تحديث بعض المفاهيم الدينية

أحمد الرمح

إن تطوّر شكل المجتمعات والدول وقوانينها، وتحوّل المجتمعات إلى العمل المؤسساتي التخصصي، يفرض علينا تحديث مفاهيم دينية كثيرة، مُورست بعشوائية وفردية، وتغولت في سلوكاتها إلى أبعد من الحد المناط بها؛ ومن هذه المفاهيم “هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”! ففي ظل دولة المواطنة، التي تضمّ مسلمين من مذاهب وطوائف مختلفة ومتخالفة، وغير مسلمين، كيف نفهم قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟! وكيف نمارسها وفق تطور قوانين المجتمع الحديثة، واختلاف انتماءات المواطنين العقدية المختلفة، ودولة المواطنة؟

تاريخية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

ذُكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في ثمانية مواضع قرآنية، منها: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} آل عمران: 104، {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} التوبة:71. وعندما نتدبر الآيات التي تتحدث عن ذلك، نجد أنها لا تكلف المسلمين كلهم بها، إنما تكلّف فريقًا منهم، ولذلك جاء النص بصيغة التبعيض لغويًا، كما في الآيتين السابقتين وغيرها. حيث كانت هناك مجموعات تتبع للسلطة الحاكمة تقوم بهذه المهمة، ولكن مهمتها تاريخيًا لم تكن متابعة المخالفات الدينية، إنما مراقبة الأسواق والأخلاق العامة وأمن الناس، كي لا يتم الاعتداء عليهم. ولهذا نقول: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مساحته في منطقة الفراغ التشريعي، أو المسكوت عنه، أو دائرة المباح.

لكن بعض الدول الإسلامية الخليجية وأفغانستان وولايات من الباكستان قامت، في العقود الماضية، بتشكيل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويُطلق عليها أيضًا اسم “المطوّعين” أو جهاز “الحسبة”، لمراقبة سلوك الناس في الأسواق للمحافظة على الآداب العامة، ثم توسّعت في عملها كثيرًا، حتى تمادت في دورها الاجتماعي، وأخذت تمارس عقوبات على من لا يُغلق محلّه وقت الصلاة، وتعاقب المفطر في رمضان؛ فحوّلت التدين من أمر اختياري، كما جاء في القرآن الكريم، إلى حالة إكراه على الدين عمومًا، وعلى مذهب بعينه خصوصًا، أو منهج إسلاموي محدد! فبات الإكراه مزدوجًا: إكراه على التدين، وإكراه على مذهب بعينه! فعاقبت من يمارس التدين على مذهب مخالف لمذهبهم، كما في إيران والسعودية!

تطور المفهوم إلى “الحِسبة”

لم ترد “الحسبة” نصًّا، في القرآن أو السنة النبوية، وتُعّرَّف في الاصطلاح بأنها “أمر بالمعروف إذا ظهر تَرْكُه، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله”. وهي نوع من أنواع الإشراف الديني للسلطة الحاكمة على المجتمع، لتنظيمه ومراقبته. وكانت تاريخيًا تُشرف على مسائل التجارة ومشروعية العقود، وأقدم كتابٍ صُنِّف فيها هو كتاب “الـحسبة الكبرى” للسرخسي، في القرن الهجري الثاني، الذي كان مُحْتَسِبًا في بغداد أيام الـخليفة الـمعتمد باللَّه. وأفرد لها الـماوَردي جزءًا من كتابه “الأحكام السلطانية”، وجعلها أبو حامد الغزالي، في كتابه “إحياء علوم الدِّين”، عمود الدين.

وفي العصر الحديث، اهتم بها التيار السلفي عمومًا، والتيارات الجهادية خصوصًا، بالاعتماد على ما قدّمه ابنُ تيمية، في كتابه “الـحِسبة في الإسلام”. وقد عَرَفَ العرب “الحسبة” قبل الإسلام! حيث ورد في بعض المراجع التاريخية: “في سوق عكاظ، كان يعاقب من يغشّ الناس أو يَخِلّ بالعقد، فتُرفع له ما عُرف بـ (راية الغدر) في السوق، ويلقي المسؤول عن السوق خطابًا، يخبر فيه الناس أن فلانًا قد غدر أو غش، كنوع من العقوبة له، لمقاطعته في البيع والشراء والردع لغيره، وربما يُطرد من القبلية أو البلد، وذلك بحسب جرمه”.

وفي الآونة الأخيرة، ألغت معظم الدول الإسلامية “الحِسْبَة” بمعناها الشكلي، وبقيت بأشكال أخرى، حيث تستخدم في رفع القضايا القانونية ضد من يُتَّهم بالإساءة إلى الدين.

الله -عزّ وجلّ- لم يأمر بالمعروف!

