مشكلتنا !

ميشيل كيلو:

دون مقدمات : تكمن مشكلتنا في أن آقلية متسلطة قررت أن تحكم آغلبية السوريين بأساليب وطرق أضرت، وتضر، إضرارًا شديدًا بهم، بينما يزداد حكمها فسادًا وأنانية وعنفًا، ويفشل في تلبية أبسط مطالب الشعب. هذه الاقلية لا تنتمي إلى جهة أو طائفة واحدة، بل تضم أطرافًا من مختلف الأديان والمذاهب والمصالح والتوجهات والوظائف، وتحميها سلطتها منذ استولت على الحكم عام ١٩٧٠، لكنها بدل أن تعمل كطليعة ترقي بافكارها وعي وحقوق مواطنيها، وتخدم مصالحهم كأغلبية تمنحها ثقتها ولاءها، وتتمسك بها ، ذهبت في الاتجاه الآخر، فخدمت مصالحها الضيقة، التي هددت الناس قبل ثورة الحرية بالافقار، وجوعتهم بعدها، في حين سعت للسيطرة عليهم بافكار تنتمي إلى لاوعيهم الجمعي ، أوهمت نفسها أنها تستطيع شرعنة افعالها بواسطتها، متجاهلة أنها تستطيع خداع بعض الشعب بعض الوقت، لكنها لا تستطيع خداع كل الشعب كل الوقت.

