خائفون ومستفيدون من… الانهيار

عبد الوهاب بدر خان

لا فائدة من استصراخ الضمائر. يدرك اللبنانيون ذلك، وبالأخص البطريرك بشارة الراعي والبطريرك الياس عودة، لكنهما لا يكلّان من المناشدة، على رغم أن “الضمير المستتر” كان أبرز ما كشفته الأزمة الشاملة في لبنان بكل وقائعها: من جريمة تفجير المرفأ ومآسيها والعمل لإحباط التحقيق فيها، الى جريمة إحراق مخيم النازحين السوريين في بحنّين، وما بينهما من جرائم واغتيالات وارتكابات فساد عصفت بالدولة ودمّرت العملة الوطنية وقوّضت الاقتصاد وجعلت البلد لقمة سائغة للمتلاعبين بمصيره.
لم يكن هناك مجال للاشتباه بأي ملمح “ضميري” في الكلام الذي صدر عن الأمين العام لـ “حزب الله” في اللقاء المتلفز في الذكرى السابعة لاغتيال محمد شطح. ظهر حسن نصرالله كالعادة شخصيةً فوق-لبنانية، غير لبنانية، متجاوزةً المأساة اللبنانية الماثلة لتهتم فحسب بـ “الحاج قاسم (سليماني)” صاحب الأيادي السوداء في عموم المنطقة العربية وراعي القتلة المتواطئين على أهلهم وأمان مجتمعاتهم.
يهجس البطريركان، الراعي وعودة، بآلام اللبنانيين ومصير البلد وبـ “صحوة ضمير” لدى قواه الداخلية، يؤرقهما الانهيار الزاحف ويُطلقان صرخات اليأس علّ العالم يساعد البلد على النهوض. أما نصرالله فلا يهجس إلا بمستقبل الإنجازات الايرانية وبالثأر لـ “الحاج قاسم” وشحذ الحقد على السعودية وسائر العرب، بل يبدو متفرّجاً على الانهيار ومطمئنّاً الى أن البلد سيقع عاجلاً أو آجلاً بين يديه. نعم، هو يسعى الى “اصطناع دولة” لا تشبه لبنان وهويته، كما حذّر البطريرك الراعي، ولا يخشى نصرالله “عدم قبول الشعب” بهذه “الدولة”، لأن المصالح الخاصة أعمت المتحالفين والمتعاونين معه، ولأن الترهيب والاغتيال أسكتا من يخالفون عقيدته ومآربه.
باتت عراقيل الحكومة الجديدة جزءاً من استدراج الانهيار وادارته. والمعرقلون “وطاويط” معروفون، لكن أصبح واضحاً أن “الحزب” هو وحده المستفيد من الانهيار، وهو الذي يلقّن الطبقة السياسية “فضيلة” الاعتماد على الفقر والعوز والجوع والذلّ كأدواتٍ لضمان مستقبلها. في سوريا دفع الإيرانيون الشعب المعدم في بعض المناطق الى “التشيّع” والاستكانة للحصول على لقمة العيش. في لبنان لا يسعى “حزب الله” الى “التشييع” بل يربط المعدمين في بيئته بـ “القرض الحسن”، ويمكنهم كمعدمي البيئات المذهبية الأخرى أن يتدبّروا أمورهم بما يتحصّلون عليه مما تبقى لدى دولة منهوبة، معدمة بدورها. وعليهم في المقابل أن يصمتوا ويستكينوا.
لم يعد العالم يتعامل مع لبنان كما عرفه وكما عرفناه، بل يعاقبه لأن أبناءه يبكون “مُلكاً” لم يستطيعوا الحفاظ عليه، لا بـ “وطنية” مفتقدة لدى سياسييه، ولا بـ “ثورة” شبابه. ولم يعد العالم يرى سوى “حقيقة” واحدة في لبنان، هي “حزب الله” وسلاحه، لكنه حقيقة وعقبة أوصلتا لبنان الى ما هو عليه. ماذا عن انتظار الإدارة الأميركية الجديدة؟ الأكثر توهّماً وتهوّراً، لبنانياً، هو الاعتقاد بأن الرهان على وفاق إيران (بشروطها) مع اميركا (بشروطها)، ذريعة مشروعة للتعويل على “حزب الله”.

صحيفة النهار

اترك رد