فوضى الوباء وفوضى اللقاح

عبد الوهاب بدر خان

ما كان ممكناً أن تسلم إدارة أزمة وباء “كوفيد 19” في لبنان من الفوضى العارمة في كل مجالات إدارة البلد، اقتصادياً ومالياً وخدماتياً، لأن العقل السياسي لمنظومة الحكم بات معطوباً. في الشهور الأولى لتفشّي الفيروس بدا أن هناك سيطرة على الوضع، سواء لأن الاستجابة للإغلاق كانت أفضل أو لأن عدد الإصابات لم يشكّل تهديداً مقلقاً لقدرات النظام الصحّي، الذي تعرّض أيضاً لتجربة مريرة في انفجار المرفأ وتبعاته. لكن أعضاء اللجنة المتابعة لتطوّرات الوباء لم يتوقّفوا عن التحذير من الموجات الفيروسية الآتية، وحين حلّت فعلاً تبيّن أنه لم تُبذل في الشهور الماضية أي جهود اضافية للاستعداد لها، وانعكس ذلك في قصور المستشفيات وعددٍ محدود للأسرة ونقصٍ في التجهيزات، على رغم التأكيد بأن ثمة مساعدة من البنك الدولي للقطاع الصحّي.
عندما يلامس عدد الإصابات الخمسة آلاف يومياً وعدد الوفيات العشرين يومياً يكون لبنان أمام تكرار لمأساة المرفأ بضحاياها وبوتيرة اسبوعية، من دون دمار وتشريد لكن بخسائر تنال من حاضر مئات العائلات ومستقبلها. كانت هناك شكوك ولا تزال في جدّية الفحوص الأولية الكاشفة، وفي نجاعة المعالجة، بل ازدادت مع الاجتياح الأخير والمتوقّع للفيروس، فلا ينجو إلا من كانت اصابته خفيفة، أما المصاب الذي يعاني من أمراض أخرى فتتضاءل الآمال بإنقاذه. بلدان كثيرة عرفت الظواهر نفسها لكن سلطاتها حاولت المستحيل لإبعاد الذلّ عن مواطنيها. ما ان ظهرت بوادر اللقاحات حتى اهتمّت الحكومات وتنافست للحصول عليها، ومع أن حكومة لبنان تعاملت مع هذا الاستحقاق إلا أنها تأخّرت، ولو لم يتفاقم الوضع لبقيت تنتظر، من دون أن يكون واضحاً ما الذي تنتظره، أهو فتوى من الوليّ الفقيه تحدّد اللقاح المعتمد، أم ترقّب لمعرفة اللقاح الذي يختاره نظام دمشق وهو الذي تعامل مع الوباء وضحاياه بإهمال اسطوري؟
وسط هذه الفوضى في بلد باحث عن حكومة ويعطّل حزب رئيس الجمهورية وحليفه “حزب الله” ولادتها، وتتصرّف الدولة ومصرفها بأموال الناس، ويموت المصابون عند أبواب المستشفيات، هل يمكن تخيّل شيء آخر غير الفوضى في استقبال اللقاح وعمليات التلقيح؟ هناك معايير وضعتها منظمة الصحة العالمية ويجري اتباعها في معظم البلدان، فهل من جهة لبنانية يمكن الوثوق بها وتستطيع توزيعاً نزيهاً ومنصفاً للقاح؟ الجيش وأجهزة الأمن؟ نعم، ربما، لكن ماذا عن نفوذ القوى السياسية وتدخّلاتها للتمييز في التلقيح، ماذا عن اخطبوط المهووسين بأنهم “الأقوياء” في طوائفهم، وماذا عن “حزب الله” وأولوياته، وماذا عن مافيات المتاجرة والتهريب المتمتعة بحماية المتنفّذين؟ لا يمكن الوثوق بأحد في دولة متشرذمة وممعنة في الفشل والانحطاط. وللأسف، يتعذّر الاستنجاد بمساعدة دولية في هذا المجال، فكل الدول منهمكة بعمليات التلقيح لمواجهة الوباء وبالكاد قادرة على تلبية حاجاتها الداخلية.

اترك رد