روسيا وإيران في سوريا وما بعدها: التحديات المقبلة

المجلس الروسي للشؤون الدولية- ترجمة: ربى خدام الجامع

نشر المجلس الروسي للشؤون الدولية بالشراكة مع معهد الدراسات الإيرانية- اليوروآسيوية ورقة بحثية تتناول نقاط الخلاف والاتفاق بين طهران وموسكو في سوريا، وتسلط الضوء على العلاقة المركبة للطرفين والتي لم ترقَ إلى درجة الشراكة الاستراتيجية الحقيقية بحسب وصف معدي البحث.

ويقدم موقع تلفزيون سوريا ترجمة البحث على أجزاء دون التدخل في تحريره لنقل وجهة نظر “خبراء” البلدين في الملف السوري كما هي:

لم تلق الأزمة السورية المتواصلة بظلال آثارها العميقة على سوريا وحدها، وعلى منطقة الشرق الأوسط فقط، بل أثرت في البيئة الجيوسياسية الأوسع، فقد تحولت تلك الأزمة بطرق عديدة إلى نقطة تحول بالنسبة للعلاقات الروسية-الإيرانية، حيث قربت هاتين الدولتين من بعضهما، وعززت من تواصلهما في عدة ميادين وعلى مستويات مختلفة، وخلقت فهماً أكبر وثقة أعظم بين موسكو وطهران. وعليه، لم تتحول سوريا إلى امتحان صعب بالنسبة للتعاون الروسي-الإيراني، بل أيضاً أصبحت محفزاً مهماً لتعميق هذا التعاون بشكل أكبر، ويشمل ذلك النواحي التي لا ترتبط بشكل مباشر بالنزاع السوري بحد ذاته.

فلقد كشف التفاعل بين روسيا وإيران فيما يتصل بالملف السوري عن مرونة كبيرة. إذ يرى الكثير من المحللين والسياسيين خاصة الغربيين منهم بأن هذا التفاعل مجرد تفاعل وليد الظروف، وبأنه تفاعل تكتيكي ولا يمكن أن يدوم، وأشار هؤلاء إلى أن المصالح الروسية والإيرانية في سوريا ليست نفسها، وبأن هاتين الدولتين ليستا أكثر من شريكتين، ولكنهما قوتان متنافستان أيضاً، ليس فقط في سوريا بل في كامل المنطقة أيضاً. ويتوقع مشككون أن تعتري أزمة كبرى هذه العلاقة، وهذا الأمر لم يحدث في الحقيقة.

وفي الوقت ذاته، من المبكر أن نصف تطور العلاقات الروسية-الإيرانية أنها بلغت درجة الشراكة الاستراتيجية الحقيقية، سواء في سوريا أو في أي مكان آخر. إذ هناك الكثير من العقبات قبل تحقيق تلك الشراكة، وذلك لأن المصالح الروسية والإيرانية في سوريا متداخلة لكنها لا تلتقي بشكل كامل. إذ إن مواقف الدولتين تجاه الأمن الإقليمي والإرهاب وعالم متعدد الأقطاب تتشابه إلى حد كبير، كما تتقارب توقعاتهما لمستقبل سوريا، دون أن تتطابق. وتعكس تلك الفروقات في نهجيهما اختلافات في التاريخ والثقافة السياسية، والجغرافية، وغيرها من العوامل، وإلى جانب كل تلك العوامل، من المهم أن نذكر بأن الشراكة الروسية- الإيرانية كانت مثمرة، وبأنها حققت معظم أهدافها ويمكن أن تصبح أنموذجاً للشراكة في ملفات ونواح أخرى، فلقد كسبت إيران وروسيا خبرة في محاربة الإرهاب وحماية الحكومة السورية الشرعية. ومن الضروري أيضاً تقديم وتنسيق القواعد السياسية بعد الحرب وهي مرحلة أعقد بكثير مما سبقها.

