في التعاقد الاجتماعي وإضافة نكهة العقلانية على الحرية

جمال الشوفي

هل يمكن أن نضيف العقلانية إلى الحرية والكرامة، حتى تشكّل بوصلة وطنية، بعد أن كدنا نفقد الحرية والكرامة؟ أدركُ أن هذا السؤال نظريٌّ وربما فلسفيّ، وقد يقول كثيرون إنه سؤال انهزامي وتسووي! لكني أفترض أنه سؤال المسؤولية التاريخية الوطنية، وأنه مقدمة لازمة للعقد الاجتماعي!

لا عقلَ مكتملًا إلا في النظريات المعلّبة أو ما نسمّيها “أداليج”، ولا عقد اجتماعيًا جاهزًا يقدّم وجبة واحدة لمجتمع؛ فالعقلانية تشكلٌ وصيرورة في صورة العقل، عندما يلامس الواقع بمعطياته وإمكاناته مفهوميًا لتحديد معطياته وتفعيل إمكاناته. وصيغة العقلانية هذه هي بوابة العقد الاجتماعي المتشكل تدريجيًا مع الزمن، لا دفعة واحدة نصية، وإلا اكتفت البشرية بعقد المدينة الفاضلة الأفلاطونية أو الوصايا الدينية العشر أو موضوعات الدولة الحديثة، كنصوص جاهزة يجب على البشر تطبيقها وحسب! ولكن الواقع الإنساني المتغير والمتفاوت، زمنيًا ومكانيًا، في معطياته السياسية والاقتصادية، يطرح تحدياته على المصلحة العامة للبشر مجتمعيًا، بغية تحديد الإرادات المفردة، الفردية والجماعية، سواء كانت ذات صبغة دينية أم سياسية أم اقتصادية، بتناقضاتها واختلاف ميولها ورغباتها، وهدفه البحث في المشترك بينها، ماديًا ومعنويًا، وتلاقي هذه الإرادات في طريق يتسع للجميع، بالمساواة الحقوقية والقانونية واحترام الحريات والرؤى والأحلام والأهداف، في سياقٍ عام نسميه الوطنية، والمواطنة هي شكل ممارستها بالفعل وبالإرادة الحرة، وهذا حيّز تنظيري عريض، لكنه ممكن عقلانيًا أيضًا، وقابل لأن يصبح واقعيًا أيضًا!

في المشهد السوري اليوم، الكلّ يتناول العقد الاجتماعي من بواباته العريضة وبطرق متعددة، وهذا حقّ مفتوح، لكن لكي ندخل من بوابته العقلانية والواقعية، علينا أن نحدد أن العقد الاجتماعي السوري ليس معطًى جاهزًا واقعيًا، بحكم أن نتائج الفعل السياسي والثوري لم تُحسم إلى اليوم منذ 10 سنوات، ولا هو نص جاهز على السوريين تطبيقه، ويجدون فيه الحل السحري وحسب. وعلى أهمية الفكر النظري المستند إلى فكر عصر الأنوار، نجد أن الفارق الزمني والمعطيات الواقعية تفترض تدرج تحقيق هذا التعاقد. وتدرّجه محدد بـ:

  • – التعاقد السياسي على كيفية تفعيل الحل سياسي الذي يقتضي التغيير السياسي وشكله.
  • – الانتقال من موضوعة الوطنية وضدها التخوين ذات النسقية المتساوية الرافضة كلية للمختلف عنها معارضة وموالاة، إلى موضوعة المواطنة اختلافًا وتعددًا وحريات.
  • – التعاقد على تحقيق العدالة الانتقالية، بصيغة قانونية حقوقية، لا بصيغة سياسية متضمنة في وثيقة الانتقال السياسي والبحث في المواطنة، واستقلالية حكمها القضائي والآليات الدستورية الضامنة لتفعيله.
  • – الوصول إلى عقد اجتماعي يفضي إلى شكل الدولة السورية، من دون وصفات مسبقة وجاهزة متنافرة بين دولة “إسلامية”، “مدنية”، “علمانية”، “ماركسية”، “قومية”، تشتت وتضيع السنين العشر السابقة، وتلغي شروط التعاقد السياسي من حيث المبدأ.

