الطريق المختصر الى “حقيقة” الانفجار

عبد الوهاب بدر خان-

وحده مثول مسؤولي “حزب الله” عن أمن مرفأ بيروت أمام المحقق في كارثة الانفجار، وتعاونهم في التحقيق، قد يكشف بعضاً من الحقيقة، وإلا فإنها لن تُعرف أبداً. يجري التعامل مع دم الضحايا ومعاناة المصابين وفاقدي بيوتهم والدمار الكبير كأنها حادث عابر.

بعد أكثر من مئة يوم على انفجار مرفأ بيروت ليس هناك سوى الأسئلة والشكوك والفرضيات التائهة. هناك تحقيق لكن أحداً لا يتوقّع منه شيئاً. لا مآخذ على نزاهة المحقق العدلي بل على منهجية التحقيق، فالقضية تُركت له وحده وهي تحتاج الى فريق كبير متنوع الاختصاصات، لكن استفراده يسهّل على “أصحاب المصالح” تقنين عمله. إذ يواجه وضعاً غير مسبوق بضخامة كارثة حملت اسم “بيروتشيما”: فالأجهزة والمرجعيات التي يُفترض أن تساعده وتوفّر له المعطيات اللازمة هي نفسها موضع اتهام، ومَن يُفترض أن يحميه لا أحد يضمن سلامتهما معاً، والموقوفون لديه يبدون كأنهم مرّوا بمعبر الترهيب قبل وصولهم إليه فهم يقولون ما تقوله تراتبية وظائفهم وما تتضمّنه أوراقهم، وكلّما صعد رتبة الى أعلى هرم السلطة يكتشف أن الكلّ تبلّغ وعرف وأن المسألة تنقّلت على سلم المسؤوليات صعوداً وهبوطاً، ولم يُتخذ قرار حاسم للتخلّص من “المواد الخطيرة”. لماذا؟ على المحقق أن يجيب عنه، فهل يستطيع؟
أي تحقيق مطلوبٌ منه أن يحدّد الآتي: الحقيقة، المسؤولية، المحاسبة، وإنصاف الضحايا. وتُظهر الوقائع أن التلاعب بمسرح الجريمة أفضى الى تلاعب بالأولويات، إذ يبدو للداخل والخارج كأن “منظومة السلطة” بدأت بالمحاسبة عبر الموقوفين، أو بعض منهم، على أن تُحصر المسؤولية بهم، أما الحقيقة فستبقى في مكان آخر، وتتطلّب معرفتها، كذلك تمويهها، وقتاً طويلاً، وأما إنصاف الضحايا فسيطول انتظاره أكثر. هذا هو مآل التحقيق المحلّي، وكان رئيس الجمهورية استبعد التحقيق الدولي لأنه يستغرق سنوات، فيما شكّك به “الممانعون” معتبرين مسبقاً أنه معرّض لـ “التسييس”. الواقع أن التحقيق المحلّي، كما يدور حالياً، بدأ مسيّساً وقد يستمرّ كذلك ما لم يقرّر المحقق الذهاب بمهنيّته الى اتهام المسؤولين الحقيقيين. فعندما تحصل جريمة بهذا الحجم الهائل، ويكون معروفاً مسبقاً أن هناك قنبلة موقوتة في قلب العاصمة، لا يمكن اعتبارها نتيجة “اهمال” أو قضاءً وقدراً.
كان هناك اهمال، بلا شك، لكن عندما تكون هناك مراسلات كثيرة تشير على مدى سبعة أعوام الى “الخطر” الكامن، يصبح الإهمال مبرمجاً أو قسرياً. وعندما يتبيّن أن ثمة “اهمالاً” ادارياً كبيراً و”تقصيراً” أمنياً فادحاً فإنهما يعكسان بالضرورة “فشلاً” سياسياً ينبغي كشف أسبابه ودوافعه. لكن كيف؟ يتمثّل الطريق المختصر أمام المحقق باستدعاء مسؤولين أمنيين من “حزب الله”، فالكبير والصغير في المرفأ يعرفهم بأسمائهم ووجوههم وتلقى تعليمات أو “نصائح” بتسهيل مهمتهم وعدم اعتراضهم لئلا يتأذّى، بل يعرف أيضاً أن لديهم “عنبرهم” وأنهم كانوا قيّمين على حمولة نيترات الأمونيوم وانزالها وتخزينها اسوة بغيرها من مواد مدنية أو عسكرية وكلّها غير مصرّح رسمياً، أي غير شرعية، تعلم بها أجهزة لبنانية اعتادت “التطنيش”، وتعلم بها أيضاً أجهزة غير لبنانية. جريمة المرفأ أكّدت عملياً، لمن لا يزال يتساءل، مدى اختراق “حزب الله” للأجهزة الأمنية والحكومية كافةً.

صحيفة النهار

اترك رد