ولهذا السبب تم إعداد ورقة البحث هذه بالشراكة ما بين المجلس الروسي للشؤون الدولية ومعهد الدراسات الإيرانية- اليوروآسيوية لتظهر في الوقت المناسب ولتتمتع بأهمية مميزة. فقد شارك خبراء مبرزون من كلا البلدين في تحليل مقارن للنهج الروسي والإيراني تجاه الأزمة السورية، بهدف تحديد نقاط التقارب والتباعد بين هذين النهجين. ولم يقم أي من هؤلاء الخبراء بتقديم صورة وردية أو تغطية المشكلات القائمة أو حالات عدم الاتفاق بين موسكو وطهران، ومن جهة أخرى، لم ينجر أي من هؤلاء وراء الأحكام المسبقة أو الصور النمطية حول الانهيار الحتمي للتعاون الروسي-الإيراني في سوريا وما بعدها. وهنا لابد لنا أن نلخص بعض النتائج التي خلصت إليها هذه الدراسة وهي:

أهم التحديات والأخطار

موجة تصعيد جديدة: يشترك الخبراء الروس والإيرانيون بالرأي القائل بإن الأزمة التي تحدث في سوريا قد تجاوزت الآن مرحلة الاقتتال الكبرى، وتطورت متخذة بعداً سياسياً، ويبدي كلا الطرفين قلقه حيال ظروف معينة يمكن أن تتسبب بظهور موجة أخرى للتصعيد، ويعترف كلا الطرفين بالمشكلة الكردية، لكن في الوقت ذاته، يؤكد الخبراء الروس على أن أراضي إدلب وشرق الفرات يمكن أن تتحول إلى نقاط ساخنة قد تشهد مواجهة جديدة.

خطر الإرهاب: بالرغم من دحر قوات تنظيم الدولة بشكل كبير، إلا أن أفكار إقامة خلافة إسلامية ماتزال موجودة، وهذه الأفكار، إلى جانب مطامح بعض الدول في الشرق الأوسط، يمكن أن تحيي الأنشطة الإرهابية. ولهذا يجب أن ينظر الخبراء في روسيا وإيران إلى عملية نشر الاستقرار في المناطق المحررة على أنها هدف يحتل رتبة عالية ضمن سلم الأولويات.

تعقيد عملية إعادة الإعمار بعد الحرب: إن إعادة بناء النظام السياسي في سوريا ورفع العقوبات الاقتصادية من أهم المشكلات التي تشهدها المراحل الحالية والمستقبلية بنظر الخبراء من كلا البلدين. وقد عبر الخبراء الإيرانيون عن مخاوفهم تجاه احتمال ظهور مطالبة شعبية لتحسين ظروف المعيشة في حال استقرار الوضع في سوريا، كما أن غياب ذلك يمكن أن يثير موجة اضطرابات جديدة. في حين أكد خبراء روس على الحاجة لقيام تحرك دولي لحل المشكلة كما أكدوا على ضرورة مشاركة الدول العربية في هذا التحرك. بيد أن الجانب الإيراني يعتبر التحرك العربي مصدر قلق ويرى في دعم النفوذ العربي في سوريا تهديداً لإيران.

تحديد الأهداف: بعد مشاركتهما في الأزمة، حددت كلتا الدولتين أهدافها بشكل مختلف، إذ تتمثل الأهداف الروسية في تحويل الانتصارات العسكرية إلى عوائد سياسية واقتصادية. وفي الوقت ذاته، يستخدم الخبراء الإيرانيون عبارة دعم النظام التي تم تعريفها على أنها الاحتفاظ بهمزة الوصل الأساسية مع محور المقاومة، كما يؤكد هؤلاء على تعزيز العلاقات الاقتصادية بين البلدين ضمن الأهداف المحورية لكل منهما.

عملية التفاوض وإعادة إعمار سوريا بعد الحرب

عملية أستانا: شدد كلا الطرفين على أهمية المفاوضات الثلاثية بين روسيا وإيران وتركيا للتوصل إلى حل فعال للمشكلة. ويراهن الباحثون الإيرانيون بشكل كبير على عملية أستانا، على اعتبار أن هذا التعاون الثلاثي لا يعتبر أحد الطرق لإدارة الأزمة السورية، بل لعله السبيل الوحيد لحلها، كما يقترح خبراء إيرانيون مشاركة الدول الأوروبية والصين بوصفها أطرافاً مهتمة بالعملية وذلك لخلق منصة يمكن من خلالها تبادل الآراء والرؤى.