لو حكمت “طائفة السلطة” الأقلوية بالعدالة الاجتماعية، لما كان عندنا هذا التمركز الخطير للثروة بايدي قلة من اللصوص والافاقين ، ولما عاني مواطننا الامرين للحصول على طعام ودواء وملبس عياله عياله، وتعرض للبطالة وضياع العائد المادي لعمله ، ولما نشأ الفارق المخيف بين ما يناله من أجر أو راتب، ويحتاج إليه كي يحصل على الجزء الضئيل، والمتناقص مما هو ضروري لعيشه، وأخيرا لما أمضي من الوقت في سبيل الحصول على القليل من حاجاته عشرات اضعاف الوقت الذي يمضيه مع أحبائه في البيت ، الذي استأجره بمبلغ لم تتوقف قيمته عن التبخر، حتى صار دفع إيجاره مشكلة مؤرقة، بعد أن أكل التضخم دخله، وزاد عشرات آلاف المرات دخول وثروات لصوص السلطة واقتصادها، في دليل جديد تزايد التناقض بين لصوص الأقلية، وأغلبية من لا تقوم للوطن قيامة، ولا يستمر في الوجود، دون جهدهم، لكن السلطة تقف عاجزة آمام أوضاعهم القاتلة، أو بالأحرى ترفض ، التخلي عن أموال لصوصها المسروق آصلا مهم، لتصد عنهم الموت الزاحف عليهم ، وتكبح ما يترتب على واقعهم من خراب ودمار للدولة والمجتمع السوريين، وخضوعهم لأحد بديلين: موتهم جوعا وذلا وقهرا، أو انفجارهم، اسوة بما حدث عام ٢٠١١، حين سدت رئاسة بشار الأسد في وجوههم جميع دروب اصلاح كانت قد وعدتهم به، وتخلى عنه وشرع يتذاكى ويتلاعب بهم بعد أن وصل إلى الرئاسة باسمه، بينما ترك الذئاب المفترسة تلتهمهم، وتنحدر بحياتهم إلى درك الحاجة والفقر، ولم يبق لهم غير تذكيره بوعوده تجاههم ، وبأنهم مواطنون وعليه أن يقوم بالتزماته حيالهم، وعندما واصل التذاكي ، لجؤوا إلى الطريقة الوحيدة، التي يفهمها المتلاعبون بحقوق شعوبهم، ويتوهمون أن أجهزتهم تستطيع حمايتهم مهما اعتدوا على حقوق الناس وفسدوا، وأن سياسات القبضة الحديدية هي الخيار الوحيد الذي يضمن بقاء المواطنين راضخين له، ثم تبين خلال الثورة وما تلاها من صرع يستمر منذ عشرة أعوام أنها السياسة التي لا تضمن شيئا غير انفجار الناس، وها هم اللصوص، الذين بدؤوا يسرقون بعضهم البعض، بعد أن أفرغوا جيوب المواطن من آخر بقرش كان فيها ، يكررون ، بما لديهم من سلطة هي سلطتهم وحدهم، وليست سلطة أي طرف سوري آخر، الخطأ الذي أدى إلى الانفجار، دون أن يطرحوا على أنفسهم أي سؤال حول اسبابه الحقيقية، وارتباطها بحقوق السوريين كمواطنين ، وعلى رأسها حقهم في العمل والحرية والعدالة والمساواة، وتلقي ما يكفي من خدمات تكفي دخولهم للحصول عليها ، بل ولادخار جزء منها يذهب إلى التنمية الوطنية، ويصان بالتالي من اللصوص، الذين لم يكتفوا بالاستيلاء على هذا الجزء فقط، وإنما استولوا على دخل المواطن ، حتى صار راتبه يقدر بدولارات قليلة، وانخفض ست أو سبع مرات عما كان عليه قبل عشرة أعوام، عوض أن يرتفع. يقول المدافعون عن اللصوص: إن هذا حدث بسبب الثورة والمؤامرة الامبريالية. إذا كان هذا صحيحا، فسروا لنا ، إن استطعتم، لماذا لم تتلاشى ثرواتكم، بل تضاعفت آلاف المرات، رغم المؤامرة التي يبدو أنها لم تستهدفكم بل استهدفت الشعب، ربما لأنه لا يؤيدكم، فهي في الحقيقة مؤامرتكم عليه، التي لم تترك جانبا من جوانب عيشه إلا ودمرته ، لتدمر السوري نفسه ككائن إنساني واجب الاحترام والرعاية؟. لماذا ظهر عشرات، إن لم يكن مئات لصوص لقمة الناس، الذين اعترف بشار الأسد أن أسباب الأزمة الاقتصادية/ الاجتماعية الراهنة لا ترجع إلى العقوبات الدولية، بل هي أقدم منها ومن الثورة، وتعود إلى ما هربه هؤلاء اللصوص من أموال السوريين إلى لبنان، قدره ” قائد الوطن”بعشرين إلى ثلاثين مليار دولار، ولم يقل إنها أضيفت إلى مائة وخمسة وعشرين مليارا كان وزير الاقتصاد الدكتور غسان الرفاعي، الذي فر إلى اوستراليا، قد تحدث عنها إلى جريدة تشرين الرسمية عام ٢٠٠٣، وهذا معناه أن هؤلاء اللصوص سرقوا خلال خمسة عشر عاما مجمل الدخل الوطني السوري خلال خمسة إلى ستة أعوام، ثم يقال للسوريين إن الكارثة التي حلت بهم ترجع إلى مؤامرة شاركت قطاعات من الشعب فيها، في اعتراف صريح بأن اللصوص ليسوا هدف المؤامرة، أو كآن نهب وطنهم وتجويع شعبهم سياسة تمليها الوطنية، وليسا أشنع مؤامرة على سورية ومواطنيها، أو كأنها لم تلعب أي دور في انفجار السوريين ضد الظلم والتمييز والفساد؟.

هذه هي مشكلتنا: أقلية حاكمة وفاسدة في واد، وأغلبية مقموعة ومجوعة في واد ، ولا علاقة بينهما غير إخضاع وتجويع الأغلبية، لزيادة فساد ولصوصية الحاكمين والمتحكمين. فهل يسهم ما شهدته سنوات الصراع العشرة من تعظيم الفوارق بين الطرفين في تهدئة الأوضاع، وتلبية ما لدى السوريين من رغبة في العيش الكريم، أو هو يوفر وقودا لاستمرار المأزق الراهن، الذين دفع ثمنه الشعب، في منطقتي السلطة والثورة، وسيتكرر بصورة أعمق وأشد إذا لم تتوقف اللصوصية ويزول حكمها ، المسؤول عن ما آلت إليه أوضاعنا كمجتمع وكوطن، وتقول خبرتنا معه خلال السنوات الأربعين الماضية أنه ليس لديه ما يقدمه لنا غير النهب والفساد ونحن صامتون، والدمار والقتل إن طالبنا بشيء من حقوقنا ، التي لطالما وعدنا بتحقيقها، وحقق عكسها!.

سوريا الأمل

اترك رد