مشكلات خلّفتها “حرب العملات” شمال غربي سوريا.. ما الحلول؟

في منتصف العام الجاري وتحديداً في شهر حزيران، مثّل بدء ضخ العملة التركية في الأسواق ومحال الصرافة في منطقة شمال غربي سوريا، بصيص أمل لدى السكان، للتخلص مِن تبعات انهيار العملة السورية تدريجياً خلال السنوات الماضية.

وجاء قرار الجهات المحلية المتمثلة بالحكومتين السورية المؤقتة و”الإنقاذ” – التي تهيمن عليها “هيئة تحرير الشام” – باستعمال العملة التركية بدلاً مِن السورية، التي شهدت  تراجعاً قياسياً في قيمتها، إذ بلغ سعر صرفها 3000 أمام الدولار الأميركي الواحد، تزامناً مع دخول قانون “قيصر” حيّز التنفيذ مِن قبل الولايات المتحدة، خلال شهر حزيران ذاته.

خلال المرحلة الأولى للخطوة أكّد عدد من الباحثين في الشأن الاقتصادي أنّ العملية محفوفة بالمخاطر، ما لم تراعِ عدة جوانب، أهمها إلزام جميع المناطق بمنع تداول الليرة السورية، ودفع أجور العاملين بالعملة التركية، بما يتناسب مع دخلهم وأجورهم سابقاً.

وبعد ما يقرب نصف عام على بدء تداول الليرة التركية، ظهرت معالم ونتائج القرار، فكان له إيجابيات وسلبيات، كما خلق عدداً مِن المشكلات لدى الطبقة الفقيرة والعمال على وجه الخصوص، فنتج عنه رابحون ومنتفعون، وأيضاً خاسرون ومتضررون.

واستعرض موقع تلفزيون سوريا آراء شريحة واسعة مِن العمال في شمال غربي سوريا بانعكاسات وآثار تقلب العملات على الأجور والواقع المعيشي، خاصة مع استمرار تداول الليرة السورية، ووجود نظيرتها التركية، والدولار، كما تواصل الموقع مع خبراء اقتصاديين، وضعوا بدورهم عدداً مِن الحلول والمقترحات بين أيدي المعنيين والجهات المحلية، لمنع تفاقم معاناة السكان.

إجماع على أصل المشكلة

ألقى غياب الجهة الحكومية الحقيقية والرقابة على التنفيذ والحزم مع المُخالف بظلاله على المدنيين ذوي الدخل المحدود، فقد بات سعر الصرف في غالب الأحيان مختلفاً من صراف إلى آخر، وفي الشارع والسوق ذاته تجد أسعاراً متعددة لسلعة واحدة، وهو ما ينطبق على المواد الغذائية والمحروقات والأدوية والخضراوات والألبسة وغيرها من المتطلبات الأساسية.

يقول ياسر عبد اللطيف – أحد سكان مدينة الباب شرقي حلب – لـ موقع تلفزيون سوريا إنّ ارتفاع أسعار صرف العملات الأجنبية مقابل الليرة السورية بعد انطلاق الثورة، والخسارات الكبيرة التي مُنيَ بها التجَار والمواطنون على حد سواء نتيجة ارتفاع قيمة المواد الأساسية وربطها بالدولار الأميركي، وجّه أنظار السوريين في المناطق الخارجة عن سيطرة نظام الأسد إلى إيجاد حلول بديلة للاستغناء عن الليرة، وكان منها اعتماد الليرة التركية كبديل عن السورية في التعاملات الشرائية لما تحويه مِن فئات صغيرة قريبة من قيمة العملة المحلية، عكس الدولار الأميركي الذي تبلغ قيمة فئاته الصغيرة ملبغاً كبيراً إذا ما تم مقارنتها بالليرة التركية أو السورية.

ومن وجهة نظر “عبد اللطيف” فإن انتشار العملة التركية والدولار الأميركي في شمال غربي سوريا خلّف تبعات منها إيجابية، إذا تمكنت المنطقة من الاستغناء عن الليرة السورية والاعتماد على التركية بسبب انتشارها بين المدنيين والتجّار على حد سواء، إضافة لوجود الفئات الصغيرة للعملة، كما كان للأمر تبعات سلبية أهمها عدم وجود تسعيرة نظامية للسلع، إضافة إلى قيام كثير من التجار بتسعير المواد بالدولار رغم عدم وجود فئات صغيرة منه، وهو ما تسبب بخسارات كبيرة للمواطن.

ويعتقد “عبد اللطيف” أن الطريقة الأنسب لتجاوز التبعات السلبية المذكورة، هي اتباع الحكومة السورية المؤقتة أو المجالس المحلية في الشمال السوري، آلية موحدة لتحديد سعر الصرف بشكل يومي، مع إلزام التجار به ووضع تسعيرة ثابتة لكل المواد بالليرة التركية للحد من تلاعب البعض بالأسعار.

