مقابلة- في الحداثة والتراث والدولة والهوية

مقابلة برهان غليون مع مجلة التراث، حوار د. أنس الفيلالي كانون الأول 2020

فجرت الانهيارات السياسية والايديولوجية التي نجمت عن سلسلة من الاخفاقات الوطنية والقومية وآخرها وأخطرها سحق ربيع الشعوب العربية والغدر بتطلعاتها أزمة هوية عميقة، تنعكس في تشكيك متزايد بالذات وبالتاريخ وبالوحدة الثقافية ذاتها وتهدد بتفريغ المراجعة النقدية للتراث والماضي والثقافة من مضمونها وهدفها في استعادة الأمل والمبادرة والعمل من أجل المستقبل. وفي هذه المقابلة مع مجلة التراث محاولة لتسليط الضوء على علاقة الحداثة والتراث ودورهما في تشكيل الوعي الجماعي بالهوية، وأثرهما في تشكيل الدولة والأمة في السياقات التاريخية المتغيرة وتقاطع المصالح وتعدد المصادر وتبدل القيم والأفكار والثقافات الفرعية. 

س-  في نظركم ما مظاهر التراث في حياتنا المعاصرة وما أبرز ما يلفت انتباهكم فيه في الوقت الحالي؟ أليس هناك تراجع له في كثير من مناحي الحياة من جراء العولمة وتطور وسائل الاتصال وتعميم بعض السلوكيات على المستوى العالمي؟

 ج- ليس التراث في نظري ولا ينبغي ان نفهمه كشيء ناجز نتعرف عليه في متحف التاريخ وإنما هو إعادة انتاج لرأسمالنا الرمزي في عملية إعادة صياغة مستمرة ودائمة لثقافتنا الحية وقيمنا ومعايير سلوكنا. وهذا هو جهد صناعة الهوية وترتيب معطياتها التاريخية المتغيرة بحيث يستوعب الوعي طبقات مختلفة ومتعددة من الرأسمال الرمزي ويدمجها ببعضها ويعطي لكل عنصر فيها مكانه ودوره الجديد حسب السياق، كي لا يصبح الفاعل الجمعي شخصية سكيزوفرينية أو فصامية لا يعرف كيف يتوجه أو يتحرك. وهكذا نستطيع ان نكون مسلمين وعرب وأفارقة ومصريين وسوريين ومغاربة ونضم الى بعضها البعض ثقافات الفتح والغزو والايمان والقداسة السماوية وثقافة القرون الوسطى وثقافة العقل والعلم والاخلاقيات الفردية التحررية الحديثة. وبالإضافة لذلك يبقى التراث من حيث هو ذاكرة تاريخية إشارة إلى امتدادنا أو بالأحرى عمقنا التاريخي على مستوى الرموز والمعاني تماما كما تمثل جذور الشجرة عمقها الحيوي الذي من دونه تطيح بها أي عاصفة ولا يبقى منها اثرا.  فالهوية ليست عنصرا واحدا وجوهرا خالصا ولكن يمكن تشبيهها بالخزانة التي تضع فيها الشعوب أغراضها وارصدتها وثقافاتها الجزئية وتستعيدها او تنهل منها وتعيد ترتيبها واستخدامها حسب الحاجة. وغنى الخزانة التاريخية الثقافية والحضارية يعكس غنى الشخصية القومية وعمق انزراعها في التاريخ واتساع عتبة إدراكها وهامش مبادرتها الثقافية.

وبفضل هذا الترتيب والتوضيب الذي ذكرت لعناصر الثقافة/الثقافات التي تمر على الشعوب، أمكن لأمة تكونت من مهاجرين من شتى الأصقاع وشهدت تاريخا دمويا وعنصريا قاسيا وكذلك تقدما سياسيا استثنائيا، وأقصد الامة الامريكية أن تستوعب ثقافة الإبادة الجماعية المنقطعة النظير، التي شكلت التراث القومي لها في مرحلة ولادتها، وتتجاوزها نحو ثقافة جديدة متأثرة بالفكر التنويري والإنساني الذي انتشر في أوروبا منذ النهضة، وما انطوى عليه من القيم الإنسانية الحديثة. ولم يمنع حرق قرى الهنود الأمريكيين من السكان الأصليين باسم الصليب والمسيح من ان تتحول هذه الأمة القاتلة إلى أول ديمقراطية في العالم وتلهم شعوب الأرض فيما بعد قيم الحرية الفردية وحكم القانون والمؤسسات، حتى لو ان هذه الثقافة الوحشية لا تزال تشكل في مكان ما عنصرا قويا في وعي هذه الأمة وشخصيتها وهويتها الكلية. وينطبق هذا على أوروبا راعية الحروب الصليبية لما يقارب أربعة قرون أيضا. 