عندما تتدبر القرآن، تجد أن الله يطالبنا بأن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، ولكنه لا يأمر هو به! إنما نحن الذي نأمر به الآخرين، وهذه مسألة دقيقة يجب الانتباه إليها! إن المعروف هو العادات والتقاليد الحسنة ذات الأثر الاجتماعي الإيجابي، وهي أمور اجتماعية توافق عليها أهلُ بلد ما، ولكونها متغيرة من مجتمع لآخر، ومتبدلة من عصر لآخر، لم يأمر بها الله عزّ وجل! إنما أمرنا أن نؤمر بها، ولذلك نجد أن تحديد عقوبة مخالفها يسنّها جهاز “الحسبة”، إذ لا يوجد عليها نصّ إلهي. كما نلاحظ أن الصلاة والصيام لا حدَّ عليها في الإسلام! لذلك عندما تَدّخَّل في أدائها المطوعون وجهاز الحسبة، في بعض البلدان، حوّلوا أجمل عبادتين تختصان بالخالق عز وجلّ، إلى حالة إكراه! فتكاثر المتدينون نفاقًا. أما الزكاة فهي من الأمر بالمعروف، لأنها حق المجتمع والمحتاجين، بنصّ إلهي، في الأديان كلّها، وقد ذكرها القرآن كفريضة: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} التوبة:103

وقد طُوّر مفهوم الزكاة في الدول الحديثة، فأصبح لها منظمات حكومية تُشرف على إنفاقها لحماية العاطلين عن العمل، كي لا يخلّوا بأمن المجتمع لحاجتهم المالية، وخصصت لهم دخلًا شهريًا، لحمايتهم وحماية المجتمع، وكذلك هناك مؤسسات لرعاية المرضى والشيخوخة، فكان الضمان الصحي للأولى، والراتب التقاعدي للثانية. ويمكن أن نُشَبِه مؤسسة الضرائب اليوم، بصندوق الزكاة، وهي أهم المؤسسات في الدولة الحديثة، وأصبحت فريضة على جزء من الربح، كما الزكاة.

وعن سوء تطبيق مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ينقل ناشطون حقوقيون، من إدلب التي يسيطر عليها تيار السلفية الجهادية، أنباء عن وقوع أكثر من مئة ضحية، خلال السنوات السابقة، بيد “جبهة النصرة”، بذريعة المجاهرة بالإفطار! وقد قتلَهم حدًا جهاز الحسبة التابع لها! علمًا أنه لا يوجد تاريخيًا فتوى بمعاقبة المفطر في رمضان، باستثناء “فتوى فرنسية”! إذ يذكر المؤرخ المصري عبد الرحمن الجبرتي، في كتابه “تاريخ الجبرتي”، أن الفتوى صدرت أول مرة من قبل “الجنرال مينو” الذي تسلّم مصر بعد مقتل الجنرال كليبر، لمعاقبة المجاهر بالإفطار في إبان احتلال الفرنسيين لمصر، ولم تكن تلك الفتوى معروفة من قبل، إذ ليس في القرآن الكريم أي حدٍّ على من لا يصوم أو يجاهر بالإفطار، حيث كان المصريون منقسمين بالولاء، ما بين قوى خارجية متصارعة على مصر، كالعثمانيين والمماليك والإنجليز! وكان الشعب المصري يتكون من عرب وأتراك ومماليك وأقباط، فقام أحد الأقباط بشرب الخمر وتناول الطعام، في أحد أسواق القاهرة، وكرر ذلك في أيام عدة، بقصد استفزاز المسلمين الصائمين! وقيل إنه كان مدفوعًا من أحد التجار، فوقع خلاف كبير وأحداث بين المسلمين والأقباط، فسَنَّ “مينو” -بعد استشارة أهل الخبرة- قانونًا يعاقب المجاهر بالإفطار، وكان ذلك القرار “سُنّة حسنة”، كما يقول الجبرتي. ومن هنا سنّت بعض الدول الإسلامية عقوبة قانونية على المجاهر بفطره!

تحديث مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

في العقود الأخيرة، تغولت أجهزة الحسبة كثيرًا، فباتت تتدخل في حياة الآخرين وتنتهك خصوصياتهم، وتمارس عليهم نوعًا من الوصاية الدينية، وتصادر حق الآخرين في فهم الدين، وتعدّ فهمها هو الأصوب. لكن العقل البشري طوّر نظام الحسبة بشكل مذهل، وحوّله إلى حالة مؤسساتية، للمحافظة على السِّلم الأهلي في الدولة. فالشرطة في كل بلد أصبحت تقوم بهذه المهمة، ومعروفُها هو القانون العام المتوافق عليه، فتسهر على عدم مخالفته؛ ولجان حماية المستهلك في كل العالم تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، حيث تراقب مواصفات السلعة وأسعارها، لتضمن حماية المستهلك اقتصاديًا وصحيًا؛ والمنظمات البيئية تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، من خلال تقارير علمية تمنع التعدي على البيئة؛ ومؤسسات المجتمع المدني والأهلي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، إذ تنظم المواطنين في منظمات لحمايتهم والدفاع عن حقوقهم؛ ومنظمات حقوق الإنسان تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، عندما تدافع عن أصحاب الرأي والمعتقلين من استبداد السلطات؛ والنقابات المهنية بمختلف أنواعها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، حيث تعمل على المحافظة على حقوق أعضائها من ظلم أرباب العمل وتأمينهم عند سن الشيخوخة.

وبناء على هذا، يجب أن نطوّر مفهوم الأمر بالمعروف أو “الحسبة” وأن نعمل على تحديثه، وهو ليس دينًا، بل من المقاصد الدينية التي تعمل على حماية الإنسان والمجتمع، وقد أصبحت تلك المقاصد اليوم القانونَ العام للمجتمع، ونظرًا لتنوعها، فهي من منطقة الفراغ في الشريعة الإسلامية، وقد كانت تلك المهمة سابقًا من اختصاص رجال الدين، من أهل الحسبة والمطوعين، ولكنهم قصروها في عصرنا على القضايا الدينية. وهذا ليس صحيحًا. ولأن النقابات والهيئات وأجهزة الدولة تقوم بتلك المهمة اليوم، لا حاجة لنا بجهاز الحسبة.

حرمون

اترك رد