أما حامد العلي – الموظف في إحدى المدارس التابعة لـ مكتب التربية بمدينة جرابلس شمال شرقي حلب – قال لـ موقع تلفزيون سوريا “بدأت التعامل بالليرة التركية منذ عام 2017 بحكم عملي كمعلم حيث أتقاضى راتبي بالعملة التركية، وفي البداية كان التعامل بها سلبيا جداً بالنسبة لي بحكم أن المعاملات جميعها كانت بالعملة السورية حينها، وهو ما استمر حتى منتصف عام 2020، حيث بدأ تداول الليرة التركية بشكل رسمي في الأسواق، ولاحظت آنذاك تحسناً كبيراً”.

وأضاف “منذ حوالي أربعة أشهر عاد معظم المدنيين والتجار في الأسواق لتداول العملة السورية بدلاً عن التركية، وطبعاً هذا الأمر أثر بشكل سلبي عليّ كموظف أتقاضى راتبي بالعملة التركية، ثم أضطر للتعامل بالليرة السورية، وقد كان فرق صرف العملات من أكبر المشكلات التي واجهتني”.

من جانبه أشار معتز ناصر – أحد قاطني مدينة الباب – إلى أن استمرار تداول الليرة السورية في المنطقة له آثار كارثية من ناحيتين: الأولى هو إعطاء العامل لأجره بالعملة المحلية رغم انهيارها المتواصل، ولذا فإن دخل العمال يتأثر بشكل كبير، والثانية هو قيام بعض ضعاف النفوس من الباعة بتسعير المواد بالدولار، ثم ضرب السعر على الليرة التركية أو السورية، وفقاً لسعر صرف خاص به، وذلك بهدف أخذ هامش ربح أكبر على حساب المواطنين.

ورحّب “ناصر” خلال حديثه لـ موقع تلفزيون سوريا باستمرار تداول الليرة التركية في الشمال السوري، وبالوقت ذاته منع عمليات البيع والشراء بالليرة السورية، ومنع تداولها أساساً.

العمّال هم الأكثر تضرراً

جميع العمال الذين تحدثوا لـ موقع تلفزيون سوريا أجمعوا على أن تداول العملة التركية دون منع الليرة السورية، كان له نتائج كارثية عليهم، أجبرت عدداً منهم على ترك العمل والجلوس في الخيام، خاصة أن السلطات المحلية لم تتخد إجراءات صارمة تحفظ حقوقهم، وتمنع استغلالهم.

وأفاد “أبو حميد” – صاحب صهريج لبيع المياه في مدينة اعزاز شمالي حلب – لـ موقع تلفزيون سوريا بأنه يواجه عدة مشكلات خلال عمليات البيع والشراء، قائلاً إنه تعرض للاستغلال خلال شراء قطع غيار لآليته، أو أثناء شراء المحروقات، مردفاً “كل جهة تضع سعراً مختلفاً عن الأخرى”.

واشتكى محمد ربيع –  بائع سحلب – من غياب الرقابة على الأسعار، حيث قال “أبيع السحلب بالليرة السورية، وعندما أذهب لشراء المواد الأساسية من السوق أشتريها بالليرة التركية، ومعظم الباعة يضعون الأسعار بشكل مزاجي، ما يتسبب بخسارتي، لذلك أطلب اعتماد الليرة السورية فقط، أو التركية فقط، حتى نرسو على برّ”، حسب وصفه.

العامل علي الكردي يخرج من خيمته قرب الحدود السورية التركية في الساعة السابعة صباحاً، ويتوجه نحو الساحة الرئيسية في مدينة اعزاز برفقة عشرات العمال، عسى أن يحالفهم الحظ في الحصول على قوت يومهم، ووفقاً لـ “الكردي” فإنه يتقاضى أجرته بالليرة السورية، حيث يرفض الجميع إعطاء العامل الأجر بالعملة التركية.

وذكر أن العامل يضطر في بعض الأحيان للعمل مقابل 2000 ليرة سورية يومياً، مطالباً الجهات المعنية بالتدخل لوضع أجر ثابت لهم، خاصة أن الواحد منهم يحتاج بشكل يومي لما يقرب 50 ليرة تركية حتى يؤمن حاجياته الأساسية.

بدوره قال العامل “أبو حسن” إن صاحب الحافلة التي تقلّ العمال من مكان سكنهم في المخيم نحو ساحة مدينة اعزاز يرفض أخذ أجرته بالسوري، وأثناء عملهم اليومي فهم مجبورون على تقاضي أجرتهم بالليرة السورية، بسبب رفض أصحاب العمل لدفعها بالتركي، وهو ما تسبب بتردّي الأوضاع المعيشية لآلاف الشباب.

