نجاح المثقف وفشله

ميشيل كيلو

كثيرون هم الذين شيّعوا المثقّف إلى مثواه الأخير، وقد حمّلوه مسؤولية “فشل الربيع العربي”، إذ عدّوا فشل مشاريعه فشلًا للمثقف قبل غيره.

في عالم عربي تسوسُه نُظمٌ فاشلة ومارقة، تعارضها تنظيمات حزبية أنهكها القمع وغياب مجتمعاتها عن شؤونها، أخذت قطاعات شعبية واسعة، يغلب عليها الطابع الشبابي، تقتحم الساحة السياسية، متجاوزة عقودًا من التغييب، لتُخرج نفسها وأوطانها من احتجازات قاتلة، كانت تزداد تجذرًا من يوم إلى آخر، وكان قد كرّسها رهانان تناحرا طوال عقود في المجال العربي؛ عُدّ أحدهما حداثيًا والآخر تقليديًا، وكلاهما أخفق في إدخال العرب إلى عصرهم، بشروط تتكفل بتحريرهم من التأخر والتخلف، فكريًا وثقافيًا وعلميًا واجتماعيًا واقتصاديًا، وفي إشراكهم -بهذا القدر أو ذاك- في تقرير شؤونهم العامة.

بهذا الفشل، الذي كشفته هزيمة حزيران العسكرية أمام إسرائيل، انخرط العرب في لحظة صفرية، محليًا ودوليًا، ووقعت القطيعة بين نظمهم الشمولية التي تأسست بذريعة “الردّ على العدوان الخارجي”، لكنها لم تحارب غير عدوها الداخلي: شعوبها، فترتبت على ذلك الأمر نتيجتان: القطيعة الجذرية بين الحكّام والمحكومين من جهة، وظهور المثقف كطرف يتصل دوره بحريته، من جهة أخرى، وبإخراج مجتمعه من الفراغ الشامل الذي تحميه نظم تطلعت إلى احتوائه بعد أن احتوت مجتمعه، لتحول بينه وبين تأسيس حقل فكري/ معرفي خاص به، تتقاطع مسائله مع الشأن العام في بعده الشعبي، وتلزمه بالانحياز إلى مجتمع الناس المغيب الذي سيجد في نتاجه ودوره ما قد يعينه على الخروج من غيبوبته الإجبارية، وإحداث تبدّل ما في الواقع السياسي القائم وعلاقات أطرافه، حيث سيمثل المثقف المجتمع، بحكم حاجتهما إلى الحرية، وحاجة الثقافة إلى بيئة إنسانية تفاعلية ومفتوحة.

هل أدى ظهور مثقف النظم الاستبدادية إلى تحميله مهام تضعه في مواجهتها، بحيث تتجه ثقافته نحو التخلّص منها على مراحل، أولّها خروجه من حقلها السياسي المؤمم، الذي لا يتّسع له، ويُعدّ تدخله فيه خطرًا عليه، ويجب تحوله إلى مثقف عضوي ثوري الوظيفة، وصرف اهتمامه إلى موضوعات ثقافية يفارق من خلالها نظام الاستبداد العنيف والمغلق، ويلتزم، بالمقابل، بحامل مجتمعي واسع ويتخطى إطاره المباشر، لا يبقيه انتماؤه إليه وحيدًا ومكشوفًا، ويساعده في الخروج من دائرة الاحتواء والإفساد التي سيعمل الاستبداد بإغراقه فيها، لمنعه من النهوض بدوره، ومن الالتقاء مع مجتمع الشعب، الذي يطالب مثله بالحرية، وسيحوّل مطالبته إلى ساحة تفاعل تجمعهما، يضع لقاؤهما فيها حجرَ الأساس لتغيير علاقات القوى السياسية، وإعادة المجتمع إلى السياسة، والسياسة إلى المواطن.

