إيران وإسرائيل في سوريا … صراع أم توافق ؟؟

العميد الركن أحمد رحال

هناك أفكار لدى المواطن السوري الثائر على نظام الأسد تحولت لثوابت فيما بعد:
_ لولا الموافقة الأمريكية والإسرائيلية أو بأقل تقدير غض الطرف من قبلهما ما كانت تمكنت إيران ولا حليفها الأكبر حزب الله من التدخل في سوريا.
_ ميليشيات إيران العضوية والتبعية في سوريا التي تحمي نظام الأسد من السقوط ليست عدواً لإسرائيل, لأن إيران العدو لإسرائيل هي فقط التي تخل بالتوازنات مع إسرائيل وتغير من أشكال المواجهة بجبهات جديدة.
_ تدمير بنية المجتمع السوري والبنية التحتية السورية هدف مشترك لتل أبيب وطهران معاً.
التصريحات التي قدمها رئيس الأركان الإسرائيلي مؤخراً حول قيام إيران بتخفيف وجودها بالجنوب السوري هو كلام عسكر لخدمة السياسيين ولا يعكس الواقع.
لأن مراكز الرصد والاستطلاع الإسرائيلية الأقرب لمنطقة الجولان ودرعا والسويداء تدرك تماماً أنه حتى لو سحبت إيران بعضاً من نقاط تمركزها في الجنوب السوري فلن يتغير الواقع العسكري لها, لأن إيران اصبحت تملك فائضاً من القوة العسكرية بسوريا عامة والجنوب خاصة, وبالتالي لن تغير بعض الانسحابات الجزئية (إن حصلت) من ثقلها بجنوب سوريا وفي منطقة القنيطرة بشكل خاص, وبالتالي ما تقوم إيران بسحبه من الجنوب يوَصف عسكرياً بعملية إعادة تموضع في مواقع أخرى داخل الأراضي السورية ضمن خطة مدروسة تسمح لها بالعودة لمواقعها السابقة بأقل من 72 ساعة إذا ما دعت الضرورة.
وبالتالي فإن التصريحات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة تأتي في إطار الاستثمار السياسي الداخلي وإبراز قيمة ضرباتها الجوية (أكثر من 500 ضربة جوية وصاروخية في سوريا اعترفت بها إسرائيل), وأن تلك الضربات لم تذهب سدىً بل أحدثت واقعاً عسكرياً جديداً أجبر إيران على تغيير تموضعها العسكري داخل الأراضي السورية. وبنفس الوقت تأتي تلك التصريحات لرفع عبء المواجهة مع إيران بالوقت الحاضر عبر التخفيف من أخطار تواجدها على الحدود الشمالية, رغم أن التصريحات الأخيرة لقادة إيران وحلفائها تحدثوا أن الحرب الأمريكية_الإسرائيلية إذا ما اندلعت ضد إيران فلن تكون جبهة حزب الله في الجنوب اللبناني فقط من ستدخل المعركة بل جبهات أخرى, ولا اعتقد أن جبهات الحشد الشعبي العراقي أو الحوثيون باليمن هم المقصودون بهذا الكلام بل جبهة الجولان.
واشنطن وتل أبيت تدركان تماماً أن موسكو لن تطلب من إيران الخروج من سوريا الآن على اقل تقدير, فهي ما زالت بحاجة جهود ميليشياتها البرية, ولم ننس بعد موقف رئيس مكتب الأمن القومي الروسي وما قاله باجتماع القدس مؤخراً مع نظيريه الأمريكي والإسرائيلي عندما رفض طلباً (أمريكياً إسرائيلياً) بإخراج إيران من سوريا حالياً.
و واشنطن وتل أبيب تدركان أيضاً أن ضرباتهما وضغوطهما على التواجد الإيراني العسكري في سوريا هي ضربات ضعيفة وليست بالقدر الكافي لإجبارها على الخروج والانسحاب.
وتدركان أيضاً أن أهم عناصر قوة إيران في سوريا هي بقاء بشار الاسد في السلطة الذي ما تزال تل ابيب تحاول جاهدة الحفاظ عليه وبالقدر الذي تطلبه إيران.
