محاكمة “مكلفة ومرهقة” تتمخض عن مؤبد لمدان وحيد في اغتيال الحريري

أصدرت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان أخيرا حكمها بحق المدان الوحيد في اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري في ظل شعور بالمرارة يلازم اللبنانيين بعد ضياع أموال طائلة في قضية شبه خاسرة.

بيروت – أسدل الستار عمليا على قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري التي كلفت لبنان 600 مليون دولار بإدانة متهم وحيد من أصل خمسة متهمين وهو العضو في حزب الله سليم عياش حيث قضت المحكمة الجمعة بسجنه مدى الحياة.

وجاء في بيان صادر عن المحكمة الدولية الخاصة، الجمعة أنه تم الحكم بخمس عقوبات سجن مؤبد على المتهم سليم عياش (56 عاما)، الذي هو في حالة فرار.

وقال القاضي الأسترالي ديفيد ري أثناء قراءة قرار المحكمة الجمعة “كان الهجوم يهدف لإثارة الرعب في لبنان وهو ما حدث بالفعل.. استقر في يقين هيئة المحكمة أنه ينبغي تطبيق أقصى عقوبة وهي السجن المؤبد عن كل من الجرائم الخمس على أن يجري تنفيذها في نفس التوقيت”.

وأدى اغتيال الحريري إلى دخول لبنان في أسوأ أزماته منذ الحرب الأهلية التي دارت بين 1975 و1990 مما مهد الطريق لسنوات من المواجهة بين القوى السياسية والطائفية المتناحرة.

وكان ممثلو الادعاء قد طالبوا بتطبيق عقوبة السجن المؤبد عن كل جريمة من الجرائم الخمس التي أدين بها عياش. وقال فريق الدفاع عن المدان في وقت سابق إنه سيستأنف الحكم أيا كان. وحضر فريق الدفاع ومحامو ضحايا الانفجار الجلسة عبر رابط الفيديو بسبب القيود الناجمة عن تفشي فايروس كورونا.

وأصدرت المحكمة، مذكرة توقيف جديدة واستصدرت نشرة حمراء من الشرطة الدولية (الإنتربول) بشأن عياش. وفي رأي منفصل مرفق بالحكم، أشار ري الذي يرأس هيئة المحكمة إلى “كلمات قوية” صدرت من قادة حزب الله لدعم عياش بعد الكشف عن لائحة الاتهام الموجهة له في 2011، وإلى أن عياش لم يُعتقل في السنوات التالية.

وقال ري “من وجهة نظري يقودنا ما سبق إلى استنتاج قوي بشأن من كان يحميه من العدالة طوال هذه السنوات”.

400 موظف في المحكمة الدولية الخاصة تولى لبنان دفع تكاليف رواتبهم 

والمحكمة الخاصة بلبنان هي محكمة جنائية ذات طابع دولي، مقرها مدينة لاهاي في هولندا، وقد اقتُرحت وأُقرت من مجلس الأمن الدولي عام 2009، للتحقيق ومحاكمة مغتالي الحريري، غير أن لبنان من تحمل تكلفتها في حضرة 400 موظف.

وعلى مدار السنوات الست الماضية عقدت المحكمة العشرات من الجلسات، كما تمت إثارة قضايا اغتيال أخرى استهدفت سياسيين وأمنيين لبنانيين، وشكلت الخلاصة التي خرجت بها المحكمة خيبة أمل كبيرة للبنانيين لاسيما وأنه كان يعلق عليها آمالا كبيرة في وضع حد لسياسة الإفلات من العقاب.

وبرأت المحكمة في 18 أغسطس ساحة 3 متهمين ينتمون لحزب الله هم كل من حسن مرعي وحسين عنيسي وأسد صبرا لعدم كفاية الأدلة، فيما أدانت عياش الذي قالت إنه المسؤول عن الخلية التي نفّذت عملية الاغتيال وشارك فيها شخصيا، عبر تفجير استهدف موكب الحريري بالعاصمة بيروت، ما أودى بحياة رئيس الوزراء و21 آخرين، في 14 فبراير 2005.

والمتهم الخامس في هذه القضية وهو القيادي العسكري البارز في حزب الله مصطفى بدرالدين، كان قتل في غارة جوية في سوريا في العام 2016.

ورفضت المحكمة في معرض حكمها الصادر في أغسطس توجيه اتهامات لحزب الله كتنظيم، وأيضا للنظام السوري، الذين يعتقد أنهما خلف عملية الاغتيال، في ظل وجود عدة قرائن تدينهما.

واستقبل اللبنانيون الجمعة خبر الحكم على عياش بفتور يغذيه شعور بالخيبة، لضياع ملايين الدولارات على قضية “خاسرة” من وجهة نظرهم، وكان الأفضل أن جرى إنفاقها في الداخل اللبناني، الذي هو في أمسّ الحاجة لها في ظل الأزمة المالية والاقتصادية التي تطحنه والتي باتت تهدد بإلقاء معظم اللبنانيين في غياهب الفقر والجوع.

Thumbnail

وعبّر نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي عن مرارتهم، ذلك أنه حتى المدان الوحيد في هذه القضية لا يزال حرا طليقا حيث يرفض حزب الله تسليمه.

وعلّق رئيس الحكومة اللبنانية المكلف وابن الراحل سعد الحريري على الحكم الصادر عن المحكمة الدولية بحق عياش في تغريدة على تويتر قائلا “العدالة الدولية أصدرت حكمها في قضية الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه والعقوبة التي أنزلت بسليم عياش يجب وضعها موضع التنفيذ وعلى السلطات القضائية والأمنية اللبنانية القيام بواجبها في هذا الخصوص.

ويتساءل النشطاء بتهكم كيف باستطاعة الحريري إجبار حزب الله على الاستجابة لطلب المحكمة أو كيف ستقوم الأجهزة اللبنانية بدورها في ملاحقته في ظل سطوة الحزب.

وللمفارقة فإن الحريري يستعد اليوم للعودة إلى أحضان السلطة التي يرعاها حزب الله، وكان الحريري كلف قبل أسابيع بتشكيل حكومة لبنانية جديدة خلفا لحكومة حسان ياب التي استقالت بعد أيام من انفجار مرفأ بيروت المدمر.

وقدم الحريري الأربعاء تشكيلة حكومية قال إنها من اختصاصيين، لرئيس الجمهورية ميشال عون. وتشكّل عودة الحريري للسراي بعد استقالته في أكتوبر من العام الماضي، عودة إلى عهد لفظه اللبنانيون وطالبوا بتغييره جذريا.

ويقول مراقبون إن الحريري نفسه يبدو مستعجلا هذه المرة لطي صفحة المحكمة الدولية بمرارتها، وهو ما أوحى به من خلال تغريده، لافتين إلى أن مطالبته بتسليم الجاني لا تعدو كونها محاولة لتبريد الجبهة الداخلية. ويرفض حزب الله الاتهامات الموجهة إلى عياش، ويقول إنه لا يعترف بالمحكمة، وإنها سياسية وتهدف إلى الانتقام منه .

صحيفة العرب

اترك رد