شاهد بقضية رسلان يُشكّك بوجود جهة تهدّده

مع بداية الشهر الأخير من العام 2020، لم يُستدعَ شاهدٌ كضحية اعتقال ليدلي بأقواله أمام هيئة القضاة، بل رجل أمن سابقٍ مع خبرة تزيد عن 20 عاماً مع المخابرات العامة في سوريا.

تحدّث الشاهد عن تجربته ومعرفته بفروع الأمن السوري وطبيعة عمله السابق، حيث كان يعمل في قسمٍ إداري بعيداً كل البعد عما يجري في سجون الأفرع أو أقسام التحقيق فيها، غير أنّه عاش تجربة ما يحدث فيها شخصياً حينما اعتقل مرتين من قبل إدارة المخابرات وتم ضربه بوحشية بإحدى مرات اعتقاله واصفاً ذلك بقوله: “من قاموا بضربي كانوا زملائي”.

أخبر القضاة أيضاً عن طريقة الأمن السوري بالاعتقال العشوائي، وذكر مثالاً على ذلك حادثة جامع الرفاعي بمنطقة كفرسوسة بداية الثورة، وكيف جاءت الأوامر بتطويق المسجد كاملاً واعتقال كل من فيه، وكان العدد لا يقل حينها عن 1000 شخص، فتحدّث كيف تم تعذيب من اعتقل يومها وإنهاء حياة البعض منهم، قبل التحقيق معهم ضرباً بالعصي أو بمواسير حديدية، واصفاً إياها بأكثر الطريق وحشيةً لقتل أحدهم.

الشاهد الذي رفض الإفصاح عن معلوماته الشخصية للصحافة كان قد التقى رسلان سابقاً، ولكن ليس بحكم عمله، بل لأنّ الأخير استدعاه للتحقيق معه بداية العام 2011، حين رفض الشاهد مشاركة إحدى المجموعات الأمنية الخروج لقمع المظاهرات.

ولم يكن الاستدعاء في المكتب الرسمي لرئيس التحقيق السابق أنور رسلان، بل كان في مكتبه الآخر في القبو حيث زنازين الاعتقال، وتأتي أهمية هذه النقطة في تعارضها مع ما قاله المتهم سابقاً في دفاعه عن عدم وجود مكتب له في الأسفل وعدم نزوله بالمطلق إلى قبو الفرع 251، حيث يتم تعذيب المعتقلين.

وأكد الشاهد أنّ للمتهم مكتبين وكان يستخدمهما كلاهما، أحدهما هو المكتب الرسمي في الطابق الأرضي، والآخر هو مكتب العمليات والتحقيق في القبو، كما أكد للقضاة وجود عمليات قتل تحت التعذيب، وخاصة في فرع الخطيب موضوع المحاكمة، وتحدّث عن رؤيته لبرادات الموتى المحملة بالجثث القادمة من عدة أفرع أمنية وعن قريبٍ له قتل تحت التعذيب أيضاً في فرع الخطيب.

لم يفتِ الشاهد أن يخبر القضاة عن تراتبية الطوائف باستلام المراكز الحساسة في الدولة وعن دور العلوية ومسؤوليتهم المباشرة بالقرارات الأمنية، وعن “الرب الواحد” الذي جعل أحد القضاة يسأله بعد استخدامه هذا المصطلح: من تقصد؟ من هو هذا الرب؟ هل له اسم؟ “الشاهد: نعم هو بشار الأسد، فقال القاضي: ظننتك تتحدّث عن أحد رؤساء الأفرع الأمنية، ليردّ الشاهد: لا هؤلاء زبانيته”.

وتحدّث كذلك عن اختلاف الوضع بشكل جذري قبل وبعد العام 2011 حين بدأت الثورة، وما استفز الشاهد ببعض أسئلة القضاة هو تسميتهم لهذه المرحلة ببداية النزاع، حيث قال لهم: “لم استخدم هذا المصطلح أبداً وأستغرب حقيقة استخدامكم له، لقد كانت بداية الثورة وليس النزاع”.

وحول الصعوبات التي يعانيها كل من انشق عن النظام ولجأ إلى أوروبا، أخبرهم كذلك عن مشاكله في الذاكرة والألم الذي يحمله معه حتى الآن وصعوبة البداية الجديدة واللغة مع ذاكرة مثقلة بكل أنواع الحزن والاضطهاد والخوف والقلق، فقال: “لقد تدمر كل شيء بداخلنا”.

مضيفاً أنّ من أصعب ما مرَّ على الشاهد وما جعله يبدو قلقاً طيلة مدة الإدلاء بشهادته على مدى يومين في المحكمة، كان تهديده المباشر بشهادته في هذه المحكمة بعدة طرق، إذ وصف الشاهد للقضاة إحدى تلك الطرق، فقال: “لقد كان يصلني بريد منكم لهذه الجلسة وفي كل مرة جاءني هذا البريد كنت أجده مفتوحاً في صندوق بريدي الخاص، بل وإحدى المرات تم ثني الورقة “كعلامة على تصويرها” وبعد وصول البريد بيومين يأتيني أحد من الصحافة ويقول لي: نحن نعرف كل شيء ونريد إجراء مقابلة معك.. هناك شيء خاطئ لا أعرف ما هو”.

وعند تلك النقطة، أكدت القاضية الأولى كيربر، أنّ المحكمة لم تقم بأي تسريب، وهم غير مسؤولين عما حدث، وأضافت بأنّ الصحافة تأتي دائماً وتسأل من سيكون الشاهد التالي؟ وأنّهم لا يجيبون حرصاً منهم على حماية الشهود، غير أنّ الصحافة لا تذكر السبب وتذكر فقط أنّ المحكمة لا تتعاون، مؤكدة أنّ الصحافة لا تدرك الخطر المحدق بالشهود وعائلاتهم في حال تسريب أسمائهم، وما حدث مع هذا الشاهد أكبر دليل.

وقد طلب القضاة من الشاهد تزويدهم بأسماء الصحفيين ووسائل الإعلام التي تواصلت معه بشكل خاص ودون إطلاع الجمهور عليها، ومن بين تلك الوسائل كانت وسيلة إعلام ألمانية مشهورة، كما عرفت ليفانت، بشكل خاص، معلومات عن الصحفيين الآخرين، إذ تتحفظ ليفانت عن ذكر تلك المعلومات حرصاً على الالتزام بحماية الشاهد.

واستمرّت المحكمة بالاستماع للشاهد على مدى يومين بتاريخ 01 و02 من ديسمبر الحالي، حيث خصصت الجلسة الأولى لأقواله مع أسئلة القضاة، والجلسة الثانية لأسئلة أطراف الدعوى التي انتهت قرابة الساعة العاشرة والنصف من اليوم الثاني، واستدعيت بعدها محققة الشرطة الجنائية والتي كانت مسؤولة عن الاستماع لأقوال الشاهد وأكدت عدم وجود أي مشاكل بالاستماع له أو بالترجمة أثناء ذلك.

ليفانت

اترك رد