 من هنا، أنا لا أنظر إلى التراث كواقع منفصل عنا، وإنما كعناصر متشربة في وعينا وثقافتنا وفكرنا الجماعي القائم، لكنها قابلة للتجاوز أيضا في كل حقبة. وإذا شعرنا ان هناك قطيعة بيننا وبين التراث، فلأننا لم ننجح في ترتيب عناصر هذا الوعي الاجتماعي التاريخي ذاته. فلا ينبع ذلك من نقص التراث أو ضعفه أو سوئه وإنما من فشل وعينا الراهن في أن يوحد عناصر هذا التراث/الثقافة الممتدة عبر التاريخ، وخلطه المستمر بين أولوياتنا وأهدافنا والتي لا يملك غيره مفاتيح تأويل الماضي والحاضر على ضوئها.

وهذا يعني اننا لا يمكن ان نعيش في التراث من دون ان نحكم على أنفسنا بالموت في الحاضر، كما أننا لا يمكن ان نتخلى عن التراث من دون ان نشوه ذاتنا. وإذا قطعنا نفسنا عنه اعتقادا باننا نتحرر بذلك منه فهو لن يقطع نفسه عنا ولن يحررنا وإنما سوف يظل يلاحقنا. لقد قام كمال اتاتورك، في رد فعل قوي ضد انحطاط ثقافة السلطنة القرسطوية العثمانية، بأكبر عملية قطع لأمة عن تراثها وتاريخها، وأعني هنا الأمة التركية، فغير الابجدية العربية الى اللاتينية وأعلن الجمهورية بدل الخلافة، وبنى قومية علمانية متشددة، وأنشأ نخبة شبه أوروبية. وهذا ما كان محمد علي قد حاوله في مصر في القرن التاسع عشر لكن من دون التشدد الأتاتوركي، وما عملته النظم الشيوعية في أكثر من قطر بتشدد اكبر. لكن النتيجة كانت أزمة هوية دفينة وأزمة ثقافية وأخلاقية شاملة ما لبثت أن عبرت عن نفسها بصورة انتقامية، فعادت الامة الروسية إلى الكنيسة الارثوذكسية وتركيا الى الاردوغانية ومصر والاقطار العربية التي شهدت تفتح افكار النهضة في القرن التاسع عشر الى موجة الحركات الإسلامية.

باختصار، التراث جزء حي فينا إما ان نستوعبه في صيغة وعينا الجديد ونتجاوزه بوعي او انه يستوعبنا ويخنقنا. والاعتقاد بأن هناك مخرج بالقطع مع التراث يساوي الاعتقاد بأن قطع جذور الشجرة يغير من نوع الثمار التي تنتجها أو يترك المجال لظهور شجرة أفضل منها، بدل تطعيمها وتلقيحها.

وبعكس ما يوحي به منطق التفكير الآلي او الميكانيكي نحن لا نستعيد الماضي لما كان يمثله وانما نعيد اختراعه وانتاجه في واقعنا لتلبية حاجات جديدة ومختلفة، ونشحنه بمعاني ودلالات تعبر عن ظرفنا التاريخي وغاياتنا. ولا يصبح هذا الماضي عثرة امام فهمنا واقعنا الا عندما نستخدمه بديلا للتفكير الحي في هذا الواقع، ولغة جاهزة لمواجهة الصعوبات التي تعترضنا ويفشل وعينا وثقافتنا في فك رموزها ومواجهتها بوسائل عقلانية . في هذه الحالة لن يصبح التراث او عناصره المنفلتة من أي وعي جامع وحي عثرة امام تفاعلنا مع الواقع الراهن فحسب وإنما أكثر من ذلك  يتحول التراث نفسه في وعينا وأسلوب تعاملنا معه إلى صنم مقدس وموضع عبادة، بمقدار ما يزداد عجزنا عن انتاج الوعي الجديد والحي بتحديات الوجود الراهن.

