البحث عن سبيل للتحرر من الاستبداد

راتب شعبو

تحكي قصة صينية أن رجلًا مرَّ بقريةٍ، فوجد سكانها ملتزمين بيوتهم ولا يجرؤون على الخروج منها. ولم تنجح كل محاولاته في جعلهم يخرجون. ثم علم أن السبب هو خوفهم من تنّين يسيطر على القرية. ولكي يُطمئن الناسَ الخائفين، توجّه الرجل الشجاع إلى التنين واشتبك معه وقتله. غير أن الناس بقوا في بيوتهم مع ذلك ولم يجرؤوا على الخروج. وعندما استفسر، جاءه الجواب: “كنّا نخاف التنّين، واليوم نخافك أنت أكثر، لأنك أقوى من التنين”.

لا يكفي قتلُ التنّين لتحرير الناس، ولا بدّ من ضمان عدم بروز تنّين جديد. على هذا، تقول القصة التي نبتت في بيئة استبداد شرقي مزمن: إن الخلاص من الاستبداد يستدعي إنجاز مهمتين معًا: الأولى هي إسقاط الطغمة المستبدة الحاكمة (قتل التنين)، والثانية هي ضمان عدم ولادة طغمة استبداد جديد.

في التجارب العربية، منذ الاستقلال إلى اليوم، كان التنّين حاضرًا، يموت ويحيا من جديد، باستثناء لحظات مضطربة عابرة، تبدو للمتأمل مجرد خروج مؤقت عن المألوف و”الطبيعي”. ونظرًا إلى الانفصال المزمن في بلداننا بين الناس والشأن السياسي، الانفصال الذي تكرّس في الوعي العام على شكل اعتبار السياسة شأنًا عاليًا مغلفًا بالسحر، أو شأنًا نخبويًا؛ كانت الانقلابات العسكرية هي الوسيلة الغالبة في إنجاز المهمة الأولى (إسقاط السلطة) التي لم تكن سوى ولادة لتنّينٍ أكثر بأسًا. حتى حين تمكنت ثورات شعبية من إسقاط الطغمة المستبدة، لم تقُد هذه الخطوة إلى حماية المجتمع من سطوة استبداد (تنين) جديد.

مشاركة الناس في قتل التنّين بضربة قاضية، كما في الثورات، لم تكن، إذن، تضمن عدم ولادة تنين آخر يجعل الناس من جديد موضوعًا لبطشه، وإنْ كان تحت “شعارات” جديدة، أبسطها “حماية الثورة”، ومنع عودة الطغمة السابقة (التنّين السابق). يتعيّن على الناس الخضوع لتنين جديد، كي لا يعود التنين القديم! وهكذا.

لا الانقلابات العسكرية على الطغمة الحاكمة، ولا الثورات الشعبية التي تسقط الطغمة الحاكمة، انتهت بالبلاد إلى نتائج سياسية أو اقتصادية أفضل، بل تشير الأرقام إلى تراجع في مستوى المعيشة، وفي مستوى الحريات، وفي مستوى الاجتماع الوطني مع عودة المجتمع الأهلي (العائلة، العشيرة، الطائفة، جماعات القرابة)، للتغلب على المجتمع المدني الذي يقوم على فكرة المواطنة. ما هي العلّة التي تحيل تاريخ مجتمعاتنا إلى مسار من الهزائم الوطنية والاستبدادت المتناسلة؟

الجواب الأوليّ الذي يمكن تقديمه هو شلل الفاعلية الاجتماعية المدنية. على خلاف ما يمكن أن نتوقعه، من سيطرة وعي عام يعُدّ السياسة سحرًا وشأنًا نخبويًا، لم ينشغل أصحاب هذا الوعي (التيار العريض في المجتمع) بأمورهم المعاشية والحياتية المباشرة، بل تناوبت حالهم تناوبًا طرفيًا، بين النوم على شروط حياتهم البائسة، والثورة القصوى على السلطة السياسية. “سحر” السلطة السياسية في الوعي العام ينتهي إلى أنها مصدر العلل ومصدر الشفاء، وبناء على ذلك، يكون هناك هربٌ من العمل الثقيل التراكمي اليومي، لصالح عمل حاسم ورنان و”بطولي”، هو إسقاط الطغمة الحاكمة.

الانتقال من الركود، إلى الفعل الأقصى المتركز على السلطة السياسية، لا يولّد التحرر المنتظر أو الموهوم. إنه يولد الفشل على شكل فوضى دموية أو استبداد جديد. تكرار الفشل والخيبة يولّد، بطبيعة الحال، الشعور باللاجدوى وبالتسليم، وهو الوسط الملائم لكلّ أشكال الاستبداد.

