منطقة الفراغ في الشريعة الإسلامية

أحمد الرمح – كاتب وباحث

بعد أسلمة المجتمع العربي في عصر الرسالة، بات هذا المجتمع الوليد بحاجة ماسة إلى نظام متكامل اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا، ليكون بديلًا للنظام السابق القائم على تقاليد القَبَلية الجاهلية، والمعمول به قبل انتصار الإسلام، مهمة النظام الجديد تنظيم شؤون المجتمع وتسيير أمور الناس في معايشهم وتعاملاتهم والعلاقات بين بعضهم.

من هنا سُمِح للنبي إلهيًا بسَنِّ هذا النظام على أن يكون قائمًا على مسألتين: الأولى المقاصد والخطوط العامة للإسلام الموجودة في القرآن الكريم فلا يخرج عنها. الثانية: هو نظام زمكاني لأن الأنظمة الحياتية المعيشية متبدلة بتبدل الزمان والمكان.

فالقرآن الكريم لم يتدخل في الأمور الحياتية الخاضعة للتبديل والتغيير وفق تطورات الحياة، لكنه تَدَخّلَ في الثوابت كالأمور الاعتقادية والعبادية والأخلاقية، ونَبَّه إلى سُنن نهضة المجتمعات وسقوطها، وما سوى ذلك سكت عنه، وهو ما أطلقنا عليه منطقة الفراغ التي يملؤها الاجتهاد العقلي للبشر وفق حاجات المجتمع.

ما منطقة الفراغ في الشريعة الإسلامية؟([1])

منطقة الفراغ في الشريعة الإسلامية هي المنطقة التي لم يتدخل الشارع سبحانه وتعالى فيها، وأوكل مهمة تنظيمها إلى البشر، بما لا يتعارض مع المحرمات الإلهية، ولقد أطلق عليها علماء أصول الفقه تارة اسم (المسكوت عنه) وتارة أخرى (دائرة المباح) ودليلها في القرآن الكريم يعود إلى قوله تعالى:

{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} البقرة:28

منطقة الفراغ أو المباح أو المسكوت عنه، هي الأوسع في الحياة إذ تعادل أكثر من 90% من حياة الإنسان والمجتمع فالدولة. وحتى لا يكون هناك خلط ما بين الدين المُشرَّع من الخالق سبحانه وتعالى والاجتهاد المدني البشري، وضَّحَ سبحانه وتعالى الحد الفاصل بينهما بقوله:

{قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} الأنعام:151

وتلا علينا هذه المحرمات بدقة في الآيات التالية.

أول من أطلق مُسمى الفراغ التشريعي هو السيد محمد باقر الصدر في بداية الستينيات من القرن العشرين في كتابه (اقتصادنا) حين قال: وضع الإسلام منطقة الفراغ في الصورة التشريعية التي نظم بها الحياة الاقتصادية لتعكس العنصر المتحرك، وتواكب تطور العلاقات بين الإنسان والطبيعة، وتدرأ الأخطار التي تنجم عن هذا التطور المتنامي على مر الزمن؛ ولا تدل منطقة الفراغ على نقص في الصورة التشريعية، بل تعبر عن استيعاب الصورة مع إعطاء ولي الأمر(السلطة التشريعية) صلاحية منحها صفة تشريعية ثانوية، فأي نشاط وعمل لم يرد نص تشريعي يدل على حرمته أو وجوبه يُسمح (للسلطة التشريعية) بإعطائه صفة ثانوية([2]).

واستخدم المصطلح أيضًا الشيخ يوسف القرضاوي قائلًا: “منطقة الفراغ التشريعي” تلك المنطقة التي تركتها النصوص قصدًا لاجتهاد أولي الأمر والرأي، وأهل الحل والعقد في الأمة، بما يحقق المصلحة العامة، ويرعى المقاصد الشرعية، من غير أن يقيدنا الشارع فيها بأمر أو نهي. وهي المنطقة التي يسميها بعض الفقهاء “العفو” فما عدا الحدود والفرائض والمحرمات، فهي أمور مسكوت عنها، متروكة للاجتهاد، رحمًة بالأمة، وتيسيرًا وتوسعة عليها، وبهذا تجد أمامها مجالًا رحبًا مرنًا، تتحرك فيه بيسر وسهولة من دون أن تشعر بالإثم في دينها، أو الحرج في دنياها([3]).

