الهوة تتسع بين مشروعي مقتدى الصدر ومصطفى الكاظمي

بغداد- كرّست الأحداث الدموية التي رافقت تظاهرات أتباع مقتدى الصدر والتحرّك الشعبي المضاد لهم في الناصرية، التباعد بين زعيم التيار الصدري ورئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي بعد أن بدا، ظاهريا على الأقل، أنّهما يشتركان في عدم الانتماء المباشر للنخبة التي خاضت تجربة الحكم الفاشلة طيلة السبعة عشر عاما الماضية.

فقد بدا أن الصدر بصدد أخذ زمام المبادرة من حكومة الكاظمي وهو يتدخل لقمع المحتجين في الناصرية قبل يومين، موقعا في صفوفهم العشرات من القتلى والجرحى، لمجرد أنهم انتقدوا مواقفه المتقلبة من المشاركة في الانتخابات.

وبالنسبة للمراقبين، فإن الصدر الذي يضع نفسه في منزلة القداسة ويريد أن يكون فوق النقد على الدوام يراهن على ارتباك الفريق المحيط برئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي وانقساماته بشأن الطريقة المثالية للتعاطي مع الصدر.

ويبدو من الأداء المرتبك لفريق الكاظمي أن جزءا منه يريد مواجهة مفتوحة مع الصدر، بينما يفضل فريق آخر تجنب الزعيم الديني بسبب شعبيته، وقدرته على تحريك جزء مؤثر من الشارع في بغداد والجنوب، كما فعل في استعراضه الجمعة.

وعندما قرر الكاظمي أن يستعيد المبادرة في الناصرية، انقسم المراقبون في قراءة دوافع الإجراءات الحكومية، إذ رأى بعضهم أن رئيس الوزراء وجّه صفعة للصدر عبر بيان تضمن إشارات لاذعة لزعيم التيار الصدري، وتشكيل لجنة برئاسة قاسم الأعرجي لإعادة الأمن إلى الناصرية.

لكن جزءا آخر، ذهب إلى أن تحركات الكاظمي جاءت استجابة لمضمون آخر تغريدة نشرها في وقت متأخر مساء السبت، وتضمنت طلبا صريحا من الحكومة “الالتزام بواجباتها وفرض الأمن والقانون، وإلا فهي مقصرة أمام الله والشعب”. وتحدث الصدر بلغة وصفها المراقبون بالمتعالية عن أوضاع الناصرية، بعد أقل من يومين على تورط أنصاره في مجزرة بحق متظاهري المدينة.الكاظمي في مواجهة مفتوحة مع الصدر

وقال الصدر “يجب أن يعم السلام والأمن في الناصرية الفيحاء”، داعيا أهالي المدينة إلى أن “لا يتصارعوا بينهم”، في محاولة لتبرئة نفسه من دماء المحتجين، وتصوير الأمر على أنه ناجم عن صراع بين السكان المحليين. وتابع الصدر “إن كان هناك من يزعزع أمن الناصرية من أي طرف ولا يحترم هيبة الدولة فعلى الحكومة المركزية التعامل معه”.

لكن رد الحكومة الأحد كان واضحا في إنكاره لإجراءات الصدر الدموية في الناصرية، إذ أصدر الكاظمي بصفته قائدا عاما للقوات المسلحة بيانا تحدث فيه عن “درء الفتنة”، من دون تسمية الجهات المتورطة فيها.

وقال الكاظمي “انطلاقا من حرصنا على فرض القانون وترسيخ قيم الدولة وتقويض كل ما من شأنه تصعيد التوترات بين أبناء البلد الواحد وتهديد الدولة ومؤسساتها، ولأننا نجد من الضروري فرض القانون بطريقة تؤمن وتحمي المتظاهرين السلميين، وفرزهم عن المخربين، فإن الأحداث المؤسفة التي جرت في ذي قار أخيرا تستدعي موقفا مسؤولا على كل المستويات”.

وعلى صعيد عملي كلف الكاظمي مستشار الأمن الوطني قاسم الأعرجي برئاسة خلية الناصرية الخاصة، على أن يشارك في عضويتها رئيس جهاز الأمن الوطني عبدالغني الأسدي، واللواء سعد نعيم عبدالله عن قيادة العمليات المشتركة، واللواء عماد صميدع قائد عمليات سومر، واللواء عودة سالم مدير شرطة ذي قار.

وخوّل الكاظمي الخلية جميع الصلاحيات المالية والإدارية والأمنية لإنجاز مهمتها في دعم إدارة المحافظة وضبط الأمن فيها. ويقول مراقبون إن هذه الخلية ربما تكون بوابة لتوفير الحماية الحكومية لمتظاهري الناصرية من أي اعتداءات يخطط لها الصدر مستقبلا.

وتعليقا على تلك الأحداث والمواقف قال مراقب عراقي إنّه سيكون من الصعب تخيل أي علاقة مستقبلية بين الصدر والكاظمي، معتبرا أنّ لكل واحد منهما مشروعه السياسي.

واستدرك ذات المراقب بالقول “ربما يجمع العداء للتركيبة الحزبية المهيمنة على الدولة بينه الصدر والكاظمي، لكنه ليس سببا كافيا لإلغاء ما يفرق بينهما. فالصدر وإن تستر بشعارات وطنية غير أن مشروعه يظل دينيا ذلك لأن وجوده كله مرتبط بكونه ابن محمد الصدر كما أن ارتباطه بإيران يقلل من مصداقيته الوطنية، أما الكاظمي فإن شعوره بالخيبة بسبب انهيار الدولة الاقتصادي الذي حدث نتيجة سنوات طويلة من الفساد لن يسمح له بالتوافق مع الصدر”، وأضاف “في كل الأحوال فإن الكاظمي لا يملك أسبابا تجعله يشعر بالاطمئنان إلى الصدر الذي صار مشروعه يتناقض مع وجوده على رأس الحكومة إذا ما قرر ترشيح عضو في تياره لمنصب رئيس الوزراء إثر الانتخابات القادمة”.

صحيفة العرب

اترك رد