قراءة في شرعنة الطائفية اللبنانية والسورية

نائل جرجس.

يقف لبنان اليوم على شفير هاويةٍ تهدّد كيانه السياسي والاقتصادي، وتصل إلى احتمال انزلاقه إلى حرب أهلية طائفية جديدة، كنتيجة لتراكم أزماته وسوء إدارة حُكم زعمائه الطائفيين الساعين إلى ديمومة سلطتهم وتنمية مكاسبهم، قبل أي شيء آخر. ولا يُخفي النزاع السوري أبعاده الطائفية الضاربة في عمق الدولة السورية وكيانها وفي تركيبة المجتمع السوري الذي يعلن بعض مواطنيه انتماءهم الطائفي قبل الوطني، كحال الوضع في لبنان وبقية دول المنطقة. وقد أسهمت الطائفية المستشرية في المشرق في نشوب صراعات عديدة، في العقود الماضية، ليس في سورية ولبنان فحسب، بل في دول مجاورة أيضًا، كالعراق.

تعود هذه الطائفية المتجذرة في المشرق إلى عوامل عديدة، منها عوامل تاريخية وسياسية، ولا سيّما تركيبة أنظمة الحكم التي يعتمد بعضها على الطائفة المنتمية إليها، وعلى تأجيج التوترات الطائفية بين المواطنين من أجل الاستمرار في السلطة، على مبدأ (فرّق تسُد). وتبرز طائفية النظام السوري من خلال اعتماده على أتباعه، وخاصة من الطائفة العلوية التي تسيطر على أبرز مفاصل السلطة، في ظلّ امتيازات ممنوحة لأتباعها، كما في سلك الأمن والجيش ومِنح التعليم العالي، بالرغم من أنّ هناك قسمًا من العلويين يعارضون هذا النظام، وقد دفعوا ثمنًا باهظًا بسبب ذلك.

على صعيد التشريعات، تزيد قوانين الأحوال الشخصية ذات الصبغة الدينية من حدّة التوترات الطائفية، حيث توجد في سورية ولبنان المحاكم الروحية للمسيحيين، والمذهبية للدروز، والشرعية للمسلمين، والجعفرية للطائفة الشيعية، في ظلّ غياب قانون مدني يُتيح الزواج الديني المختلط، ويضمن عدم التمييز بين المواطنين ليخفف من حدّة التوتر والاحتقان الطائفي.

تختلف الحالُ في لبنان عن الحال في سورية وأغلب دول المنطقة العربية، حيث لا يحكم هذا البلد نظامٌ دكتاتوري، لصالح امتيازات حُكم ممنوحة لزعماء الطوائف فيه، حيث يضمّ لبنان طوائف متوازنة ديموغرافيًا، من سنّة وشيعة ودروز ومسيحيين، ويسعى نظامه التشريعي والسياسي للحفاظ على الحيادية والمساواة بين هذه الطوائف، كما في منظومة الأحوال الشخصية[1]. وعلى الرغم من تركيز الدستور اللبناني على المساواة بين جميع مواطنيه، من دون تمايز أو تفضيل، وخلوّه من أي هيمنة إسلامية؛ تبقى علمانية الدولة وعدم طائفيتها ومدنيتها مغيّبة. إذ تُدرج المادة التاسعة من الدستور اللبناني الحالي عبارة أنّ “الدولة بتأديتها فروض الإجلال لله تعالى تحترم جميع الأديان والمذاهب (…)”، وتشرعن المنظومة الدستورية اللبنانية النظام الطائفي اللبناني، فيجب توزيع المناصب على الطوائف الدينية، بمقتضى كل من المادة 95 من الدستور الحالي، و”الميثاق الوطني” ذي الطابع الدستوري[2].

جاءَ اتفاق الطائف في العام 1989 الذي وضع نهايةً للحرب الأهلية الطائفية اللبنانية (التي اندلعت في 1975)، ليعزز هذا النظام الطائفي[3]. وتذهب بعض مواد الدستور اللاحقة أبعد من ذلك؛ لتنصّ صراحة على أن توزع المقاعد بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين[4]، وعلى “أن تمثل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الوزارة”[5]. هذا وتتغلغل الطائفية في مفاصل الحياة اللبنانية كافةً، فضلًا عن عدم قدرة (أو رغبة) الأطراف اللبنانية السياسية على تجاوزها. فيمتدّ التوزيع الطائفي المنصوص عليه في الدستور، إلى التشريعات المحلية التي تتضمن أيضًا التقسيم الطائفي، كما في المادة 95 من النظام الأساسي للموظفين المتعلقة بالتوزيع في ما يخص مناصب الوظائف العامة[6].