بدأ الربيع العربي، بعد فترة من غياب أحزاب المعارضة عن دورها، وبروز دور المثقف، الذي جعل الحرية هدفه السياسي الوحيد، وحاضنة مطالبه جميعها، التي تنتفي في غيابها إمكانية التحرر من الاستبداد، وتحويل أفكار المثقف إلى قوة مادية، يمكن بمعونتها بناء مجال عام مضاد لحقل السلطة السياسي. وقد زاد من هذا الاحتمال طابع المثقف الجديد الذي لم يكن مثقف برجه العاجي الشهير، بل كان أيضًا مثقفًا ميدانيًا يتقن تحريك الناس، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وكسر حصار الإعلام الرسمي المضروب حوله، وجسر الهوة بينه وبين رجل الشارع: شريكه ورفيقه في حراك يترجم وعي المثقف المناهض للاستبداد إلى حراك تنخرط فيه كتل شعبية كبيرة.

برز هذا الدور خلال موجة الربيع العربي الأولى التي طالبت بإسقاط النظم، لكنه تراجع بعد عجزه عن تطوير بدائل فاعلة للاستبداد، وللتطرف المذهبي المسلح. وفشل بالنتيجة في ما تحقيق كان منتظرًا منه: بناء قيادة سياسية وفكرية لثورة الحرية توحّد جناحيها السياسي والعسكري، وتصلب حاملها المجتمعي الوطني، فلا عجب أن تراجعت مكانته، وبرز في صفوفه قدرٌ تعاظم باضطراد من التبعثر والتشتت، فزاد عجزه عن إنجاز مهمته الثورية الكامنة في تحويل تمرّد مجتمعي يحمل سمات ثورية، إلى ثورة مكتملة الأركان، عبر تزويده ببرامج وخطط تتفق مع هويته وتنمي قدراته وتوحدها حول الحرية، كرافعة ثورية وهدف وطني جامع، لكن غياب المثقف عن دوره، وفشل المعارضة في القيام بالمهمة المطلوبة، أديا إلى انحدار التمرد إلى اقتتال مذهبي خطط له، ونجح في فرضه، النظام الأسدي، والتيار المتعسكر المتأسلم، الذي خطفها وطارد مثقفيها وكتم أنفاس حاضنتها.

هل يعني هذا أن دور المثقف قد آل إلى فشل نهائي، أو أن مراجعته صارت مستحيلة، بدلالة الحاجة إلى إخراج الثورة من مأزق هو مأزقه الذي يؤذن بفشلها وإفلاسه في آن معًا، وبوقوع قطيعة نهائية، ستستمر مدة طويلة جدًا، بين المثقف والشعب، بعد أن أدى تشابكهما وتفاعلهما إلى الثورة، وسيؤدي انفكاك علاقتهما إلى هزيمتهما، ورضوخهما لطور استبداد غير مسبوق، أشد هولًا من أي كارثة سبق لهما أن تعرضا لها، بعد أن أدرك الاستبداد ما للمثقف من دور في إعادة المجتمع إلى السياسة والسياسة إلى المجتمع، ومن تهيئة الشروط الضرورية للثورة عليه!

باحتجاز المجتمع، سياسيًا وفكريًا، أضفى الاستبداد سمة ثورية على دور الثقافة، وحوّل المثقف إلى حامل فكر عضوي، يضع دوره في خدمة مجتمعه، ويعمل لتثوير وعيه، تمهيدًا لتثوير واقعه. وإذا كانت ثورات الربيع العربي قد أكدت أهمية المثقف، وعززت نقاط قوته، فإن الثورة أظهرت بالمقابل نقاط ضعفه، وضرورة ترجمة أفكاره إلى برامج سياسية ثورية، تسهم في نقل مجتمعه إلى طور تاريخي جديد، يصنعه مواطن مثقف تجاوز هويته كفرد في نخبة، يرفض الاندماج في السلطة ومغانمها من جهة، وينحاز إلى مجتمعه ويندمج فيه، ويخوض معركته ضد الاستبداد، ويعمل لجعل ثورة الحرية عصية على الكسر.

حرمون للدراسات

اترك رد