وما من شك في أن انتاج هذا الوعي المطابق للواقع والمتفاعل معه لا يتوقف على نوعية التراث وإنما هو منفصل عنه. فهو الذي يعيد وضع التراث في مكانه ويتحكم به بدل ان يصبح عبدا له. وهذا يعني ان تخلفنا الثقافي ليس ثمرة ميكانيكية لتخلف التراث الذي هو ثقافة الأجداد وسجل أفعالهم، وإنما لتخلف ثقافتنا الراهنة التي تنتج الوعي الجماعي المتأخر والمتناقض والمشوش والعاجز والباحث عن ضمانة أو وصاية يستند إليها من الماضي أو الخارج العالمي والغربي اليوم.

وإذا أردنا ان نفهم هذا التخلف الثقافي يكفي أن نمعن النظر في حجم استثمارات دولنا في الثقافة بالمعنى الحقيقي للكلمة وفي جميع فروعها ومقارنتها بسلوك الدول الأخرى، الأوروبية مثلا منذ خمسة قرون أو أكثر، وتمويلها لثورة حقيقية في الفلسفة والعلوم والأداب والفنون. إن أكثر ما يلفت النظر في مجتمعاتنا العربية اليوم هو ضعف الاستثمار الى حد العدم في الثقافة وفي البحث العلمي وفي تشجيع الإنتاج الثقافي والفني. بمعنى آخر غياب المدنية أو ضعف التمدن ليس وراثة أو استمرار لإرث همجي وإنما هو صناعة تاريخية تقوم بها النظم والنخب الممسكة بالسلطة والثروة، وهي صناعة مستمرة يوما بيوم. ولسنا متخلفين اليوم لأن اجدادنا كانوا بدائيين أو لانهم لم يتركوا لنا تراثا عقليا أو فنيا او دينيا مهما، بل ربما كان العكس هو الصحيح. صناعة النخب السائدة للمجتمع الهمجي الذي نحن أبناءه اليوم، بسبب احتقارها للثقافة وإطاحتها بالعقل الفكر، ورهانها على منطق القوة والاخضاع والترويع والتطويع للفرد، هذه الصناعة/السياسة هي التي جعلت الماضي منارتنا الأعلى ورصيدنا الثقافي شبه الوحيد الذي يعتد به حتى الآن. وما يطبع من كتب التراث اليوم يفوق أضعاف ما يطبع في مطابعنا من كتب البحث والتفكير والتأمل في الحياة الحاضرة وفي شؤون عصرنا وحضارتنا. نحن أقل امة تقرأ وتنشر وتناقش وتناظر وتبدع وتفكر. هنا تكمن العلة الحقيقية لتأخرنا الايديولوجي والثقافي والفني والسياسي واعتمادنا العقلي والفكري والعاطفي على التراث وتحنيط هذا التراث أيضا.

س –   إلى أي حد يمكن استعادة التراث المعتزلي العقلاني لمعالجة مشاكل العالم الإسلامي حاليا؟

 ج: التراث المعتزلي كنصوص ومواقف فكرية عرفتنا بها كتب التاريخ هي من بقايا التاريخ ومن آثار الصراعات الفكرية الماضية. وكانت تعكس انشغالات مجتمع او جماعات لم تعد لنا علاقة كبيرة بها، بل لم نعد نستطيع استعادتها. وإذا أردنا ان نتمثل من خلال هذا التراث القديم المتجاوز قيم التفكير العقلاني بالمعنى الحديث أو نتخذه مدخلا اليها فسوف نخطئ الطريق تماما. ولا أرى أي فائدة من العودة الى اشكالياته العقدية واعتبارها مدخلا لولوج الفكر النقدي والعقلاني الحديث. ولا أرى اليوم أي قيمة فلسفية او أخلاقية أو سياسية للعودة الى النقاش في مسألة خلق القرآن لنبني عليها وعينا العقلاني الجديد للدين ومكانته في مجتمعاتنا الحديثة. بالعكس سيدفعنا ذلك الى المزيد من التخبط والتشوش الفكري ويحول بيننا وفهم منهج التفكير النقدي الحديث الذي أصبح يستند إلى مناهج البحث والتجربة والملاحظة والاختبار ويتعامل مع معارف نسبية غير عقدية وغير يقينية بالضرورة، خاضعة دائما للمراجعة والنقد والتصحيح، بعيدة كل البعد عن الأفكار المقدسة أو عن تقديس العقائد. فعقيدة خلق القرآن لا تختلف في جوهر مطالبها ومنهج الدفاع عنها عن عقيدة قدم القرآن التي وقفت في وجهها. كلاهما عقيدة دينية أي ايمانية لا تمت بصلة للعلم وللمعارف العلمية بالمعنى المتعارف عليه اليوم. ومحرك البحث فيهما علم الكلام الذي لم نعد نعتمده اليوم نحن أنفسنا وأقصد المفكرين بالشؤون الدينية عندنا، حتى في فهم الدين. 