خبير روسي يقول: موسكو وصلت لقناعة أنها غير قادرة على الاستئثار منفردة بالكعكة السورية, وان استراتيجيتها العسكرية اليوم في سوريا باتت تنحصر بتأمين استقرار قواعدها العسكرية ومناطق نفوذها والحفاظ على مصالحها بعد أن ضاقت ذرعاً بالغرق في المستنقع السوري (الذي تحدث عنه المبعوث جيمس جيفري مؤخراً), وأن إيران تعهدت لموسكو بهذا المطلب, وهذا يعني اعتراف موسكو بالدور الإيراني في سوريا ونفوذها الدائم وليس المؤقت وأن تعهدات موسكو لتل ابيب وواشنطن بإخراج إيران من سوريا حتى في المستقبل البعيد ذهبت أدراج الرياح, وكأن موسكو تريد القول أنها قد تغض الطرف عن تمادي الطيران الإسرائيلي في السماء السورية عبر احتجاز بعض المعدات والعناصر الدقيقة لمنظومة الدفاع الجوي الروسية (إس_300) وبالتالي لا يمكن لنظام الأسد استخدامها لمواجهة الغارات الجوية الإسرائيلية, وقد تقدم موسكو معلومات استخباراتية دقيقة عن الوجود الإيراني لغرف عمليات تل أبيب (تقرير استخباراتي رفعه قاسم سليماني من سوريا ومنذ عامين يتحدث عن تواطئ روسي بإعطاء إحداثيات مواقع إيرانية مهمة في سوريا لإسرائيل), أي أن موسكو تريد القول: من يريد إخراج إيران من سوريا فعليه ألا يعول على قيام موسكو بتلك المهمة بل عليه أن يفعل ذلك بنفسه ولسنا بندقية للآجار لنعمل عند أحد لنقوم بتلك المهمة خدمة لمصالحهم.
تل ابيب وواشنطن تعلمان أيضاً أن الوجود الإيراني عبر ميليشياتها في الجنوب أضيف له عاملي قوة:
الأول: تجنيد وتشكيل تنظيمات عسكرية عبر عناصر محلية تتبع لإيران وتعمل ضمن غرف عملياتها بالجنوب عبر إغراءات مادية قدمتها وباستغلال للوضع الاقتصادي المتردي للشباب السوري هناك.
الثاني: أن انتشار أجزاء مهمة من الفرقة الرابعة في الجنوب السوري والتي يقودها اللواء ماهر الأسد شقيق بشار ذو الميول الإيرانية على حساب الروس أصبح يعتبر جزءاً من الحرس الثوري الإيراني أكثر مما هو يتبع لجيش بشار الأسد. وبالتالي أصبحت جهود الفرقة الرابعة وقدراتها العسكرية الضخمة تحسب من منظور قوة تتبع لإيران وقادرة على خدمة مصالحها بالجنوب وتوضع بحسابات ضباط المقر الزجاجي (مقر القيادة الإيراني الرئيس في سوريا قرب مطار دمشق الدولي) الذي يقود عمليات إيران في سوريا.
الأهم أن موسكو وواشنطن ومعهما الكثير من العواصم في الشرق والغرب يعلمون تماماً أن الوجود الإيراني في سوريا ليس لحماية نظام الأسد فقط, لأن مهمة حماية نظام الأسد تأني كجزئية في المشروع الفارسي الأكبر في المنطقة, وإيران الباحثة عن الوصول للمتوسط عبر تفعيل الكوريدور الاستراتيجي (طهران, بغداد, دمشق, بيروت, البحر المتوسط) دفعت له الأثمان الكبيرة عسكرياً وبشرياً واقتصادياً وسياسياً, وأن الضربات التي تلقتها إيران عبر الطيران الإسرائيلي أو عبر ضربات طيران التحالف الدولي ورغم خسائرها غير القليلة التي تعرضت لها لكنها ليست بالقدر الكافي الذي يجبرها على الانسحاب والخسارة وانكفاء مشروعها في المنطقة والتفريط بكل ما أنجزته في سوريا.
فهل من خيارات أخرى لدى الغرب والشرق لوقف مشروع إيران الطائفي في المنطقة والذي نتقاطع معهم كشعب سوري في تقدير خطورته وضرورة إنهائه؟؟
أم أن المصالح المؤقتة وبازارات السياسة ستبقى تتحكم بالمنطقة ومعها يقتل شعب بكامله ذنبه انه طالب بالحرية وأراد أن يعود ليكون عنصراً فاعلاً في بناء الحضارة الإنسانية؟؟
العميد الركن أحمد رحال – محلل عسكري واستراتيجي

موقع كلنا شركاء

اترك رد