ليس من الطبيعي أن يخشى الإنسان الاحتجاجَ على بؤس شؤونه الحياتية، من غلاء أو نقص مواد أو انتهاك حقوق بكل أنواعها، ولا يخشى النضال الحزبي أو السياسي. يمكن القول إن مصدر هذه المفارقة هو الوعي النخبوي الذي يهمش الفاعلية الاجتماعية المدنية، لصالح الفعل السياسي أو الحزبي، أي السعي إلى السلطة السياسية، بوصفها المنطلق الأول للفاعلية، وبوصفها الشرط اللازم لتحسين رغيف الخبز ولمراقبة الفساد وخفض الأسعار.. إلخ.

بعض النخب الحزبية التي تحمل هذا التصور “المفرط التسييس”، تسمح لها إمكاناتُها بالقيام بأنشطة “مدنية”، مثل دعم المحتاجين وتلبية احتياجات معينة.  والغرض هو تحقيق مكسب سياسي من خلال ذلك. أي إنهم يلحقون النشاط “المدني” بالنشاط السياسي. والحق أنّ هذا النشاط لا علاقة له بالنشاط المدني، إنما هو أقرب إلى أنشطة الدعم الإنساني. وينطبق هذا بدرجة كبيرة على الإسلاميين الذين يستخدمون شبكاتهم وإمكاناتهم لسد حاجات الناس، بغرض كسبهم سياسيًا. أما النشاط المدني أو الفعالية الاجتماعية المدنية (المفتقدة في مجتمعاتنا) فإنه يهدف إلى شدّ الناس إلى شؤوهم المباشرة، وتحريرهم من وهم السلطة السياسية، بوصفها منطلق الإنقاذ والخلاص. ينبغي القول إن أعمال الإغاثة والدعم، وإن كانت تُلبي حاجة كثير من الفقراء والمحتاجين، لا علاقة لها بفكرة الفاعلية الاجتماعية المدنية التي هي بالتعريف فعلٌ نضالي، بمبادرة من الناس المعنيين، لاسترداد حق أو لكسب حق، وليس فعل إحسان ومساعدة يقدّم إلى الناس كي يهدئ آلام ضياع الحقوق.

النشاط الآخر الذي ينسب نفسه إلى المجتمع المدني، هو المنظمات غير الحكومية (NGOs)، وهي عندنا، في الغالب، منظمات ذات تمويل خارجي، تقوم على أداء مهمات معينة تعليمية أو إغاثية أو صحية أو خدمية.. إلخ. أي إنها تملأ الفجوات الخدمية التي تخلفها الدولة المنشغلة بالهمّ الأمني. هذه المنظمات تعمل في كنف الدولة الأمنية، أو في كنف سلطة الأمر الواقع، وبحسب شروطها، من دون أن تصطدم بها. يختلف هذا النشاط عن النشاط السابق (المدني الملحق بالسياسي)، بأنه لا يرتبط بأحزاب أو برامج حزبية محددة، وقد شكّل، بحسب التجربة السورية، بيئة مناسبة للميول الفاسدة، عند بعض المشتغلين فيه، وأساء بذلك إلى فكرة “المجتمع المدني” الذي صار في تصوّر الناس مكافئًا لهذه المنظمات. ولكن عمل هذه المنظمات يبقى نشاطًا مختلفًا عن الفاعلية الاجتماعية المدنية التي تناضل لإبعاد يد الاستبداد عن التحكم في الشؤون الحياتية المباشرة للناس، وخلق مجال أوسع للمبادرات المحلية والعامة (أو المدنية) من دون أن تشكل هذه المبادرات تحديًا حيويًا للسلطة السياسية القائمة.

التركيز على الفاعلية الاجتماعية المدنية يُعيد قضية الناس إلى الناس، ويخلق لدى الناس الفكرة الأكيدة في أنهم المسؤولون، أولًا وأخيرًا، عن شؤونهم، وأنه ما من سلطة سياسية، مهما تكن، يمكن أن تهتم بهم، ما لم يهتمّوا هم بأنفسهم. هذا العمل “اللاسياسي” هو الذي ينسف الأساس الذي يقوم عليه الاستبداد، حين ينسف الاعتقاد بأن الخلاص هو في وصول نخبة معينة إلى السلطة السياسية.

حرمون

اترك رد