س – ما هي عوامل فشل وتراجع العقلانية في الفكر العربي : المنطق ، الفلسفة، أمام هيمنة العلوم النقلية والتصوف؟

ج: لا أعتقد ان هناك تراجعا في موقف او موقع التفكير العقلاني اليوم في المجتمعات العربية، بالنسبة لمنتجي الفكر الحقيقيين، وهم قلة على اية حال. فلم يكن النقد العقلي للتراث الديني والمدني، ولا محاولات البحث في تحديث الفكر العربي أقوى، في أي وقت، مما هما عليه في زمننا الحاضر. أما ما يبدو من غلبة الأجواء الدينية في وسط الجمهور الشعبي الواسع، وتأثر الخطاب السياسي لجزء من النخب الثقافية والسياسية بالفقه الإسلامي فليس له علاقة بتطور الفكر بما في ذلك الفكر الديني وإنما هو ذو علاقة مباشرة بالسياسة. تستخدم الأفكار الدينية هنا بل يعاد تأويلها ليس من أجل مضمونها الديني او التدقيق في صحة العقيدة الايمانية وإنما كأيديولوجية لصوغ مصدر شرعية لسلطة بديلة أو مناوئة للسلطة القائمة أو المنافسة. إنه توظيف براغماتي وأكاد أقول عقلاني بل شديد العقلانية والاداتية للارث الديني. ولا يعكس ابدا سيطرة الدين ولكنه يعكس سيطرة السياسة في الوقت نفسه الذي يشير فيه إلى انسداد طريق التعبير الصافي والنقي عنها او غياب وتغييب شروط ممارستها بفعل الاستبداد وفرض الأمر الواقع وربط السلطة بالقوة المادية المحض وترويع السكان. تغييب العقل ظاهرة لا تنفصل عن السلطة القائمة على الترويع والارهاب. 

س –   لننتقل إلى موضوع الحداثة وإشكالياتها في حوارنا. يلاحظ في عالمنا العربي أن الحداثة شملت هياكل الدولة ولم تشمل المجتمع وبنياته بشكل واضح. لماذا في نظرك؟

ج: بالعكس تماما للأسف. لقد شملت المجتمع الذي يتطلع اليوم مثل جميع مجتمعات العالم الى السعادة الأرضية والرفاه والأمن وفرص العمل المجزي والعدالة بمعنى المساواة في الحقوق والواجبات، والاحترام المتساوي لحكم القانون الواحد، وليس كما كان الحال في الماضي حيث كان العدل يعني مراعاة المقامات المتفاوتة للجماعات والطبقات وعدم المساواة بين السيد والعبد، والزوجة والأمة أو الجارية، والفقير والغني، ولا ينفصل عن الطاعة الموجبة لأولي الأمر. أما من بقي خارج الحداثة وفي عداء دموي لها فهي النخبة والدولة ذاتها، لا في مظهرها الشكلي وهياكلها الخارجية التي تشبه من بعيد الدول الحديثة وتتشبه بها وإنما في جوهر منطق السلطة التي تحركها وتنظم علاقاتها بالأفراد وممارساتها الاجتماعية. وفي اعتقادي ليس هناك اكثر تخلفا ورثاثة وافتقارا للحداثة وقيمها الإنسانية من بنية السلطة الراهنة في المجتمعات العربية التي يتحكم فيها حكام مطلقو الصلاحية، ويديرونها بطريقة لا تختلف كثيرا عن إدارة إقطاعيي القرون الوسطى في أوروبا لمزارعهم او اقطاعاتهم الشخصية، بما تعنيه من سيطرة مطلقة وامتلاك الأرض ومن عليها بل روح الأفراد وحقهم في الحياة، من دون أدنى احترام لكرامة الانسان او حقوقه أو أمنه أو وجوده. وهذا هو السبب الأكبر لما تعيشه اليوم مجتمعات العرب من أزمة بل من انهيارات متعددة الابعاد والمستويات.