مشاركة الدول الأجنبية: لا يقلل البحث الروسي من أهمية دور المفاوضات الثلاثية، بل يؤكد على أهميتها ويركز اهتمامه على المصلحة الروسية التي تتمثل بالنفوذ الروسي في المنطقة ابتداء من سوريا، دون التدخل بشكل كبير في المشكلات الإقليمية. وإذا أخذنا تلك الأسباب بعين الاعتبار، سنجد بأن القرار الأنسب بالنسبة لروسيا ضمن العملية التصالحية يتمثل بدعوة الشركاء الإقليميين للمشاركة، وعلى رأسهم الدول العربية التي يقلقها تزايد النفوذ التركي والإيراني في المنطقة، وهذا بحد ذاته قد يخلق حافزاً إضافياً للمشاركة بالنسبة لهم. وبالنسبة لمشاركة الزملاء الأوروبيين من وجهة نظر روسية، فهي غير واردة في الظروف الحالية، إلا أن التعاون على الصعيد الإنساني يمكن أن يتحول إلى حجر الأساس لقيام المزيد من التعاون.

دستور جديد: أصبحت البنية السياسية لسوريا مصدر قلق هي أيضاً بالنسبة للخبراء في كلا البلدين، إذ اتفق كل منهما على انعدام كفاءة اللجنة الدستورية السورية، ولهذا يشدد بحث أجراه خبير روسي على أن عدم مشاركة كل الأطراف في هذه اللجنة يعتبر من أهم المشكلات التي تعاني منها وذلك يعود لعدم تمثيل فئة الأكراد التي تتمتع بقوة كبيرة في تلك اللجنة خوفاً من أن يتسبب ذلك بتوتر العلاقات مع تركيا.

تغيير السلطة: يرى الخبراء الإيرانيون أنه يمكن تأجيل الانتخابات الرئاسية في سوريا المزمع عقدها في عام 2021 وفقاً لأحكام الدستور السوري الحالي، في حال عدم الخروج بدستور جديد وتبنيه، وذلك يتيح لبشار الأسد البقاء في السلطة لفترة أطول. إلا أن الموقف الروسي تجاه هذه المسألة مختلف ويعود ذلك إلى ظهور مجموعة معقدة من المشكلات التي كشفتها الأزمة الاقتصادية، فضلاً عن التدخل الدولي والضغوطات الكبيرة التي لابد وأن تؤثر على موقف دمشق، وتعمل على دفعه نحو التسوية. وفي نهاية الأمر، يعتبر الوصول إلى سوريا مستقرة نسبياً من أهم وأقصى الطموحات والمصالح بالنسبة لكل من موسكو وطهران.

مشكلة اللاجئين: تختلف آراء الخبراء حول مسألة حل أزمة اللاجئين، إذ يرى الخبراء الإيرانيون بأن حل هذه المشكلة في المستقبل القريب أمر مستحيل نظراً للوضع الحالي لظروف البلاد وما تمر به. في حين يعتقد الخبراء الروس بأن مسألة إعادة اللاجئين ضرورية حتى يستعيد الاقتصاد السوري عافيته. وفي الوقت ذاته، لا ينكر الخبراء المشكلات المحتملة التي يمكن أن تظهر عند تنفيذ هذه العملية.

تقييم التدخلات الخارجية

تركيا: يهتم كلا الجانبين بتركيا بشكل استثنائي ويقلق كل منهما حيال تمدد نفوذ هذه الدولة. وفي الوقت ذاته، كلاهما يدرك أهمية تركيا كشريكة في التعاون الثلاثي فيما يتصل بدعم عودة سوريا إلى سابق عهدها. إذ يؤكد الخبراء الروس على أن ضم إدلب وعدم كفاية الإجراءات التي تتبعها تركيا لمعالجة الإرهاب والمتطرفين، ومن المحتمل أن يكون السبب في ظهور هؤلاء بما أن تركيا ترغب في توسيع نفوذها أثناء عملية التفاوض.

الولايات المتحدة الأميركية: يشدد الخبراء من كلا البلدين على الدور الأميركي في النزاع وفي المنطقة عموماً، فقد ورد بأنه بالرغم من سحب الجنود الأميركيين من سوريا الذي تم الإعلان عنه في عام 2018، ماتزال الولايات المتحدة تدعم القوات الكردية وقوات سوريا الديمقراطية. فيما يفترض الخبراء الروس بأن الولايات المتحدة لم تعد مهتمة في الوقت الحالي بالتوصل إلى حل للنزاع السوري، وقد يكون ذلك سبباً لوصول العملية التفاوضية إلى طريق مسدود. في حين يعتقد الخبراء الإيرانيون بأن الأنشطة التي تمارسها الكتلة الأميركية-الإسرائيلية هي مجرد وسيلة للضغط على طهران، وهنالك أمثلة على ذلك نجدها في الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي الإيراني، واغتيال الجنرال سليماني، ومحاولات تمديد الحظر المفروض على إيران، والغارات الجوية الإسرائيلية على مواقع إيرانية في سوريا، وغير ذلك. وكل تلك العمليات تعتبر بمثابة استفزازات الهدف منها هو جر إيران ومنطقة الشرق الأوسط برمتها إلى تصعيد الأزمة الإقليمية. وبحسب ما أورده خبراء إيرانيون، فإن طهران على استعداد لمقاومتهم والالتزام بموقف الصبر الاستراتيجي الذي سمح لها في الوقت الحالي بتجنب النزاع الذي يطبخ على نار هادئة. كما بوسع إيران القيام بعمليات أكثر حزماً في حال واصلت الولايات المتحدة سياسة الضغوطات القصوى معها.

