الضامن الروسي .. خلط الأوراق في الملف السوري

في الملف السوري، حاولت روسيا مراراً لعب دور الضامن لجميع الأطراف اللاعبة في الملف السوري، ويبدو أن الاتفاق التركي- الروسي الذي كان في ظاهره عنواناً للعلاقات الروسية -التركية، بعد قطيعةٍ دامت أعواماً، فيما كانت تلك المرحلة في الواقع هي عنوان لمرحلة جديدة للعلاقات الإسرائيلية- التركية، التي ساءت كثيراً لدرجة خفض التمثيل الديبلوماسي، والذي بلغ ذروته عام 2010 مع أحداث باخرة مرمرة، فجاءت المصالحة الروسية- التركية في سلة واحدة مع عودة السفير الإسرائيلي إلى أنقرة، والصفقات التي عقدت في سوريا، وأدّت إلى سيطرة النظام السوري على معظم المناطق الخارجة عن سيطرته، مع إنشاء قواعد عسكرية روسية في مناطق النظام، وأخرى تركية في المناطق الخارجة عن سيطرته.

لعبة محور أستانة، جاءت في مرحلة لاحقة، لتلعب روسيا دور الضامن نفسه، لإيران ، التي لم تعد قادرة على الاستغناء عن الأخيرة بعيد التصعيد الدولي، والعقوبات الدولية لها بسبب برنامجها النووي، ومحاصرتها اقتصادياً، بالتوازي مع تورّطها في معارك متفرقة في مختلف أنحاء العالم، أدّت إلى استنزافها، فضلاً عن الدور السعودي في مضاعفة خساراتها، بسبب تحطيم أسعار النفط العالمية، مع وصول الملك سلمان بن عبد العزيز إلى سدّة الحكم، وهو ما جعلها غير قادرةٍ على الاستغناء عن هذا التحالف مع روسيا.

وسط هذه المؤشّرات يبدو من المنطقي التساؤل حول حقيقة الدور الروسي في المياه الدافئة، وطبيعة الجهة التي تمثل ضامناً لها، فالتحالف مع إيران في أستانة، كان له دور كبير في تقدّم النظام في مناطق الشمال السوري، وهو ما بدا واضحاً وجلياً في طبيعة المعارك التي حصلت في إدلب، خلال الشتاء الماضي، والرسائل الطائفية التي وجهها النظام السوري من سراقب ومعرة النعمان، بالمقابل، يبدو واضحاً أنّ التحالف الروسي- الإسرائيلي بدا أمتن وأقوى من نظيره الأستاني في الجنوب السوري، أو حين يتعلّق الأمر بإسرائيل، حيث لم تحرّك القواعد العسكرية الروسية ساكناً أمام الهجمات المتكرّرة على المواقع الإيرانية في سوريا.

ولم تخفِ وسائل الإعلام والمراكز البحثية حيرتها، أمام عدم استخدام روسيا لصواريخها، وقواتها الجوية من أجل الدفاع عن مواقع النظام السوري، والمنشآت العسكرية الإيرانية في سوريا، أمام الهجمات الإسرائيلية والاستهدافات المتكرّرة من قبلها.

الجنوب السوري.. معارك طاحنة لإقصاء إيران
منذ أعلن عن حلّ ميليشيا البستان، ذراع الحزب السوري القومي الاجتماعي العسكرية في مناطق الجنوب السوري، والتي كان يموّلها رجل الأعمال المعاقب دولياً “رامي مخلوف”، دخل الجنوب السوري دوامة عنف لا تنتهي، تجلّت ملامحها في عمليات الخطف اوالتصفيات المتبادلة، التي يحاول النظام توصيفها بالأهلية والطائفية، استناداً إلى الهوية الطائفية لسكان محافظتي درعا والسويداء، إلا أنها في الواقع ناجمة عن تصفية الحسابات بين الفرقة الرابعة المدعومة من قبل إيران، والفيلق الخامس الذي أنشأته روسيا في المنطقة.

الشرطة العسكرية الروسية

هوية مقاتلي الطرفين تؤكّد أن روسيا، من خلال إنشائها فيلقاً خامساً يأتمر بأمرها، ومحاولاتها الحثيثة لإبرام اتفاق مصالحة مشابه مع أهالي السويداء، من خلال محاولات استمالة المرجعيات الدينية في المحافظة.

ففي منتصف شهر كانون الأول/ ديسمبر المنصرم، التقى وفد عسكري روسي قادم من دمشق، بوجهاء اجتماعيين وقادة أمنيين وعرض عليهم رغبته بإجراء (تسوية) للشبان المتخلفين عن أداء الخدمة الإلزامية في صفوف جيش النظام السوري.