لكنّ الشيخين القرضاوي والصدر جعلا مصدر الاجتهاد في تنظيم منطقة الفراغ التشريعي مصادر التشريع الإسلامي التي وضعها علماء الأصول في القرون الأولى كالقياس والمصالح المرسلة والعرف كما ذهب القرضاوي، في حين ذهب الصدر إلى أن ذلك مقيد باجتهاد المرجعية الفقهية عند الشيعة وفتواها.

وأظن بأنهما أجريا عملية أسلمة غير مسوغة لمنطقة مختلفة من مجتمع إلى آخر، ترك الخالق عز وجل للبشر حقّ تنظيمها وفق أعرافهم وتقاليدهم ومصالحهم، ومن ثم فإن الاجتهاد التنظيمي لمنطقة الفراغ ليست حكرًا على الفقيه الديني فقط، إنما هناك فقهاء دستوريون واقتصاديون واجتماعيون هم أصحاب الكلمة الأخيرة في الأمور المتعلقة باختصاصاتهم.

أهمية تنظيم منطقة الفراغ في الشريعة؟

الدولة الإسلامية الناشئة، أصبحت تنافس الإمبراطوريات العظمى في عصرها، ولكونها لم تكن تمتلك قانونًا كالقوانين المدنية لتلك الإمبراطوريات، فانبرى الفقهاء والعلماء الكبار لملء منطقة الفراغ التي سكتت عنها الشريعة الإسلامية لأسباب ذكرناها آنفًا.

عملية ملء الفراغ بدأت مع النبي الذي بدأ يضع هذا القانون بعبقرتيه ووعيه مقاصد رسالته من خلال ما أُطلق عليه في ما بعد (السنة النبوية) ثم أكمل المشوار العلماء والفقهاء ليصبح لدى الدولة الإسلامية قانون مدني استُمِدت مواده من مقاصد القرآن الكريم ونصوصه وما سنَّه النبي لهم بداية.

ولقد حذر الشارع سبحانه وتعالى من الخلط بين الديني والدنيوي الناتج في أثناء تنظيم منطقة الفراغ حتى لا يُظَنّ أنه دين فيأخذ تنظيم منطقة الفراغ محلَّ التحريم الإلهي؛ فيُحرم أبديًا أشياء لم يحرمها الشارع فقال:

{وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} النحل:116

وهدد رجال الدين الذي يستغلون الناس بتحالفهم مع السلطة السياسية من أجل تمرير مشروعات خادمة للاستبداد مقابل مصالح دنيوية، فجاء التهديد بالويل ثلاث مرات في آية واحدة في سابقة قرآنية لم تتكرر فقال: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} البقرة:79

وهكذا وضع النبي قانونًا مدنيًا مُسْتَمدًا من مقاصد رسالته، وتابع الفقهاء والعلماء سنَّ قوانين لمنطقة الفراغ التي باتت في ما بعد هي النُظم الضابطة لحركة الفرد والمجتمع فالدولة، وأصبح لأتباع الدين الجديد بعد تشكل دولتهم الكبرى عقيدة دينية وقانون مدني ينظم معايشهم وعلاقاتهم كلها.

هذه الطفرة التشريعية التي خضع لها المجتمع الإسلامي آنذاك، جعلت أتباع الدين الجديد يشعرون باستقلال شخصيتهم سواء في المستوى الإيماني أم المستوى الاجتماعي، فكانت طفرة تشريعية مدنية صالحة لعصرها طُوِّرت بوساطة الفقهاء لتكون متوافقة مع العصر الإمبراطوري الذي نشأ في أثناء العصر الأموي فالعباسي حتى العثماني، قامت على قيم فاضلة إنسانيًا كالخير والحق والعدل….إلخ، كانت متقدمة كثيرًا في عصرها.

دور الدين ووظيفته في عصر المواطنة

بعد تطور شكل الدولة من الإمبراطورية إلى القومية فالوطنية حتى وصلنا إلى عصر المواطنة، بدأ ينحسر القانون المدني الإسلامي من حيث الصلاحية، نظرًا إلى تطور معايش الناس وحاجياتهم في العقود الأخيرة، وبدأ العقل البشري ينتج قوانين إنسانية حقوقية، وبات المجتمع العالمي، مجتمعًا واحدًا تتشارك فيه الدول في قضايا أساسية عُليا تعمل على حماية حقوق الإنسان وفق عرف عالمي متوافق عليه، وبدأ العالم يسير باتجاه مَأسسة المجتمعات من خلال منظمات المجتمع المدني، وبذلك تغير دور الدين في المجتمع، كما تبدلت وظيفة رجاله.