 س –   يميز الأستاذ غليون بين ثلاثة تصورات لمفهوم الأمة: الأمة بوصفها معادلا للدولة، والأمة بما هي جماعة يربطها التاريخ المشترك والشعور، والأمة، بالمفهوم الحديث، بما هي جماعة من الأعضاء يجسّدون إرادتهم السياسية في شكل معين من الحكم يتوافقون عليه. إلى أي حد يمكن القول إن الدولة العربية أخفقت في بناء الأمة، بالمفهوم الثالث؟

ج: المقصود ان الناس يستخدمون مصطلح الدولة حسب ثلاثة دلالات. وفي الاستخدام الشائع اليوم في اللغة السياسية الأمة والدولة شيء واحد، لكن بوجهين أو أقنومين: المؤسسات والفاعل الحي اي المواطن. للأسف، كما ذكرت في كتابي “المحنة العربية، الدولة ضد الأمة”، لعبت الدولة/الغنيمة أو المزرعة دورا كبيرا في الحيلولة دون نشوء الأمة وليس العكس. فالمزرعة لا تنشيء مواطنين وإنما تحتاج إلى أقنان خاضعين لا حقوق لهم ولا اعتبار. 

س –   في كتابك، المحنة العربية: الدولة ضد الأمة، ذكرت أن جذور الأزمة الحقيقية التي تعصف بالمجتمع العربي إنما تكمن في أنموذج الحداثة العربية نفسها، والتي وصفتها ب”الحداثة المسخ”، بحيث تُعد الدولة “الوطنية” إحدى تجلياتها الممسوخة. هل يعني ذلك أن الدولة إنما تنظر إلى عقيدة التقدم التاريخية من خلال ربطها بأجهزة الدولة القمعية والرقابية عوض رؤيتها بالمؤسسات المدنية كالمستشفيات والمدارس؟

ج: الدولة الحديثة هي محرك التقدم الرئيس في المجتمعات المعاصرة بما تملكه من سيطرة على الموارد المادية والسياسية والثقافية والقدرة على مركزتها وإعادة توزيعها ونشرها، وبث الاتساق والوحدة السياسية داخل المجتمعات التي تقسمها الروابط والعصبيات والمصالح الخصوصية. لكن بمقدار ما تملك مثل هذه القدرة يمكن للدولة ان تتحول أيضا إلى أكبر أداة لتفكيك المجتمعات وتدميرها وأن تصبح كالوحش الكاسر إذا سقطت في يد طغمة تتصرف فيها كعصابة خاصة، وتحولها إلى دولة مدرعة أو درع لها. وهذه الدولة التي سميت بالأصل “وطنية” ليس فيها من الوطنية، أي التعبير عن إرادة شعبها، أي شيء.

 س –   يتحدث كثيرا عن ما بعد الحداثة، هل استوعبنا فعلا الحداثة لنمر إلى ما بعد الحداثة؟

