها العمر”، وهي أم لطفل في الثالثة عشرة من عمره: “المشكلة الأبرز اليوم هي ولادات الأطفال وتوثيقها، ولدي ولد في المخيم، ولا يملك أوراقاً رسمية، حيث أنّه ليس مسجلاً في دفتر العائلة، وكلّ ما يملكه من ثبوتيات هو وثيقة الولادة، المسجّلة لدى المفوضية، بعد عام واحد يتمّ الرابعة عشرة، ولكنه لن يستطيع استخراج هوية شخصية، مثله كمثل أصدقائه الأكبر سناً ممن ولدوا في لبنان”.

وتتابع: “طرح كثيرون فكرة إيجاد لجنة من اللاجئين السوريين، تتابع شؤونهم في لبنان، وتوزيعهم في مختلف المناطق، من أجل إيجاد حلول لهذه المشاكل، ولكن مطالبنا رفضت بالكامل”.

يعيش الساسة السوريون على اختلاف مشاربهم في كوكب بعيد كلّ البعد عن السواد الأعظم من السوريين، ممن طحنهم القهر والبرد والجوع في مخيّمات تنسفها الرياح العاتية بين الفينة والأخرى، ويتسرّب العمر من بين أصابع سكّانها وهم ينتظرون لحظة الخلاص، بينما تغيب قضاياهم عن الساحة، ولا تبرز إلا عند البازارات السياسية، قبيل إعادة هيكلة كيانات سياسية هرمة، أو لالتقاط صورٍ تذكارية تنفع للإتجار بها لاحقاً!

ليفانت

اترك رد