(الطريق الروماني القديم بين إنطاكيا وحلب)


• د. محمد عادل شوك


يُذكرُ الرومانُ بأنّهم من أكثر الشعوب القديمة تقدمًا في إنشاء الطرق البرية وتقنية بناء الجسور والعبّارات عليها، فقد وصلت شبكات الطرق البرية لديهم إلى أكبر اتساع لها في القرن الثاني الميلادي، حيث غطت معظم مدن الإمبراطورية الرومانية، حتى قيل: إنّ الحضارة الرومانية تنتقل من خلال طرقها بسبب كثرتها وطولها.
وقد بنوا في سورية شبكة واسعة من هذه الطرق، وذلك للأغراض التجارية والعسكرية، منها الطرق الرئيسية المعبّدة والترابية المحسّنة. كما أقاموا أبراجًا للحراسة بجانب تلك الطرق وفي أماكن مرتفعة؛ لمراقبتها وحماية القوافل التجارية المارة عليها. وبالقرب من مصادره المياه والإمدادات التموينية العسكرية، حيث كانت المياه تُوفَّر لتلك الأبراج من الأنهر القريبة والآبار والأحواض والصهاريج، أو تُجَّر بواسطة قساطل من أماكن بعيدة، ومنطقة عفرين مليئة بمثل هذه الآبار والأحواض والصهاريج في تقاطعات الطرق القديمة.
ولقد كانت إنطاكية عاصمة الولاية الرومانية الشرقية، وكانت صلاتها مع الشرق تتم عبر طريقين رئيسيين:
1- أحدهما عبر منطقة حارم / باب الهوى، متجهًا شرقًا نحو قنسرين/ حلب.
2- والثاني عبر سهل جومة متجهًا نحو إنطاكيا ومدن أواسط الأناضول والجزيرة.
ولقد كان لجبل ليلون (جبل سمعان) في الفترة الرومانية ثلاثة طرق رئيسية لتأمين الاتصال بين التجمعات السكانية آنذاك، وتلك الطرق هي:
1- الطريق الرئيسي إنطاكيا – قنسرين/ حلب: وكان يمر جنوب جبل ليلون، وكانت تتفرع منه عدة طرق فرعية لربط قرى جبل ليلون بمدينة إنطاكية، حيث كانت منطقة جبل ليلون تابعة إداريًا لمدينة إنطاكية عاصمة العواصم آنذاك.
2- والثاني: كان يربط سيروس (قلعة النبي هوري حاليًا) بمدينة أفاميا / تقع على مسافة (60 كم) شمال غرب مدينة حماة
3- والثالث: كان يبدأ من الطرف الشمالي لجبل ليلون مرورًا بقراه الأثرية وصولاً إلى طريق إنطاكية – حلب الرئيسي.
لقد وصلت شبكة الطرق الرومانية البرية في أكبر اتساع لها في أيام الإمبراطور “تراجان”، وذلك في بداية القرن الثاني الميلادي، حيث وصل طولها إلى حوالي 85 ألف كم، وامتدت من عند جدار الإمبراطور أدريان في إسكوتلندا، وهو الجدار الذي يفصل اليوم بين “إسكوتلندا وإنكلترا في الغرب، وحتى “نهر دجلة” في الجهة الشرقية.
أما في سورية، فقد كان طول شبكة الطرق أيام الرومان أضعاف طول شبكة الطرق الحالية فيها، فمثلاً كانت هناك ثمانية طرق تصل إلى مدينة تدمر، ومثلها من الطرق كانت تصل إلى مدينة بُصرى الشام.
لقد كان عرض الطريق الروماني (5,5 م)، وطوله حوالي (100 كم)، ولا يزال قسم منه موجودًا حتى اليوم قرب قرية تل عقبرين (تل الكرامة)، التابعة لمحافظة ادلب، ويبلغ طول القطعة المتبقية (1100م)، وكان مرصوفًا بطبقة من بلاطات حجرية كلسية جيدة سماكتها (70سم)، وتحتها توجد طبقة سماكتها (30 سم)، مؤلفة من الحجر الصغير والبلوكاج الخشن، وكانت سماكة الطريق الكلي حوالي ( 1م) في المناطق الصخرية، مثل المنطقة الواقعة قرب قرية تل عقبرين، أما في المناطق المستنقعية ذات التربة الرخوة، فكانت سماكة الطريق تصل إلى(2م)، مؤلفة من أربعة طبقات، تنتهي في الأعلى بالحجر، ليكون هناك إمكانية لإنشاء عبّارة تمر من خلالها المياه، وذلك بين طرفي الطريق، فالرومان كانوا مشهورين ببناء الجسور والعبّارات، ومن الأمثلة على ذلك الجسرين الرومانيين في منطقة عفرين.
وبسبب أهميته الإستراتيجية، وباعتباره من طرق الدرجة الأولى، كان يُرمّم من العاصمة روما، إذ كان للرومان تصنيفات ومراتب للطرق؛ وذلك كي يكون جاهزًا بشكل دائم عند الحاجة إليه، سواء حين الدفاع عن أراضي الإمبراطورية أو الهجوم على مناطق مجاورة، وقد كان لديهم خرائط جميع طرقهم، بدءًا من القرن الثاني الميلادي، وبين الفترة والأخرى. وكان المتخصصون يحملون تلك الخرائط ويجوبون الطرق الهامة للصيانة والترميم إذا لزم الأمر.
وكانت توجد على أطراف الطريق بغض النظر عن طوله نقاط تحديد المسافات، وهي عبارة عن أعمدة قصيرة تُسمى الحجارة الميلية (نسبة إلى الميل، وهو مقياس طول المسافات عندهم قديمًا، يساوي (1,48 كم)، وكان يكتبون عليها إضافةً إلى المسافات بين المدن الرومانية، ذكريات لمرور الأباطرة على الطريق أو الذين أنشؤوه أو رمموه، وكانت تلك الأحجار تتضمن قياس المسافات بين المدن والمناطق الرومانية، ويوجد عدد من هذه الحجارة الميلية في متحف اللاذقية، ومتحف أفاميا، وعند مدخل قلعة بُصرى الشام.
لقد تم البدء بإنشاء هذا الطريق منذ دخول الرومانيين إلى سورية، وذلك في العام (64 ق.م)، ورُمّم أكثر من مرة، وهناك كتابة موجودة على لوحة حجر ميلي بالقرب من قصر البنات، الواقع بين باب الهوى وعين دلفة/ محافظة ادلب، تعود إلى أيام الإمبراطور مارك أوريل، ما بين (160 -180م)، تشير إلى ترميم حدث له في عصره.
لقد كانت لهذا الطريق أهمية إستراتيجية للدولة الرومانية ومدينة إنطاكية عاصمة سورية، من العام ( 312 ق.م) وحتى الفتح العربي الإسلامي، فكان يصل إنطاكية بمدينة قنسرين/ حلب، وله أهمية دينية للطريق؛ لأنّه كان هناك اعتقاد بأنّ القديس بولس سار عليه في إحدى سفراته البرية إلى البرين التركي واليوناني، وكان أيضًا يتقاطع مع الطريق الروماني الآخر: قورش-أفاميا، القريب من المكان الذي كان يقيم ويتعبد فيه القديس سمعان العمودي، حيث كانت تسلكه قوافل الحجاج والزوّار.

الأيام السورية

اترك رد