ثلاثة عشر رئيساً لأميركا.. وما زال الأسد لعنتنا

كل أربع سنوات نتجمد أمام شاشات التلفاز لمتابعة المناظرات الأمريكية ضمن سباق الرئاسة للوصول إلى البيت الأبيض، في واشنطن، نشاهد عمليات فرز الأصوات والنقاشات القانونية المتعلقة بآليات نقل السلطة، وكل ما أنتجته العمليات الديموقراطية وسيادة القانون في الانتخابات في أمريكا والعالم المتحضر.

وعلى الرغم مما شهدته الانتخابات الأمريكية الأخيرة من إشكالات تتعلّق بعدم إقرار ترامب بنتائج الانتخابات، عبر تصريحاته التي لا تخلو من التحريض، وعبر الطعون الانتخابية التي قدمت للمحاكم الأمريكية وتم رفضها، وما نتج عنها من عمليات الشغب التي أثيرت من خلال اقتحام الكونغرس، إلا أنّ الدستور الأمريكي من جهة، ومؤسسات الجيش والشرطة والمحاكم من جهة أخرى، بالإضافة للتقاليد السياسية الأمريكية والسلوك القانوني والأخلاقي لكثير من الشخصيات السياسية التي تحترم القانون، حتى ممن ينتسبون للحزب الجمهوري، “حزب الرئيس ترامب نفسه”، مثل نائب الرئيس الأمريكي السابق، بنس، كانت جميعاً عامل الحماية من أي انتهاك او أي محاولة للانقلاب على الديموقراطية، وضمان لسلمية انتقال السلطة وحماية مؤسسات البلاد، وهو نجاح يحسب للديموقراطية الأمريكية والقوانين الناظمة، ولمؤسسات الدولة التي تقوم بواجبها لتحمي دستور البلاد ومصالح الشعب ولا ترتبط بشخص الرئيس.

متابعتنا للانتخابات الأمريكية لا تتعلّق فقط بأهمية السياسة الأمريكية عالمياً وتأثيرها على الملف السوري، لكنها فعلاً تخاطب حلمنا الواعي المغدور، بأن يصيح لبلدنا انتخابات، وأن يكون لنا الحق في اختيار الرؤساء، وبأن يتعددوا وتتغيّر أسماؤهم، بحيث يحدث وأن يشهد أحدنا قبل أن يموت تنصيب عدد من الرؤساء، وربما يعاني في أواخر العمر “ترفاً” تذكر بعض أسمائهم، هل هذا كثير؟.

وفي هذا السياق، غريب فعلاً أنّ الرؤساء لدينا لا يرحلون، ولا يموتون، وإن ماتوا بعد عقود من الحكم ورثوا، وإن ورثوا جاروا، ثم التصقوا كالعلق بجسد الوطن السوري العليل حتى يموت، علما أنّنا نموت كل دقيقة، وكل ساعة، ونختنق بينما يسرقون هواءنا وأحلامنا ومستقبل البلاد.

يبدو المشهد إلينا سريالياً، نحن القادمين من دول لا يتغير فيها الرئيس، ويكرّس للأبد “حتى بعد أن يموت “من خلال تنصيب ابنه كرئيس وتسمية الميت بالخالد، والأب والقائد، والملهم والمفدى، وتكتمل الصورة بوجود مجلس شعب هزلي لا يتعدّى دوره نظم القصائد والمديح والهتاف والتصفيق للرئيس ابن الرئيس، وأبي الرئيس، وربما زوج الرئيسة، مرن للغاية مجلسنا، وقابل للتطويع كما الدستور الذي يمكن أن يتغير ليناسب المصلحة العليا لعائلة الرؤساء، ولمصالح الطغمة الحاكمة، ولنظام القمع، لكنه بنفس الوقت جامد وصلب كالبازلت إذا ما أردنا تغيير القوانين المتعلقة بالحريات والمساواة والتنمية وحقوق الإنسان، ضمن سياسة ممنهجة من غسيل الأدمغة للشعب المنهوب المقهور، حيث لا تجرؤ تلك الأدمغة على القيام حتى في لحظات السهو والنوم بأن تتخيّل أحداً سوى هذه العائلة على كرسي الحكم في دمشق، سوريا التي من المفترض أنّ نظامها جمهوري، ولكن آل الأسد يحكمونها منذ نصف قرن.

الانتخابات الرئاسية الصورية غير الشرعية في سوريا مقبلة، وأشك أنّ سوريّاً واحداً لا يملك القناعة والمعرفة بنتيجتها، سواء من موالي النظام الأشداء أو من معارضيه، بأنّ بشار سيبقى رئيساً، في سوريا لا داعي لكل هذه العمليات الانتخابية وفرز الأصوات، نحن الوحيدين في العالم الذين نعرف نتيجة الانتخابات قبل الانتخابات ذاتها، حتى ولو دخل المشهد مرشحين مزيفين يترشحون بأمر من النظام ويلعبون دور الكومبارس في مسرحية الانتخابات، مرشحون يقولون إنّهم هم أنفسهم سينتخبون الأسد.

إنّ السوريين يعرفون نتيجة الانتخابات قبل بدايتها، فنحن شعب لم يعرف تجربة انتخابية حقيقية منذ استولى الأسد على السلطة، وبالتالي هذه الانتخابات القادمة لن تقدّم أو تؤخر شيئاً في معنى شرعية هذا النظام المنزوعة دولياً، ولن يعترف بها أحد إلا حلفاء النظام القليلين المشابهين له.

يقول المثل الشعبي “قل لي من تصادق أقول لك من أنت”، وأصدقاء النظام هم إيران وروسيا وكوريا الشمالية وكوبا… وجميعها دول لديها أنظمة ديكتاتورية استولت على السلطة وتقمع معارضيها، إذاً وعلى الرغم من شكلية الانتخابات السورية القادمة، إلا أنّها تثبت مرة أخرى مدى إمعان هذا النظام في تمسكه في السلطة، بدلاً من الدخول في عملية سياسية حقيقة تحقق انتقالاً للسلطة، وتحقيق مرحلة انتقالية تؤدّي لولادة نظام ديموقراطي جديد في سوريا.

ثلاثة عشر رئيساً تغيروا في أمريكا، وآل الأسد منذ عام 1971 ما زالوا يحكمون سوريا.

ريما فليحان

ليفانت – ريما فليحان

اترك رد