ج: مصطلح ما بعد الحداثة صيغ من أجل التعبير عن تلك الظواهر التي تعكس من بين أشياء أخرى، تراجع فعالية مفاهيم ومؤسسات الدولة الحديثة الامة، وتضامن أفرادها، وانتظام مسارها السياسي والتاريخي حسب الخط الذي كان مرسوما لها في الفكر السياسي الكلاسيكي. وينطبق الامر ذاته على المجتمع الحديث ومؤسساته المدنية ونمط تفكيره وعاداته، وتطلعاته، ومن ثم بروز ممارسات واتجاهات وسلوكات وأفكار مناقضة أو مخالفة لتلك التي كانت تعتبر من سمات الحداثة الكلاسيكية أو الصحيحة. وقد عبر بعض الفلاسفة عن ذلك بالإشارة إلى تراجع أثر السرديات الكبرى، المرتبطة بالايديولوجيات الكلاسيكية أيضا كالقومية والشيوعية والنزعة الإنسانية، لصالح السرديات الخاصة والجزئية وبروز دور الفرد وحياته وسيرته مقابل الجماعة. كما يشير المصطلح إلى تراجع اثر القيم والقضايا الكبرى التي ارتبطت بعصر الحداثة والانكفاء على الذات، وسيطرة وتيرة الزمن القصير والهشاشة والهامشية كمواقع تحمل ربما قيمة خاصة. لكن ما بعد الحداثة ليست مطلبا أو غاية لأي فلسفة او أيديولوجية. هناك من يؤكد وجودها كظاهرة وهناك من ينكره ويرى فيما يحصل من تبدلات في سلوك الافراد وتراجع مكانة القيم الكلاسيكية تعبيرا عن ازمة الحداثة ذاتها. وعلى العموم العالم يغلي بالأفكار، وهذا شيء طبيعي وايجابي. ولا يعني ذلك ان كل ما يقال ويكتب يعبر عن وقائع واضحة المعالم وثابتة او يترجم حالات مستقرة ونهائية. الواقع العالمي والاجتماعي في تغير مستمر وعلى المفكرين ان يتابعوا حركته ويصوغوا مفاهيم واشكاليات تستوعب هذه التغيرات. وهي مفاهيم واشكاليات متغيرة وقد تكون ذات حياة قصيرة جدا. لكن الفكر لا يكف عن التساؤل وطلب اللحاق بالواقع وتلمس الجديد.    

س –   في رأيك هل يمكننا أن نعيش في حيواتنا بشخصية حداثية وبشخصية تنهل من التراث الإسلامي؟

 ج: بالأحرى نحن لانستطيع ان نعيش ونستمر من دون ذلك، على شرط ان نفهم التراث كإرث حي ومتجدد كما هي اللغة متجددة ولا نفهمه كعقائد وأفكار وعادات محنطة ومتحجرة لا تنطق.

 س –   هل يمكننا أن نتقدم  بالفصل بين التراث والحداثة  في حياتنا؟ أم أن الدين وطقوسه تبقى منفصلة عن الحياة العامة بين الأفراد والجماعات؟ بمعنى هل يجب علينا أن نتبع النموذج الغربي في نظرته إلى الإنسان والتاريخ والعالم؟ أم أن باب الاجتهاد مفتوح في هذا الأمر وخير مثال على ذلك التجربة اليابانية وتجارب الدول الصاعدة؟ 

ج: لا يوجد جانب في الحياة الاجتماعية منفصل عن الجوانب الأخرى وإلا فنحن في حالة فصام أو على الأقل عدم انسجام. والمهم أن نعرف عن أي تراث وأي حداثة نتحدث. والواقع ان من يعيش الحداثة لا يطرح مشكلة التراث، لأنه يكون قد استوعبه ووضعه في مكانه الصحيح. والذي يطرح مشكلة التراث ويحوله إلى مشكلة هو تعثر الحداثة أو أزمتها التاريخية كما هو عليه الحال في مجتمعاتنا التي قطعت مع الماضي وقيمه ولم تنجح في الربط مع الحاضر وقيمه أيضا. وفيما يتعلق بالإسلام لا أعتقد أنه يمكن ان يكون أو يظل، مثل أي عقيدة أخرى، حتى العقائد العلمانية مثل الماركسية، أحادي التفسير طالما بقي حيا يغذي عقول الناس ومخيلتهم وضميرهم، ويعيش بينهم لا قطعة أثرية في متحف. ثم إن الإسلام، في مجتمعاتنا التي لا تملك للحداثة، بسبب بؤس أنظمتنا ودولنا، أي سردية ايجابية حية، ليس مجرد إيمان وعقيدة دينية فحسب، ولكنه أيضا ثقافة حية تتجاوز الدين، وتلهم وتوجه الافراد، من المؤمنين وغير المؤمنين، بل من المسلمين أوغير المسلمين في تكوين مواقفهم ومشاعرهم ومرجعيتهم الفكرية والأخلاقية، ويعمل كمستودع رموز ومعاني وقيم وذاكرة ومخيلة تساعدهم على التواصل فيما بينهم، مثل ما هو أيضا تاريخ، وفن وعمار وأيضا رباط أو ارتباط جماعي يعوض عن فشل أو ضعف الانتماء القومي.