تبقى الطائفية التحدي الرئيسَ للبنانيين، فهي تشكّل عائقًا حقيقيًا في وجه الوحدة الوطنية والاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي. فقد يلجأ بعض اللبنانيين إلى تغيير انتمائهم الطائفي للتأقلم في العيش في مناطق معينة، أو لكسب العمل في بعض الوظائف. فمسألة التوازن في التمثيل الطائفي تصيب الدوائر العامة والتقدم الاقتصادي بالشلل. وعلى هذا الأساس، فإن كفاءات المتقدمين لشغل الوظائف تأتي في المقام الثاني، بعد الانتماء الطائفي الذي يظلّ حاسمًا على صعيد تعيينهم. هذا وتظهر هشاشة التعايش بين الطوائف اللبنانية عند أبسط حدث سياسي، كالانتخابات التشريعية والرئاسية أو تشكيل حكومة جديدة[7]. وكذلك أدّى النظام الطائفي اللبناني إلى تهميش الطوائف الدينية الصغيرة وغير المعترف بها. ويتشارك كثير من اللبنانيين اليوم في سعيهم من أجل تجاوز الطائفية وإقصاء سطوة زعماء الطوائف وتأثيرهم على كيان الدولة اللبنانية. وفي هذا الصدد، شهدت الأعوام الأخيرة حراكًا مجتمعيًا، من ضمنه مسيرات وتظاهرات سلمية تطالب بإسقاط الطائفية في البلاد[8]، فضلًا عن تسجيل بعض حالات الزواج المدني على الأراضي اللبنانية، واحتدام الصراع من أجل إقراره بشكل واضح في إطار التحرر من الطائفية.

تُثبت التجربة اللبنانية أنّ دسترة الطائفية وتغلغلها في القوانين، لا سيّما بعد الحرب الأهلية، أدّت إلى صعوبة أو حتى استحالة تجازوها اليوم. الأمر كذلك في العراق الذي رسّخ الطائفية في دستوره ومنظومة حكمه بعد عام 2003[9]. في إطار ذلك، على الأطراف السورية الساعية إلى إيجاد حلّ في سورية، أن تستفيد من تجارب دول المنطقة، بأن تتجنّب رسم دستور مبني على المحاصصة الطائفية، لصالح التأسيس لدولة مدنية ديمقراطية تعامل جميع مواطنيها على قدم المساواة.

[1] يتيح لبنان إمكانية تغيير الدين من الإسلام، ويقبل الاعتراف أو تسجيل حالات الزواج، في حال اختلاف الدين حتى لو كان العقد بين امرأة مسلمة ورجل غير مسلم، ولا يتم الحكم فيه لصالح أفضل الدينين، أي الإسلام، وذلك في القضايا الدينية المختلطة.

[2] وهو اتفاق غير مكتوب وُضع عام 1943. انظر التقرير الحكومي لدولة لبنان، اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، CCPR/C/42/Add.14، تشرين الثاني/ نوفمبر 1996، الفقرة 79.

[3] جرى توقيع اتفاق الطائف بتاريخ 23 تشرين الأول/ أكتوبر 1989 في المملكة العربية السعودية، من قبل الأطراف اللبنانية السياسية والدينية المختلفة لإنهاء الحرب الأهلية. وقد أدخلَ هذا الاتفاق تعديلات دستورية عدّة وحدّد العلاقة مع سورية بما في ذلك شرعنة وجود القوات السورية في لبنان. حافظَ اتفاق الطائف على الطائفية السياسية في لبنان، ونصّ على توزيع المقاعد النيابية بين المسيحيين والمسلمين. وأشارَ إلى تجريد الجماعات الموجودة على الأراضي اللبنانية من السلاح، وضرورة إلغاء الطائفية تدريجيًا، وهو ما أكّدته الصياغة الجديدة للمادة 95 من الدستور الحالي، ولم يحدث ذلك الأمر حتى اليوم.

[4] انظر المادة 24.

[5] انظر المادة 95.

[6] انظر المرسوم بقانون 112 المؤرخ في 12 حزيران/ يونيو 1959.

[7] يزداد التوتر في لبنان بسبب تأثير قوى دولية وأقليمية تسعى لدعم بعض طوائفه بما ينسجم ومصالحها السياسية.

[8] انظر على سبيل المثال: “لبنان: عدة مئات من المظاهرات ضد المذهبية”، وكالة الأنباء الفرنسية، 27 شباط/ فبراير 2011.

[9] انظر علاء اللامي، دستور «دولة المكوّنات»: ترسيخ الطائفية… وزرع بذور التقسيم، الأخبار، 15 حزيران/ يونيو 2019.

مركز حرمون للدراسات

اترك رد