فدور الدين كان العمود الفقري لأي إمبراطورية قائمة آنذاك، أما اليوم فنعيش عصر دولة المواطنة، أي الدولة التي تتعدد أديان مواطنيها ويتوزعون في طوائف ومذاهب وأيديولوجيات مختلفة، وهنا انحسر دور الدين ليكون الضابط الجديد للمجتمع هو القانون العام الذي يراعي حقوق الذين لا يؤمنون بهذا الدين، أو لديهم وجهة نظر طائفية قائمة على فلسفة ما، مختلفة في فهم الدين، أو المذاهب الاعتقادية المختلفة داخل الدين الواحد في فهم عقيدة الدين نفسه وتأويلها، إضافة إلى اللادينيين وقد أصبحت نسبتهم لا يستهان بها اليوم في الدول، هذا كله جعل دور الدين اليوم مختلفًا عن دوره في العصر الإمبراطوري.

وأما وظيفة رجال الدين فقد تبدلت هي الأخرى، فسابقًا كانت لهم مهمة ملء منطقة الفراغ في الشريعة لتنظيم قانون مدني للمجتمع على أساس دين الإمبراطورية الواجب اتباعه لتكون مواطنًا من الدرجة الأولى، يستمد تشريعاته من الدين نفسه، لكن دولة المواطنة المعاصرة ساوت بين المواطنين كلهم مهما تعددت اعتقاداتهم الدينية أو الطائفية والوضعية، ليخضع الجميع لقانون عام، يضعه خبراء في القانون من الاختصاصات كلها، ولم تعد تلك مهمة الفقيه حصرًا، ولا يُشْتَرَط فيها أسلمة منطقة الفراغ.

المشكلة

المشكلة أننا ما نزال حتى اليوم بسبب عدم وعينا بتبدل شكل الدولة من الإمبراطوري إلى المواطنِّي، نرى أن تلك الاجتهادات الفقهية لسد منطقة الفراغ التي سُمح للنبي إلهيًا بها ثم تابع الفقهاء سنَّ قوانينها، واجبة التطبيق وصالحة لدولة المواطنة، والمشكلة الكبرى أننا نظن أنها هي الدين نفسه، ولو استبدلنا بها ما هو متناسب مع العصر، نبدو كمن تخلى عن الدين وهذا ليس صحيحًا، وهنا تكمن المشكلة خصوصًا بعد ظهور الإسلام السياسي المطالب بعودة الدين إلى السلطة ليحكم المجتمع من جهة، ومن جهة أخرى ظهور السلفية المعاصرة التي تصر على أن التشبث بتلك القوانين المدنية هو سنة نبوية واجبة الاتباع والتخلي عنها تخل عن الدين.

إن المدونات الفقهية التي ظهرت في القرن الثاني الهجري وما بعده، كانت تمثل قانونًا مدنيًا سارت عليه مجتمعات ذلك العصر، لأنها كانت مجتمعات ودول ناشئة ليس لديها قوانين، وهي اجتهادات بشرية ليست لها عصمة ولا قداسة، لكنها حلّتْ مشكلات عصرهم المدنية والاجتماعية وحتى الاقتصادية، ومن المستحيل أن تبقى صالحة قرونًا، والمسلمون اليوم طوائف ومذاهب متعددة، ومجتمعاتنا ليست ذات تَدَيُن واحد، ولا بد من قانون واحد منبثق من دستور متفق عليه ينضبط تحته الجميع.

لقد كان النبي عظيمًا بسن تلك القوانين المدنية، وكذلك كان العلماء والفقهاء الذين غطوا منطقة الفراغ في الشريعة الإسلامية لتكون القانون المدني الذي يسير عليه المجتمع والدولة، لكن هذه القوانين التي أطلقنا عليها السنة النبوية والفقه الإسلامي ليست كلها دينًا، فما عدا القضايا العقدية والعبادية والأخلاقية ليس دينًا،واليوم يحتاج المجتمع في دولة المواطنة إلى تجاوز كثير منها، والاعتقاد بأنها هي الدين ليس صوابًا، إنما هي من المسموح به إلهيًا لتنظيم شؤون الناس المتغيرة والمتبدلة وملء منطقة الفراغ التي لا يتدخل الدين فيها، لأنها منطقة قائمة على أعراف وتقاليد مختلفة من بلد إلى آخر ومن تَدَين إلى آخر، لينضبطوا بقانون عام، وهذا السماح واضح في القرآن بتنظيم المباح والحلال لقوله تعالى:

{وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ} النساء:24

والدليل على زمكانيتها أن سنة النبي لم تحرِّم إنما نَهَتْ، والفارق كبير بين التحريم الذي هو مهمة الإله فقط، والنهي الذي يمكن أن يكون مهمة النبي والأعراف والقوانين، حتى المحدثون عندما تكلموا على ذلك وضعوه في كتبهم تحت عنوان “باب النهي” ولم يكتبوا “باب التحريم” إذ إن النهي مؤقت وتاريخاني، وأما التحريم فهو أبدي، والفارق كبير جدًا بينهما.ولقد أشارت أهم آيات القرآن الكريم إلى أن وحي السماء في المحرمات أُغلق. وجاء دور العقل البشري الذي فُطِمَ عن الوحي ليضع تشريعات إنسانية لا تعارض مقاصد الرسالة السماوية. فقال:

{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} المائدة:3

وبيَّن القرآن أن مهمة العقل البشري تنظيم منطقة الفراغ، بما هو طيب لا يتعارض مع فطرة الناس فقال: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} المائدة:4

لكن

هذا الكم الهائل من القوانين المُنتجة في القرن الثاني والثالث والرابع الهجري التي ملأت منطقة الفراغ في الحياة المدنية ونظمتها بوصفها قانونًا مدنيًا، وتدخلت في أدق أمور الناس المعيشية المتغيرة، مَنْ ينتمي إلى المنهج السلفي والمدارس الفقهية التقليدية والإسلام السياسي يرى أنها من أصول الدين قادرة على تسيير حياتنا المعاصرة.

لكن عندما اصطدموا بالمعاصرة والحداثة، وظهر قصور في تلك القوانين المنتجة بالقرون الأولى، كان الحل عندهم أن يعيشوا الاستلاب التاريخي، بنظم السلف القديمة، فأصبحوا خارج المعاصرة ونُظِم المجتمع الدولي الحقوقية، وادعوا أن ما أنتجه العقل البشري مما ينظم حياة الناس والمجتمعات ويحفظ حقوقهم بِدعة جاءت بها جهات تتآمر علينا وعلى ديننا، وتوافق على نظرية التآمر هذه العقل الفقهي التقليدي والسلطات المستبدة، فكلاهما يعتقد بأن مؤسسات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان وتداول السلطة والديمقراطية والتعددية السياسية، إنما هي مؤامرة خارجية علينا وعلى ديننا، وهذا تزييف للحقيقة ورفض للتطور والمعاصرة بذرائع دينية موهومة،وساهم في ذلك الخلطُ بين الفقه المنتج بشريًا المسمى بالتشريع الإسلامي والشريعة الإسلامية التي مصدرها السماء، وهذا هو صلب المشكلة وسرها.

إشكالية وتساؤل وإيضاح

هنا سيعترض علينا معترض بقوله: ولكن طاعة الرسول واجبة وهي من الدين وقد أقرها القرآن. نقول إيضاحًا لهذه الإشكالية إن طاعة الرسول نوعان: طاعة أبدية وطاعة زمكانية؟ فالأبدية تتعلق بالاعتقاد وكيفية أداء العبادات والتحلي بالخلق القويم، وهذه ثابتة غير متبدلة. وأما الزمكانية فهي المعاملات والعقود والمعاوضات والهيئات في اللبس والطعام التي وُضِعت في القرون الأولى، وارتقت به إنسانيًا عن أعراف الجاهلية وتقاليدها، وهذه متبدلة ومتغيرة. ونضرب مثالًا في الطاعة: لو قلتُ لك أطع أستاذك في الجامعة. أنت هنا مطالب بطاعته في المنهج العلمي وتطبيق المنهج القائم على أسس علمية، ولست مطالبًا أن تطيع أستاذك بتقليده في لباسه وكلامه وطريقة حياته وحتى تسريحة شعره.

وكذلك بالنسبة إلى أولي الأمر فقد اختلف معناها اليوم؛ فعند السلف كانت تعني المشرعين الفقهاء الذين وضعوا أسس الفقه المدني الذي عاش عليه المجتمع الإسلامي، أما اليوم فألو الأمر يتمثلون في سلطات الدولة الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية.

مما سبق نقول: طاعة الرسول دائما مقرونة بطاعة الله، هذا من حيث الأصل، لكن الله عز وجل منح النبي سلطة الأمر والنهي، لأنه كان زعيم مجتمع، ومؤسس دولة، أي تنظيم المباح وقوننته، وهذا اليوم حق لكل سلطة تشريعية في الدول كلها، ولكنه لم يمنحه حق التحليل والتحريم لأن النبي ليس مشرعًا، الله وحده من يشرع. وهذا واضح في حديث القضاء المشهور عند البخاري:

(إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، وَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلاَ يَأْخُذْ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ).

