إمّا القضاء… أو وداعاً للدولة!

عبدالوهاب بدرخان

لم يبقَ سوى القضاء، ويليه الجيش. منظومة الحكم التي زعزعت أركان الدولة بإسقاط السلطات التنفيذية والتشريعية، وتفتيت النظام المالي والمصرفي، تواصل توطيد دعائم “الدويلة” التي يكاد “حزب الله” يفرغ من إنشائها، مستخدماً لجوء الطوائف والمذاهب اليه خوفاً على “مكاسب” متنفّذيها. لا يبدي حسن نصرالله تكيّفاً مع الدولة إلا حين تقتضي مصلحته الاختباء وراءها (التحقيق في جريمة انفجار المرفأ، مفاوضات ترسيم الحدود) أو حين يتأكّد بأنها تنفّذ الدور كما حدّده لها (توظيف الأزمة الحكومية في إحباط تدريجي للمبادرة الفرنسية).
ليس انفجار المرفأ، بالنسبة الى “الحزب”، أكثر أهمية أو خطورة من حرب 2006. خرج من تلك الحرب بـ “نصر إلهي” على النظام السياسي وبـ “ثلث معطل” في الحكومة، ويريد الخروج من معضلة المسؤوليات عن الانفجار بـ “نصر نهائي” يودي بالتحقيق الى متاهة ويضيّع الحقوق والعدالة في خضم الانهيار والبؤس والعوز والذلّ. ومنذ ارتكب “الحزب” الاغتيالات المعروفة وأصبح وريثاً للوصاية السورية ونظامها الأمني في لبنان، ثم وكيلاً للوصاية الإيرانية يواصل الترهيب والتخريب، نجح في تثبيت “انجازٍ” رئيسي: مع “حزب الله” لا سبيل الى معرفة “الحقيقة” عبر القضاء اللبناني، والوسيلة الوحيدة لمعرفة “شيء” منها، افتراضياً، هي القضاء الدولي، إنْ أتيح.
لكن، بقي هناك “بعضٌ” من النوى الصلبة التي ينبغي أن تُحاصر، وآخرها القضاء والجيش. فالدعوة البطريركية الى “الحياد” جُبهت بتحالف “الحزب” و”التيار العوني” وبفجور مرجعيات مذهبية أو فتور أخرى. والمؤسسة العسكرية والأمنية تحاول الحفاظ على تماسكها على رغم الإرباكات السياسية. أما القضاء فإذا لم يكن عشوائياً اتهام وزير الداخلية لـ 95 في المئة منه بالفساد، فإن الـ 5 في المئة هي النواة الصلبة المتبقّية في النظام اللبناني، وللمفارقة فهي تبدو اليوم الأكثر قوة وإقلاقاً في نظام موزّع بين الخضوع والتعاون والاستسلام لإملاءات “الدويلة”. والخيار اليوم هو بين حماية القضاة أو اللجوء الى القضاء الدولي.
كان مستغرباً أن يتضامن “حزب الله” و”التيار العوني” الى التضامن مع القوى الأخرى في انتقاد “دستورية” ادعاء قاضي التحقيق على “مستضعفين” كرئيس حكومة تصريف الاعمال وثلاثة وزراء سابقين. لعهم يستبقون ادعاءات على آخرين “محصّنين”. فلا قانون يمنع القاضي من استكمال مساره في الادعاء على قضاة تهاونوا أو عسكريين لم يقلقهم وجود “مواد خطيرة” في المرفأ، ولا حصانة تمنع القاضي من استكمال صعوده ليس فقط الى رأس الهرم بل الى ما بعده أيضاً. المؤكّد أن المتاريس السياسية جعلت أطرافها تشتمّ رائحة “تسييس” في ادعاءات القاضي، وإذا كان لديها اشتباه بأجندة معيّنة للقاضي فإنها ملزمة بكشفها أمام اللبنانيين. الأكثر غرابةً حتى الآن أن أي تسريب عن التحقيق لم يشر الى “حزب الله” وعلاقته الوثيقة بالمرفأ. لا بد للقاضي من العمل وفقاً لشعار “كلّن يعني كلّن”، لأن منظومة الحكم تعمل بمبدأ “لا أحد منا”.

النهار

اترك رد