 إنْ كان الطرح أعلاه متهمًا بالتنظير أو الانزلاق السياسي إلى ناحية الوضعية السياسية، فما زالت المغالطات الفكرية والتشنجات السياسية المغلقة أيديولوجيًا سيدةَ الموقف السوري إلى اليوم، وهذا موضع آخر. فالمشهد السوري، كما بدا في دراسات سابقة، مشهدٌ تم إدخاله “الفريزر” الروسي، وتم تجميد حراكه السياسي المحلي والدولي بطرق متوازية متعددة مفصلها الرئيس: لا حل سياسيًا بلا إعادة إعمار، وهذا جزءٌ يسير مما تريده روسيا من المسألة السورية، لكنه يعنينا بشكل مباشر وآني ومستقبلي، وإلا فالمسألة السورية تم حفظها في ثلاجة سيبيرية، تتناقص فيها درجات الحرية والكرامة للدرك الأدنى، وتسود معها كل صنوف الانفلات والإفساد والتشظي وعمليات الفكّ والتركيب بالمشهد السوري، أمنيًا وماليًا، كمصروف “جيب” روسي يومي، ريثما تتحرك معادلاتها الدولية، وتستوي طبخة الحل السياسي ومشاريع إعادة الإعمار ذات الضخامة المالية المتوقعة. يترافق هذا مع عدمية الحلول المطروحة التي تدار بتلك العقلية الافتراضية بالفرضيات الجاهزة والمسلّمات المقفلة التي مرّ عليها الزمن، وباتت لا تقدّم للواقع اليوم سوى جملةٍ من الوصايا لا تُسمن ولا تغني من جوع، وتؤدي بالضرورة إلى الاصطدام بالانزلاقات السهلة والمريبة نحو مواقع سياسية راديكالية غير محسوبة النتائج عقليًا، وغير مسؤولة تاريخيًا!

في الخلفية، المشهد السوري اليوم، كمشهد دولي، معقّدٌ في ذاته، وتبدو عناوينه الأوضح:

  • – القرار 2254/ 2015 الذي وافقت عليه روسيا، ليس لتحقيق الانتقال السياسي، كما ينص في بنوده الأولى المعروفة بمرجعية جنيف 1، بل لتضمنه في فقرته الثامنة الشراكة الروسية مع أميركيا في الحرب على الإرهاب، بقرار أممي مصدق من مجلس الأمن، ما يعني دخول روسيا، عبر بوابة القانون الدولي وبشرعية أممية، لأول مرة بتاريخها، في حرب خارجية منذ العام 1989، تاريخ انهيار الاتحاد السوفيتي وتراجعها وانحسارها داخل روسيا، وذلك خلاف حروبها الثلاث السابقة، في الشيشان وجورجيا وأرمينيا، التي كانت بتفويض الكرملين الروسي، بينما كانت أميركيا تقود وتجرد خلفها تحالفًا دوليًا عريضًا مصادقًا عليه من مجلس الأمن، كشرعية قانونية دولية تقف على رأس نظامه الدولي.
  • – القاعدة الدولية المتعارف عليها سياسيًا منذ الحرب العالمية الثانية هي عدم إمكانية قيام مواجهة عالمية كبرى، بين قوى ذات قدرة عسكرية تدميرية هائلة، وهذا يعني أن من الصعب جدًا أن تواجه روسيا أميركيا أو تركيا أو حتى إيران، مباشرة، ومثلها أميركا في الجهة المقابلة، وتعدّ العقوبات الاقتصادية سلاحًا فعالًا في هذه المواقع، كما في قانون “قيصر”، لكنها لا تأتي إلا بنتائج تفاوضية جزئية تستوي معها المصالح الدولية بطريقة ناعمة لا خشنة عسكرية.
  • – تكاثر اللاعبين الإقليمين في الملف السوري، وتزايد نفوذهم العسكري والأمني والمالي، جعل المسألة السورية تدار من الخلف، باتفاقات أمنية غير معلنة سياسيًا، لكنها قابلة للتنفيذ، وفق حزم محددة الأهداف وغير قابلة للتمدد والتوسع، وبرعاية وموافقة روسية أميركية مباشرة عليها، فموضوعات التفاهم الأمني التركية الروسية، على ترسيم الخطوط الدولية المباشرة في M4 , M5، أو التفاهمات الأميركية التركية على مناطق النفوذ في شرقي الفرات، أو التفاهمات الروسية الإسرائيلية الأميركية على ضرب المواقع الإيرانية جويًا، ومنع تمركزها في الداخل السوري، كلها تأتي ضمن سياق تحديد وتثبيت أدوار اللاعبين الإقليمين، عند حدود خطوط التماس المباشرة، بين نزعتي روسيا التفوقية الطامحة إلى قطبية عالمية ثانية، والإدارة الأميركية الوحيدة المنفردة للعالم.
  • – الحل 2254/ 2015 ليس حلًا سحريًا للمسألة السورية، إنما هو حلّ تفاوضي توافقي بين مرجعيات روسية “السوتشاوية” لطريقة الحلّ السياسي السورية، لكي تحجز روسيا موقعًا دوليًا متفردًا لها عالميًا، يطلّ من بوابة البحار الدافئة في المتوسط على أوروبا والعالم، ويتحكم في خطوط نقل الطاقة والغاز دوليًا، وفي الجهة المقابلة الحلّ الأممي المفترض، وهذه اللعبة الأممية ما تزال نقطة استنادها سورية وحلّها السياسي، ولكن حتى إن سمح لروسيا بنصر عسكري فيها، فلن يسمح لها بنصر سياسي دولي فيها، لتصبح المعادلة اليوم: محاولة أميركية لترويض روسيا واستيعابها بالمعادلة العالمية، وروسيا تلاعب الجميع بسياسة حافة الهاوية النووية، وهذا بزار مفتوح متعدد المستويات.
  • – لم يعد التغيير الكلي سوريًا بمرجعية قرار جنيف 1، بهيئة حكم كاملة الصلاحيات، مطروحًا على طاولة المجتمع الدولي، وبات مخفضًا إلى حكومة انتقالية، بحسب قرار مجلس الأمن 2254/ 2015، وليس هذا وحسب، بل إن أي تغيير ممكن في المشهد السياسي السوري مرهون بالقوة العسكرية الروسية ومصالحها ذاتها أولًا، وهذه مجازفة دولية كبرى، الكلُّ يتجنبها، ما لم يحدث تغير مفاجئ ما، كما حدث في الحرب العالمية الثانية باستخدام القنبلة النووية المذهل حينها!

