في هجاء المواطنة

ميشيل كيلو

قُيّض لي، في الأسابيع الأخيرة، أن أحاور مواطنين كردًا، حول نمط الدولة الذي يجب أن يتوافق السوريون عليه، من خلال بيئة تواصلية بينهم تلتزم بتقسيم عمل تكاملي، تضبطه أسس مشتركة يطبّقها كلّ طرف من أطراف العمل الوطني بالقدرات والموارد المتاحة له، على الصعيد الذاتي، وعلى صعيد القطاعات المجتمعية والشعبية الموالية له، وصولًا إلى بلوغ هدف جامع هو نيل الحرية وبناء دولة ديمقراطية، عبر قطع صلاتها مفردة ومجتمعة مع الأسدية، نظامًا ونهجًا، والالتزام بثورة الحرية وإنهاء النظام الإرهابي الممسك بدمشق، وإلا فشلنا، بغير هذه الآلية، في استعادة وطننا كحاضنة لجميع بناتها وأبنائها السوريات والسوريين، ولن نتحرر من دون توحيد أنشطتنا، وتعاوننا على الالتزام ببديل الأمر القائم الحالي، وبالأسس المشتركة والتقديرات المتقاربة أو الموحدة التي سنتوافق عليها، ومن الوطنية أن تكون مفتوحة على آراء جميع المواطنين وما يقدّمونه من اقتراحات، حتى اقتراح الأخذ بنظام فدرالي، ما داموا يرتضون أن يكون اقتراحهم موضوعَ حوار وطني شامل، يشارك فيه الشعب ويحظى بموافقته، وما دامت الفدرالية ليست شأنًا ينفرد بتقريره أحد أطراف العمل الوطني، ويتعلق بمنطقة واحدة من وطننا.

 عندما تتحاور جهات المعارضة، فإنها تفعل ذلك في أجواء من التوجّس والشكوك المعنّدة التي لطالما رعاها ونماها تقليدٌ هيمن على حياتها السياسية، وتجسّد في رفض التواصل المنظم والعقلاني بينها، وميل كل طرف منها إلى التمسك بوجهات نظره، باعتبارها كافية وافية، ولا بدّ من أن يلتزم الآخرون بها، دون أي حوار بطبيعة الحال! ولعلنا ما زلنا نتذكر تلك المجموعات الشبابية، التي وضعت “برنامجًا”، وأعلنت أنها لن تحاور من لا يعلن قبوله بصورة مسبقة، ونتذكر في الوقت نفسه ما أثاره إعلانها من استغراب، وأحدثه من أجواء حفلت باتهام من كان يمكن أن يحاورهم من رفاق الطريق المفترضين، بأنواع شتى من الأباطيل التي أخرجتهم إما من عالم السياسة وإما من عالم الثورة، وزجّت بهم في عالم الخيانة، الذي شرعنت به رفض الاستماع إليهم، والانتقال من الحوار الغائب إلى شنّ حروبٍ بلغت أشخاصهم بدرجة أريدَ لها أن تكون مهينة إلى أبعد الحدود، وأن تصبح مادةً يتسّلى بها جمهورٌ أسهمت مخيلته في قسط وافر من الأضاليل التي تكرر ما يشبهها بعد الثورة، وأسهم في تحويل قضايا الشأن العام إلى حقل تخوين تلاشى فيه القليل جدًا الذي بقي منها في “المناطق المحررة” التي يخضع معظمها لجيش الأسد الإلكتروني من جهة، ولأتباعه المنتشرين بكثافة في “جبهة النصرة” وغيرها من “الفصائل المعادية للحرية ووحدة الشعب”، من جهة أخرى.

 في أثناء الحوار، ردًا على القول بضرورة أن ينهض النظام البديل على المواطنةِ، كحق للأفراد، وعلى الحقوق الخاصة بالجماعات الوطنية ذات الخصوصية اللغوية والثقافية؛ انتفض أحد المحاورين وكأن عقربًا لدغه، وقال: “تعِدون الآن بالمواطنة، لكنكم ستبادرون إلى إلغائها غدًا بأغلبيتكم العربية في البرلمان.. خيطوا بغير هذه المِسلّة، واعلموا أننا لن ننخدع بوعود خلّبية، بعد أن أقمنا (إدارة ذاتية) ديمقراطية”. تساءل أحد المحاورين عندئذ: “إذا كنا نرفض المواطنة، كحامل هو شرط لازم للديمقراطية، فعلى أي حامل أقمتم الإدارة، وكيف جعلتموها ديمقراطية؟ نوّرنا ولك الأجر والثواب”! وبعد أسبوعين، كتب قائد في المجلس الوطني الكردي، وعضو في الائتلاف، مقالة اعتبرت المواطنة وهمًا، وأشار من طرْفٍ خفي إلى أن الأغبياء وحدَهم ينخدعون به.

 عبّر طرح الزميلين عن عمق الهوّة التي تفصل بين من يجب أن يكونوا حلفاء وجسدًا سياسيًا موحدًا في مواجهة الاستبداد، كما عبّر عن تناقض فهمهما لما لا يجوز أن يكون هناك خلافٌ عليه، كارتباط الديمقراطية بالمواطنة، أي بمساواة الذوات الاجتماعية أمام القانون، لتحمل بذرة العدالة والحرية في ذاتها، وينهض عليها مبدأ السيادة الشعبية، وما ينبثق عنه من تمثيل وشرعية تجسمان الإرادة العامة لأفراد/ مواطنين أحرار، تتكون منهم الجماعات السياسية والمدنية المختلفة.

  هذا الهجاء للمواطنة كمبدأ، من بعد نصف قرن ونيف من تحويل السوريين جميعهم إلى رعايا بلا حقوق، وبلا وجود عام، هو شهادة تنتقص كثيرًا من أهليتنا، كجهاتٍ تدّعي الانتماء إلى الديمقراطية وفي الوقت نفسه ترفض المواطنة كمبدأ، وإذا التقت عليه الأطراف، أزالت جزءًا مهمًا من خلافاتها حول راهننا القائم وبديله، ونأت عن خيارات تمسّ بوحدة الدولة والمجتمع، كإطار لا غنى عنه لقيام ديمقراطية راسخة الأركان، في المدى المنظور، وما تكفله من مساواة بين السوريين، ومن حقوق خاصة بالجماعات الوطنية.

 هناك استعصاءات مأزقية، لا سبيل إلى تجاوزها من دون حوار مفتوح على مواقف أطرافه الحقيقية، ليعرف السوريون ما ينتظرهم، وما يحمله كلُّ طرف من أفكار وخطط (كثيرٌ منها مضمر)، وماذا عليهم فعله للخروج من راهنهم بأعلى قدر من دولتهم ومجتمعهم، بعد أن عانوا طوال الأعوام العشرة الماضية أعظم قدر من القطيعة، وأقلّ قدر من التوافق والوحدة، وتعرضوا، لهذين السببين، لما لا يحقّ لأحد منهم أن يُفاجَأ به من بهادل وخسارات، بعد أن نجح كثيرون منهم في إيهام أنفسهم بأن الحرية بدعةٌ، يُراد بها الالتفاف على الديمقراطية التي ليست من جانبها غير لعبة تستخدم طُعم المواطنة لتصادر بواسطتها حقوق من يرون أنفسهم حالات خاصة، لا تجوز معالجتها في إطار مشتركات لا تتفق مع ما في واقعها من تباينٍ في الهوية والأهداف!

حرمون للدراسات

اترك رد