أين نحن اليوم؟

ميشيل كيلو ‘

أصبح هذا السؤال قضية وطنية طرحها السوريون، البارحة (الأربعاء 25/11/2020) على نطاق غير مسبوق، وفي اتجاه يتجاوز تلك الإشارات التي بعث الغضب الشعبي بها مرّات عديدة حيال الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية الذي ادّعى، كل مرة، أنها لا تعبر عن موقف السوريين. وها هو قراره الغامض الدوافع والمرامي حول مفوضية الانتخابات يدفع جميع قطاعاتهم إلى إطلاق صرخة رفضٍ لا مثيل لها منذ عام 2012، عبّرت عن الرغبة في سحب ما كان يدّعيه من تمثيل للشعب السوري، كثيرا ما نبّهه الحريصون على العمل الوطني إلى تلاشيه في الداخل، بينما بدّدت سياساته ومواقفه الاعتراف الدولي به، نتيجة عجزه عن تمثيل الثورة دوليا، من جهة، وعجزه عن إنتاج عمل ثوري وطنيا، وتوجيه اهتمامه نحو منع تخلق تمثيل بديل له، بذريعة تقول إن الاعتراف الدولي به هو اعتراف بحق السوريين في إسقاط الأسدية ونظامها.
بتضييع تمثيله الداخلي ووزنه الخارجي، انتقلت رئاسته إلى السلبية، قبل أن تشرع في ممارسة بهلوانياتٍ سياسيةٍ أملاها عقل أسدي يحتقر الشعب، ويتجاهل أن إصراره على التخلص من أسد دمشق لا يعني قبوله بـ”واهم زعامي”، يتوهم أنه لن يتمكّن من نزع أنيابه، مهما غرسها في لحمه. بافتقاره إلى طابع تمثيلي ودور ثوري، عزل “الائتلاف” نفسه عن شعب سورية، وتجاهل أهمية استعادة ثقته به، لاعتقاده أن تدميره أسديا وإرهابيا أفقده القدرة على الحراك والفعل، وأن غيابه عقبة تجعل بناء بديل له أمرا يعزّز استحالته العدد الكبير من تنظيماتٍ نخبويةٍ خلبية، تتناحر بخناجر كلامية تتطابق مفرداتها ومراميها المعلنة، وتُغري بعض أتفه المنتمين إليها أن السياسة تنبع من أشداقهم، مع أن دورهم يقتصر على الإسهام في إجهاضها. بدورها، تغرق تنظيمات المجتمع المدني في احتجازاتٍ مهنيةٍ لا تحاول تخطّيها، مع أن دورها إيجابي شعبيا ويلزمها بتجاوزها، تعزيزا لتواصلها المباشر كجهة موحّدة، مدنية وسياسية في آن، مع مختلف قطاعاته، ولتفاعلها البيني، وصولا إلى توحيد تنظيماتها المختلفة، وما تلعبه من دور وازن في صمود سوريي مناطقها. 
هل تعني تظاهرة الأربعاء الماضي التي جمعت قطاعاتٍ واسعةٍ من نخب متنوعة الخيارات، يغلب المطلب الديمقراطي على خطابها، أن هذه قرّرت الانتقال إلى عالم الفعل، بإقدامها على خطوةٍ تبدو وكأنها تؤكد نهوضها من تحت ركام كلامها، وقبولها التخلي عن تنظيماتها، المزعومة، والعمل لبناء جهة تمثيلية واحدة، تكون لديها، أخيرا، خطط وبرامج يساندها مواطنو سورية، لأنهم يرون فيها قيادتهم ومرجعيتهم، وقائدة مقاومتهم التي تنظّم قدراتهم وتحوّلهم من “مواطنين خام” إلى ذواتٍ فاعلةٍ يتيح لهم دورهم تخطّي حقبة الخمود والانكفاء على الذات، ومواجهة العنف الأسدي الذي نجح في إطفاء تمرّد عام 2011، بتضافر جرائم جيشه مع جرائم ملحقاتها الإرهابية في “داعش” وجبهة النصرة وزرازيبهما. 
هل تقدم “النخب” على خطوةٍ لا رجعة عنها، تُلزمها برؤية تنظيماتها بدلالة وطنها وحريته، فتقيم تنظيما وقيادة موحديْن، بدل رؤيةٍ سوريةٍ بدلالة تشكيلاتها الخلّبية والعاجزة عن إحداث أي تبدّلٍ في موازين القوى لصالح الثورة، التي ستنهض من جديد، في حال توفرت لها الوحدة السياسية والقدرة على المقاومة، وتجدّد دور حاملها الشعبي المعاد إحياؤه بجهود نخبٍ تجد نفسها اليوم أمام أحد خيارين: عمل عقلاني وصبور لبناء قيادة/ مرجعية، تعيد الشعب إلى الصراع بصفته قوة حسمٍ لا بديل لها، أو التمسّك بتبعثرها وما يمليه عليها من صراعات ديكةٍ مقصوصة المناقير، ومن تناحر، لتنقذ، عندئذ، بعجزها وتفاهتها، ما تدّعي أنها قرّرت إقامة بديل له: عنيت “الائتلاف”، الذي سيُقدم، في حال فشلها، على خطواتٍ أشدّ خطورة بكثير من خطوة المفوضية، بينما ستتلاشى نخب الحكي كما تتبدّد فقاعة من كلام!

العربي الجديد

اترك رد