إسرائيل: إن الفرق الكبير في الآراء يتجلى في موقف كلا الجانبين تجاه مشكلة إسرائيل. إذ يؤكد الخبراء الروس على أن روسيا تقوم بإجراء مفاوضات مع إيران وتركيا من جهة ودول شرق أوسطية بينها الحلفاء التقليديون للولايات المتحدة من جهة، وإسرائيل واحدة من بين تلك الدول الحليفة. وهذا ما يتيح لروسيا مواصلة لعب دور الوسيط النزيه في المنطقة، وذلك لحفاظها على مسافة واحدة من كل الأطراف ولحياديتها تجاه العناصر الفاعلة الإقليمية الأساسية. أما الخبراء الإيرانيون فيعتبرون مشكلة إسرائيل المشكلة الوحيدة في العلاقات الإيرانية-الروسية تجاه سوريا، وقد استشهد هؤلاء بالغارات المتكررة التي شنتها القوات الجوية الإسرائيلية على مواقع سورية، والتي حدثت نتيجة لإهمال أو تغاض من قبل الجانب الروسي، ما أدى لظهور تخمينات معينة ضمن مجتمع الخبراء في إيران. وفي الوقت ذاته، تؤكد إيران على امتناعها عن حل خلافاتها مع إسرائيل خلال عملية التفاوض الساعية لحل النزاع.

الأهمية الإقليمية: يعترف كلا الطرفين بأن الأزمة السورية تمثل مشكلة مهمة بالنسبة لكل دول شرق المتوسط وشمال أفريقيا. وتتمثل أهداف إيران وروسيا بما ينسجم مع المواقف التي ذكرناها آنفاً من خلال لعب دور الوسيط في المنطقة وتحويل النجاحات العسكرية في سوريا إلى مكاسب سياسية واقتصادية بالنسبة للاتحاد الروسي ودعم النظام الصديق في سوريا، بشكل يسمح بتعزيز مواقفه في المنطقة وذلك بالنسبة لإيران.

إن هذه الدراسة المشتركة بين مؤسستين بحثيتين من روسيا وإيران لا تشمل كل أبعاد التفاعل الروسي-الإيراني في سوريا وحول سوريا بالتفصيل. وذلك لأن هذا الموضوع الواسع والجدلي يحتاج إلى بحث ودراسة مركزة بشكل أكبر وإلى المزيد من النقاش بين الباحثين الروس والإيرانيين. إذ لسوء الطالع، لا يمكن لهؤلاء الباحثين أن يتواصلوا مع بعضهم إلى ضمن مستوى محدود حتى اليوم، ولهذا اعتمدوا في هذا البحث بشكل أساسي على مصادر غير مباشرة وعلى آراء متحيزة أحياناً وصلتهم من الغرب.

ولهذا يفضل تطوير المسار المتواضع الحالي الثاني للحوار بين كلا البلدين إلى حد كبير، ليس فقط فيما يتصل بسوريا، بل أيضاً فيما يتصل بأبعاد مهمة أخرى تتعلق بالعلاقات الثنائية، بالإضافة إلى أفكار وتوقعات روسيا وإيران تجاه النزعات والتوجهات والتحديات والفرص على المستوى الإقليمي والدولي، ففي نهاية الأمر يعتبر الحوار المفتوح والصريح شرطاً مسبقاً لا غنى عنه لإقامة علاقة تعاون ناضجة. لذا فإننا نأمل أن يفضي هذا البحث المختصر إلى شيء عملي، حتى ولو كان مجرد خطوة متواضعة في هذا الاتجاه.

 يتبع..

المصدر: المجلس الروسي للشؤون الدولية

تلفزيون سوريا

اترك رد