لقد أصبح الاسلام، مع انعدام الاستثمار في الثقافة الحديثة ونشر قيمها وممارستها، ثقافة بحد ذاتها او الثقافة الشعبية السائدة. ولا يستطيع احد، حتى غير المؤمن بعقيدة الاسلام الدينية، ان ينخلع عن ثقافت/ه أعني الثقافة الاسلامية أو الاسلام من حيث هو ثقافة. لكن بقاءه مرجعية ثقافية في العديد من مجالات الحياة الاجتماعية لا يعني كما يعتقد الكثير من المثقفين الحداثيين اليوم لسوء الحظ أنه هو المسؤول عن إغلاق المجال أمام دخول قيم العصر والتأثر بها.  بالعكس إن التشبث به غالبا ما يكون لدرء الفراغ وخطر الانزلاق نحو الوحشية بسبب نقص الاندراج في المدنية الحديثة وقصور النظام الاجتماعي القائم عن ضمان تعميمها ثقافة وممارسة. إن التطلع الى قيم العصر وفي مقدمها الحرية والعدالة والمساواة الإنسانية التي أصبحت شرط الوجود ورمز السيادة والكرامة لأي إنسان اليوم في جميع اقطار العالم واليأس، في الوقت نفسه، من الحصول عليها، هو الذي يدفع الى إعادة إحياء الثقافة “التاريخية” أو التراث وتوظيفها أو تجنيدها في الصراع من اجل التشبه بهذه القيم العصرية ذاتها.

س –  المعروف أن الأستاذ غليون يميز في مؤلفاته النظرية بين ” نقد الثقافة ونقد السياسة ونقد المجتمع ونقد العولمة ونظام الهيمنة الدولية”،  حيث لم يقتصر على ربط مصير المجتمعات بماهية ثقافية ثابتة أو بنظم وتقاليد جامدة، بل من خلال ثلاثة عوامل ترى فيها بأنه يستحيل أن يكون مصير المجتمعات بماهية ثقافية ثابتة أو بنظم وتقاليد جامدة. وفي مقابل ذلك،  نجد إدوارد سعيد في كتابه الثقافة والإمبريالية، يعطي تمييزا لمفهوم الثقافة كما يتعاطى معه، أحد هذين التمييزين، أن الثقافة، بالمفهوم العصيّ على الإدراك، هي مخزون كل مجتمع من أفضل ما تحققت المعرفة به، والتفكير فيه.  أي أن الثقافة هنا هي ما تمنح الجماعة فرادتها وتميزها. ألا يمكن من خلال هذا المفهوم أن نُقيم رابطا بين التراث الثقافي والسلطة السياسية؟

ج: كما ذكرت لا يوجد تراث ثقافي قائم بذاته ومستقل وجامد لا يتغير. هذا احد أوهام بعض التيارات الفكرية الدينية والثقافوية. ولا يوجد تراث ثقافي أيضا ذو بعد واحد. كل تراث هو ثقافة كاملة، يمكن ان يجد فيه كل انسان، ما يستجيب لحاجاته، السياسي المحافظ والرافض للحرية والديمقراطي المكافح من أجل المساواة في المواطنية، والمحتاج لاستخدام العنف للتعبير عن احتجاجه واحباطه والميال الى السلام والسكينة والتسليم بوضعه والاستكانة للأمر الواقع. ومن اكبر الأخطاء في فهم إشكالية التراث والحداثة التي شغلت مفكرينا في الحقبة السابقة تحنيط التراث وفرض تأويل أحادي له والنظر اليه كماهية ثابتة وجامدة موروثة في مقابل ماهية ثابتة ومحنطة وجاهزة وكاملة نسميها الحداثة او المعاصرة.