وأشارت مصادر المنطقة وقتها،أنّ زيارة الوفد الروسي إلى السويداء تأتي على وقع أنباء تتحدث عن مساعٍ جديدة لتشكيل لواء مقاتل يتبع لتشكيل الفيلق الخامس الذي شُكل في درعا، وهو مشروع جرى رفضه في السويداء منذ نهاية خريف عام 2018.

تزامن ذلك مع تصريحات متواترة لعدة جهات عسكرية، بأنّ إسرائيل لن تسمح لإيران بالتموضع على مقربة من حدودها، ويبدو أنّ روسيا هي الضامن لتنفيذ وعود إسرائيل باللجوء إلى القوة الناعمة، بدلاً من القوة العسكرية.

نقطة روسية في معقل الميليشيات الإيرانية
شهد اواخر العام المنصرم، تطوّراً من نوع جديد، حيث أفتتحت القوات الروسية أول مقر لها في مدينة البوكمال بريف دير الزور الشرقي على الحدود مع العراق، في منتصف شهر ديسمبر/ كانون الأول المنصرم، وتمركزت القوات في مبنى الفندق السياحي وسط مدينة البوكمال.

بالتوازي مع هذه الخطوة، سجّل تصعيد إسرائيلي ملحوظ على مواقع هذه الميليشيات في دير الزور، سيما وأنّ هذه المحاولات جاءت بعد محاولات عدة لاقت رفضاً كبيراً من قبل الميليشيات الإيرانية التي تسيطر على المدينة، وتزامن ذلك مع تصريحات لمصادر موالية لدمشق، قالت إن أجهزة أمن النظام السوري، اقتحمت موقعاً لميليشيات إيرانية في دير الزور واعتقلت عدداً منهم.

وتتزامن هذه التحركات مع تصريحات لمتزعم ميليشيا حزب الله اللبناني “حسن نصر الله”، حول دور إيران في إقناع روسيا بالانخراط في الملف السوري، وأنّ قائد “فيلق القدس” في “الحرس الثوري الإيراني”، قاسم سليماني، اجتمع مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لمناقشة التدخل الروسي العسكري في سوريا.

بوادر حرب في الجنوب السوري
بدأت الصحافة الروسية تتحدّث عن بوادر حرب بين إيران وإسرائيل على أراضي الجنوب السوري، ولكن اللافت في الأمر أن التصريحات لم تشر إلى دور النظام السوري في هذه الحرب التي تجري على أرضه، سيما وأن مسؤولين إسرائيليين كانوا قد صرّحوا في وقت سابق بعدم خطورة النظام السوري بمعزل عن إيران، وهو ما تسعى روسيا لتكريسه من خلال إزاحة الميليشيات الإيرانية عن الحدود الجنوبية السورية.

حيث قالت صحيفة “نيزافيسيمايا غازيتا” الروسية أن “سيناريو تحول الجنوب السوري إلى ساحة حرب يغدو أقرب إلى التنفيذ خلال عام 2021”. ولفتت إلى أن هذه ستكون “الحرب الإسرائيلية الأولى في مناطق الشمال”، في إشارة إلى الحدود الشمالية للدولة العبرية، مضيفة أن إسرائيل بدأت بالفعل استعدادات واسعة لهذا السيناريو.

جاء تحليل الصحيفة الروسية، استناداً إلى تقرير أصدره معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب، اشتمل على تقييم التهديدات الرئيسية في العام الجديد. وقالت إن التقرير الإسرائيلي لم يقتصر على التوصية بالاستعداد جيداً لمثل هذا التطور، لكنه لفت أيضاً إلى أن القوات الموالية لإيران، وفقاً لمعطيات متوافرة، باتت قادرة على زيادة دقة ضرباتها على المواقع الإسرائيلية بشكل كبير.

هذه التصريحات تفتح الباب واسعاً على حقيقة الجهة التي يضمنها الجانب الروسي، وما إذا كانت روسيا جاهزة لصفقة مع الجانب الإيراني، وإزاحة إسرائيل، بعد تبدّل المعطيات بقدوم بايدن إلى السلطة، والحديث عن العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، ما يعني رفع العقوبات الاقتصادية عن الأرصدة الإيرانية المجمّدة، وهو ما عوّلت عليه روسيا طويلاً، في وقت خرجت ابنة الرئيس الأسبق رفسنجاني لتفصح عن المبالغ التي تكبّدتها إيران، في حروبها التي موّلتها على حساب قوت شعبها!

ليفانت- نور مارتيني

اترك رد