ولقد كتب الكرابيسي المتوفى 570هـ كتابه (الفروق) ليوضح أن هناك خلطًا في فهم سنة رسول الله، ومن ثم علينا التفريق في سنته بحيث لا تعتمد كأنها وحي من الله. ثم جاء القرافي المتوفى سنة 684 للهجرة، وكتب كتابه الشهير (أنوار البروق في أنواء الفروق) موضحًا تلك الفروق في أقوال النبي بصفاته المختلفة رسولًا وسياسيًا وعسكريًا وزوجًا… إلخ، حتى يقطع الطريق على دعاة الوحي الثاني.

مآلات تضيق دائرة الفراغ

يتفق كثير من الفقهاء على أن الفتوى تاريخيًا كانت ذات مصدرين الأول نصي والثاني عُرفي، فأما الفتوى النصية فهي غير قابلة بالعموم للاجتهاد فيها، كونها قامت على نص مثل فتاوى العبادات وملحقاتها، وأما الفتوى العُرفية فهي قائمة على العُرف، وهي متغيرة بتغير الزمان والمكان مثل الهيئات وطريقة الطعام والمعاوضات والمعاملات والعقود، ومن ثم فهي متغيرة الأحكام، والعِلَّةُ الغَائية فيها مصالح الناس.

لكنّ تدخل فقيه اليوم في منطقة الفراغ المباحة إلهيًا، ومحاولة محاصرة الناس كي يرجعوا إليه في كل حركة من معايشهم، هو تنطعٌ وغلو نحن منهيون عنه، فالأصل في الأشياء الإباحة. لكن مشايخ الفقه البدوي جعلوا التحريم والحظر هو الأصل، ليتوسعوا بقاعدة سد الذرائع فضيَّقوا واسعًا، حتى جعلوا الدين عبئًا على المتدينين. ويصف شوقي القاضي هؤلاء قائلًا:

هذا التشدد والغلو في تضييق دائرة المباحات يروِّج له أولئك الجفاة الغلاظ الذين تطبعوا بقسوة بيئاتهم الجافة والمقفرة، فاعتقدوا التدين صراعًا، وفهموه قتالًا وحروبًا، ومارسوه عداوة وانتقامًا حتى مع أنفسهم، ومهما كانت نياتهم حسنة وتدينهم صادقًا، إلا أنه لا يجوز لهم أن يقودوا قافلة التدين ويعبروا عن الدين وشريعته ويفتوا بتعاليمه…. فظهرت فتاوى تحريم الغناء وتحريم اللعب والمسرح وتحريم المرأة (صوتها ووجهها وعيونها وأكتافها ومشيها ومشاركتها وحرَّمنا عليها عيشتها) حتى البسمة والضحك لم يتركوها مباحًا لنا لأن (الأمة المجاهدة لا تعرف الضحك)، وكم عانينا فتاوى تحريم الأكل بالملاعق بخاصة إذا اجتمع مع كبيرة الجلوس على الطاولات، وتحريم الشطرنج، والموسيقى والفن والرسم، حتى علوم المنطق والفلسفة والنفس ما سلمت ممن حرمها علينا، فتبلَّدت الطباع، وانحسر الذوق، وتخلفت العقول، وتقطعت الأرحام والقرابات، وتبددت المواهب وتكلَّست القدرات، وحُرِم الناس من ممارسة هواياتهم، والإفصاح عن رغباتهم وميولهم وتهذيبها بقيم الخير والفضيلة، فنشؤوا على العُقَد والنكد والكبت والحرمان([4]).