س –   يتميز إدوارد سعيد بنزعته الأنسنية التي تمارس النقد على الأنسنية الأوروبية بالمفهوم نفسه، وذلك ما اصطلح عليه في آخر مؤلفاته ب” النقد الديمقراطي”، في هذا الإطار، أين يمكن وضع التراث الثقافي للشعوب؟ 

ج: ما سعى اليه ادوارد سعيد هو نقد المركزية الأوروبية التي لا ترى الثقافات والمجتمعات الأخرى إلا بدلالة ثقافتها هي ولا تعرف الانفتاح الحقيقي على الآخر. إشكالية سعيد هي بالدرجة الأولى العلاقة مع الآخر ومحاولة فهم هذه “الأخروية” كيف تعمل وكيف تتكون. أي كيف صنع الغربي العربي كآخر، ويمكن لنا ان نقلب المسألة فنفكر في كيف نصنع نحن ايضا من الغرب آخر ونتجاهل أضفاء صفة الأخر على بقية الشعوب الأسيوية والأفريقية بل ربما لا نليها اهتماما ولا يكاد يعنينا الحديث عنها او التفكير بتاريخها. ومثال ادوارد سعيد دليل على ان الثقافة ليست تراثا، وان مثقفا عبقريا، واستثنائيا في استيعابه ثقافة الغرب، لم ينس مع ذلك انتماءه العربي والفلسطيني، وعاد لتعلم العربية من جديد من اجل ان يعبر عن مقاومته نزعة المركزية والامبريالية الثقافية الغربية. هذا أفضل مثال على العلاقات المعقدة بين الثقافات في عالم مفتوح على الصراعات جميعا. 

 س –  في رأيك ما الدور الذي يمكن أن يطلع به التراث الإسلامي في بناء الدولة الحديثة؟

ج: بناء الدولة الحديثة لا يحتاج بالتعريف إلى تراث الدولة القديمة السلطانية او الامبرطورية. لكن التراث الحي أي المجسد في ثقافة الشعب يلعب دوره على مستوى المجتمع والعلاقات الاجتماعية ومستوى القيم والأخلاق العامة. لكن مهما كانت طبيعة التراث والثقافة لدى شعب ما، يحتاج بناء الدول إلى شروط سياسية وجيوسياسية وأفكار ونظريات يطورها البشر في صراعهم من اجل ترسيخ أسس الدولة وحكم القانون ونظام العدالة وشروط ضمان السيادة والأمن واستقلال القرار. وهذا يحدد طبيعة الدولة التي يريد الناس اقامتها باستخدام ما يتوفر لهم من الرصيد الاستراتيجي والسياسي والثقافي القديم والجديد. 

س –   الأستاذ  برهان غليون  كما نعرف فإنك عشت مدة بفرنسا منذ عام ١٩٧٨، حيث عملت مستشارا في المنظمة الدولية للتربية والعلوم والثقافة اليونسكو، وتعاونت مع العديد من مراكز البحث العالمية والعربية،  قبل أن تبدأ في عام ١٩٩٠ مسيرتك الجامعية كمدرس  ومدير للأبحاث في جامعة السوربون الجديدة، ثم شغلت كرسي أستاذ الاجتماع السياسي في الجامعة نفسها منذ عام ١٩٩٦ حيث أدرت مركز دراسات الشرق المعاصر التابع لها. بالموازاة مع ذلك أقمت مدة في تركيا ولك اطلاع واسع على حياة العالمين الغربي والشرقي . في نظرك ما الذي ينقصنا للحاق بركاب الآخر المتقدم علينا، سواء الأمريكي أو الأوربي أو الآسيوي؟ ولو كنت مسؤولا في سورية أو دولة عربية أخرى فما أهم ما ستقوم به لتغيير البنية الاجتماعية الاقتصادية والفكرية؟

ج: ما ينقصنا هو طبقة سياسية ونخبة اجتماعية مثقفة قليلا، أي على درجة من الوعي والقدرة على التفكير السياسي والأخلاقي الذي يمكنها من تجاوز منطق النهب ومراكمة المليارات في المصارف الأجنبية والتعلق بالمتع البدائية: متع البطن والجنس والإثراء الفاحش، ويسمح لها بالتفكير بشعبها ومجتمعها، والعمل على تأمين مستقبل بلدانها، أي نخبة تعي معنى القضية العامة لا المصالح الشخصية فحسب، وطبقة سياسية واجتماعية تتمتع بالحد الأدنى من الشجاعة والإرادة والاستقلال في الرأي والضمير الحي، وقادرة على السمو قليلا بنفسها والتخلي عن جزء من امتيازاتها لتضمن لشعبها شروط الحياة الكريمة والأمن والاستقرار والأمل. ما عدا ذلك تفاصيل صغيرة.

حوار د. أنس الفيلالي

المصدر: موقع د. برهان غليون

اترك رد