وفقًا لهذه لمعطيات الدولية، يبدو المشهدُ السوري شديد التعقيد، لم تعد تصلح معه الوصفات الجاهزة، ولا إمكانية لإدارته بالطرق والأدوات الأولى أيديولوجيًا، المصرّة على وهم شرعيتها المفردة نصيًا و/أو سياسيًا، ولم تبادر إلى اليوم بمراجعة سياساتها وإغنائها حواريًا، بطريقة تعاقدية منهجية زمنيًا، وذلك من كل صنوف الأيديولوجيات المبسترة، كوصفة جاهزة للحكم والعبثية. هذا ما يبرر الطرح التعاقدي المتدرج زمنيًا عقلانية، بغية تفعيل الحل السوري السياسي كبوابة للحلول ما بعدها، شرطها الأساس إعادةُ التموضع السوري الداخلي، سياسيًا ومدنيًا، وتحجيم المشاريع الخارجية، وتحجيم الشرعيات المولّدة للعنف، والحدّ من هيمنتها، والاقتراب من كليّة الوطن ومفهوم الأمة تعيّنًا، والعملُ بأفق المستقبل في العقد الاجتماعي الممكن، انتصارًا لأرواح الضحايا، بمسؤولية متدرجة زمنيًا. فهل يمكن لهذه العقلانية أن تشكّل إضافة فارقة إلى موضوعتي الحرية والكرامة، بعد طول سنوات الهدر الوطني السابقة؟

لمفارقةٍ بالتاريخ، لم يتشكّل العَقد الإسلاميّ في دولةٍ نصيًا وحسب، بل بتحقيق مصالح القبائل بالحج إلى مكة تفاوضيًا، وما خلفه من حيث المكاسب الاقتصادية والمصلحية، كما لم يتشكل عقد الدولة الحديثة إلا حين حققت البرجوازية مصلحة العمال، تفاوضيًا وحقوقيًا! وكان الصينيون ذات يوم، إذا ما انكسرت لديهم زهرية وتشظت قطعًا، يعيدون لحمها قطعة قطعة، مضيفين إليها لمستهم الفنية والروحية، وهم يدركون أنها لن تعود كما كانت، لكنهم يؤمنون بضرورة إعادة إحيائها، بأن يضيفوا إليها من ذواتهم، ماديًا ومعنويًا! أظنها النكهة الواجبة اليوم في المشهد السوري، وهذه مسؤولية أولًا، وعقلانية ثانية، وبوابة تعاقدية على المصلحة المشتركة ثالثًا.

حرمون

اترك رد