اقتصاديون يرمون الكرة في ملعب المعنيين

طرح خبراء اقتصاديون عدداً من الحلول لتجاوز التبعات التي خلفها تقلب أسعار الصرف، ووجود أكثر من عملة خلال عمليات التداول والبيع والشراء، وجميعها كانت شبه متطابقة، إلا أن تطبيقها مرتبط حتماً بتجاوب الجهات المحلية، ومدى إمكانية التعاون بين بعضها البعض.

ولخّص مدير مركز “ماري” للدراسات والأبحاث والدكتور في العلاقات الإقتصادية الدولية معروف الخلف أسباب عدم الاستقرار الاقتصادي في منطقة شمال غربي سوريا بثلاث نقاط وهي: عدم وجود سلطة رقابية فاعلة على تطبيق عملية استبدال العملة، وعدم وجود تسعيرة رسمية ملزمة للأخذ بها في تسعير السلع والخدمات بالليرة التركية، إضافة لعدم قيام القطاع الخاص وأصحاب العمل بدفع أجور العمال بالعملة التركية، وهو ما أسهم في عرقلة النشاط الاقتصادي بشكل ملحوظ، لأن العمال هم الشريحة الأكبر التي من المفترض أن تسهم في تسهيل عملية الاستبدال.

واقترح “الخلف” خلال اتصال أجراه مع موقع تلفزيون سوريا عدة خطوات من شأنها تسهيل استبدال العملة، أولها تأمين عملة تركية كافية لجميع النشاطات الاقتصادية، وتأمين تسويق المنتجات المحلية وخاصة الزراعية والحيوانية إلى تركيا.

ودعا أيضاً إلى تنشيط غرف التجارة والصناعة والنقابات المهنية والعمالية، لتأخذ دورها في هذا المجال من خلال الحفاظ على حقوق أعضائها المالية، كما شدد على ضرورة وجود هيئة اقتصادية ومالية موحدة، تأخذ على عاتقها إدارة سعر الصرف، والرقابة عليه بالتعاون مع الجهات الاقتصادية صاحبة الشأن في المنطقة.

ويرى وزير الاقتصاد في الحكومة السورية المؤقتة الدكتور عبد الحكيم المصري أن عدم ضبط عمل الصرافين، واستمرار بعض الأشخاص بتداول الليرة السورية لحجج مختلفة، يعتبر من أبرز الأمور التي تحول دون استقرار الوضع المالي في الشمال السوري.

وجرت مناقشة هذا الملف تحديداً خلال اجتماع لغرف التجارة والصناعة في ريف حلب، وأكد “المصري” لـ موقع تلفزيون سوريا أن المجتمعين اقترحوا توحيد العملة في المناطق المحررة، وهي الليرة التركية إلى جانب الدولار بطبيعة الحال، وضبط عمل الصرافين، وتسعير المواد بالدولار أو العملة التركية حصراً، وجعل أجور العاملين بالتركي، وتشجيع الاستثمارات للتخفيف من البطالة، لما لها من دور مهم في استقرار المنطقة.

من جانبه حمّل الخبير في الشؤون الاقتصادية الدكتور عبد الله حمادة مَن سماهم “أصحاب السلطة والمتنفذين”، مسؤولية عدم استقرار الأوضاع اقتصادياً، موضحاً لـ موقع تلفزيون سوريا أن بعض الأشخاص لديهم مرابح شخصية من وجود العملة السورية، من خلال جلب العملة من فئة الألفين والألف المطبوعة مؤخراً، بأقل من قيمها، ثم ضخها في أسواق الشمال، وأضاف أنهم ما زالوا مستمرين في عملهم بهذا الشكل رغم محاولة المجالس المحلية منع وجود الليرة السورية.

الحلول التي اقترحها “حمادة” تمثلت بدفع الأجور والرواتب – خاصة للعمال وأصحاب الحرف المتواضعة – بالليرة التركية أو الدولار، وتوحيد سعر الصرف، في جميع المناطق المحررة، ومراقبة المسؤولين عن استمرار ضخ الليرة السورية، ومحاكمتهم قضائياً.

تبقى مسألة الاستقرار المالي في شمال غربي سوريا مرهونة بشكل أساسي في مدى استجابة السلطات المحلية لمقترحات الخبراء الاقتصاديين، ومدى جديتها وحزمها في إنهاء وجود الليرة السورية إلى غير عودة، ومحاسبة المستفيدين في تخبط الأسعار، وبالتالي سيتم إنهاء معاناة الطبقة العاملة وبدء تحسّن أوضاعها المعيشية تدريجياً وإنعاش الحركة الاقتصادية في المنطقة.

تلفزيون سوريا

اترك رد