ويبين الباحث محمد برهومة كيف وقع التداخل بين النص الديني والاجتهاد المدني حتى ظن كثيٌر منا أن الاجتهاد المدني هو الدين ذاته: كان لاختلاط التاريخ بالنصوص واختلاط الفقه بالشريعة، أثر كبير في أن العقل الجمعي المسلم شكّله التاريخ أكثر مما صاغه النص الخالص، ما جعل هذا العقل بالدرجة الأولى عقلًا فقهيًا تربّى بصفة أساسية على يد المنظومة الفقهية المتوارثة منذ عصر التدوين، ما حدا بالبعض إلى وصف الحضارة الإسلامية في مجموعها بأنها حضارة “فقه” في مقابل ما توصف به الحضارة اليونانية بأنها حضارة “عقل” والحضارة الغربية المعاصرة بأنها حضارة “علم وتقنية”. وإذا كانت النصوص تُلزِم فإن التاريخ لا يُلزم، ومن هنا التساؤل عن أيّ إسلام ندافع: إسلام الوحي المبني على النص الخالص حيث تتسع دائرة المباح، وتتقلص دائرة الإلزام، ويرتفع سقف التكاليف فوق فضاء واسع من الحرية واحترام العقل الإنساني، من دون أنْ ينقص ذلك من حرارة الإيمان؟ أم هو إسلام الفقه الذي تقدمه المنظومة السلفية مبنيًا على التاريخ حيث تنقبض دائرة المباح، وتتسع دائرة الإلزام، ويتسع التوجس من العقل والحرية، من دون أن يزيد ذلك من حرارة الإيمان شيئًا؟ ([5])

ويستنكر الدكتور محمد حبش هذه العقلية في التضييق على الناس ومحاولة التدخل في منطقة الفراغ التي تقوم عليها معايش الناس: المسكوت عنه أمر حقيقي ثابت بالنص، وهو يتناول أشياء كانت موجودة في عصر النبوة، ولكنها لم تحظ بحكم شرعي يلزم المسلمين، وظل الناس مختلفين فيها دون بيان من صاحب البيان. بعضهم يظن أن سكوت الشريعة عن أمر ما ضعف أو نقص، لا أشارك هذه النظرة أبدًا بل هو كمال وحكمة وحيوية. ولكن أصدقاءنا اليوم في الشريعة لا يعتقدون ما اعتقده رسول الله، ويرون أن الشريعة فصّلت القول في كل شيء من أمر الدنيا والدين، وأنه ما يسقط من ورقة ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا يجب على الفقهاء أن يحكموا فيها حلالًا وحرامًا ووجوبًا وامتناعًا. فإلى أي مدى يكون هذا الكلام واقعيًا؟ ([6])

الخاتمة

حتى نتخلص من هيمنة رجل الدين على منطقة الفراغ التشريعي التي جعل الخالق عز وجل حق تنظيمها للبشر وفق مصالحهم، لا بد من تحقيق ثلاث مسائل، الأولى: عدم استخدام الدولة للدين لتمرير مشروعاتها الاستبدادية. والثانية: تحرير الدين من مدعي احتكار النطق باسمه الذين يفرغونه من قيمه الإنسانية والربانية خدمة لمصالحهم. والثالثة: توعية المتدين بأن تنظيم منطقة الفراغ التشريعي مهمة القانون لا رجل الدين. وهنا نحقق العلمانية الحميدة بصورتها المثلى.

وبذلك، نصوغ قوانين حداثية تحقق الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية لأبناء المجتمع كلهم بمساواة كاملة مهما كان دينهم أو اعتقادهم أو قومياتهم، قوانين قائمة على المقاصدية وغير متعارضة مع الخطوط الإنسانية العامة للدين ولا متطلبات المعاصرة، ونتشارك في بناء المجتمع الإنساني العالمي بدلًا من أن نكون عالة عليه ومشكلة له. فليتوقف الفقيه عن التدخل في منطقة الفراغ لأسلمتها، ويتوقف العقل المسلم عن العودة إلى الفقيه في موضوعات منطقة الفراغ التشريعي والسؤال عن حِلِّها وحرمتها، وإن لم نفعل ذلك سنعيش احترابًا بين مساكنة التاريخ والحداثة، وخارج النسق العالمي.

[1] ـ نحن نفرق قطعًا بين الشريعة التي مصدرها الوحي والتشريع الذي هو نتاج اجتهاد العلماء للشريعة واستنباطهم الأحكام منها؛ فالشريعة سماوية والتشريع بشري.

[2] ـ محمد باقر الصدر. اقتصادنا. ص: 689.

[3] ـ يوسف القرضاوي “مدخل لمعرفة الإسلام”. ص:65. وكذلك في موقعه الرسمي: https://www.al-qaradawi.net/node/3068

[4] ـ شوقي القاضي: في فقه التدين؛ بل دائرة المباحات أوسع. https://bit.ly/380rMW7

[5] ـ محمد برهومة. تضييق دائرة المباح. https://bit.ly/3a3A5TT

[6] ـ محمد حبش. المسكوت عنه في الإسلام. https://bit.ly/2Wdi0ud

حرمون للدراسات

اترك رد