شمال سوريا.. ورقة المفاوضات الرابحة بيد جميع الأطراف

نور مارتيني

– تتواصل الانتهاكات في مناطق “الإدارة الذاتية”، في ظلّ فلتان أمني يهيمن على المنطقة، والذي زادت وطأته في الآونة الأخيرة، مع تصاعد الهجمات في محيط “عين عيسى”، والمحاولات التركية المستميتة للتقدّم فيها، متزامنةً مع استقدام روسيا لتعزيزات من قوات النظام السوري، ونشرها في المنطقة، عن طريق مطار القامشلي؛ الأمر الذي أدّى إلى تصعيد كبيرٍ في المنطقة، امتدّ ليشمل أحياء في حلب، يشكّل أغلبيتها مواطنون أكراد، والغاية منها هي ليّ ذراع الإدارة الذاتية في الشمال، وقبولها بتسليم “عين عيسى” للنظام السوري، فيما يواصل الأتراك تصعيدهم واستهدافهم المتكرّر للمنطقة، وسط صمت روسي مريب.

في ظلّ هذه التطورات، يبرز مجدّداً خطر تنظيم داعش، الذي يبدو أكثر من أي وقت سابق مستعدّاً للظهور مجدّداً بمظهر التنظيم، الذي بدأ يصعّد من هجماته في البادية، ويروّج لأجندته ذاتها؛ الأجندة القائمة على الاستنزاف المادي من خلال السرقات والإتاوات التي يطلق عليها تسميات ذات لبوس إسلامي كـ”الفدية”، و”الزكاة”، والجزية”، مع اللجوء إلى العنف المفرط، لبثّ الرعب في قلوب أبناء المنطقة، على سبيل الدعاية والبروباغاندا.

تحدٍّ جديد يظهر مجدّداً، وهو إشهار سلاح المياه الاستراتيجي، في وجه المدنيين، من أبناء المنطقة، للقبول بأمرٍ واقعٍ ترسمه اتفاقات يتمّ تمريرها من تحت الطاولة، فيما يعاني المدنيون أساساً من تداعيات شتاءٍ بالغ القسوة، وسط انتشار مخيف لفيروس كورونا، الذي أرهق أعتى الحكومات في العالم، وشحّ مصادر الدخل الناجمة عنه، فضلاً عن أزمة الوقود الخانقة، والطقس الرّديء جداً الذي تشهده المناطق التي تغطي الصحراء مساحات كبيرة فيها.

وسط هذا التصعيد، سرّبت وسائل إعلامية أنباءً عن زيارة سرّية لرئيس جهاز المخابرات التركي “هاكان فيدان” إلى دمشق، ولقائه مسؤولين في النظام السوري، في تزامنٍ مريب مع بدء النظام السوري الترويج لفترةٍ رئاسية جديدة، على الرغم من أنّ ذلك يخالف تماماً ما نصّ عليه القرار الأممي 2254، فيما يبدو على أنّه احتمال لعقد صفقةٍ ما بين الأسد وإردوغان، بحيث يتمّ التمديد لرئيس النظام السوري، مقابل حصار تركيا للمناطق الكردية شمال سوريا، وهو ما تنبئ به التحرّكات الأخيرة للمعارضة المدعومة من قبل تركيا، والتي تحاول التفرّد بقرار المعارضة السياسي، وبالتالي يصبح الموضوع رهناً بنتائج المفاوضات بين النظام السوري وتركيا، بحيث تكون مخرجاتها ملزمةً لجميع الأطراف السورية، والخروج باتفاق ملزمٍ من هذه المفاوضات.

وكنتيجةٍ لكل ما سبق، تبدو المنطقة ذاهبةً نحو المزيد من التصعيد والانفلات، والتي يخشى أن تتفاعل بشكل أكبر، في محاولات لاستنزاف الأطراف المنخرطة في الملف، بحيث يتم استهداف شخصيات محوريةٍ لها تأثيرها وحضورها على الساحة السياسية.

اغتيال قياديات في الإدارة الذاتية
لا يخفى على أحد، مدى تأثير الكوادر النسائية في قرار “الإدارة الذاتية”، ولذلك فقد استهدفت قياديات قسد مراراً في دير الزور، وتعرّضن لعدة محاولات اغتيال، خاصة خلال الصيف الماضي، وبعد توقيع الاتفاق النفطي، وما تبعه من فوضى عمّت المنطقة.

مجدّداً، يرصد المرصد السوري لحقوق الإنسان، عملية اغتيال جديدة ضمن مناطق نفوذ “قوات سوريا الديمقراطية” شمال شرق سوريا.

حيث جرى العثور على جثتين اثنتين في بلدة الدشيشة بريف الحسكة الجنوبي، تعودان لامرأتين اثنتين، الأولى “رئيس مجلس المدني” في بلدية تل الشاير جنوبي الحسكة، والأخرى “مسؤولة الاقتصاد” فيه، حيث جرى خطف الاثنتين من قبل مسلحين مجهولين ليتم العثور عليهن مقتولتين في الدشيشة بعد ساعات من عملية الخطف، لتتضح لاحقاً مسؤولية تنظيم “داعش” عن ارتكاب الجريمة .

هذه الحادثة، تعيد إلى الذاكرة عملية اغتيال “هفرين خلف”، والتي شغلت منصب الأمين العام لحزب “سوريا المستقبل”، عام 2019، والتي اتّضح لاحقاً أن “فصائل أنقرة” هي من تقف وراءها.

اشتباكات الحسكة يصل صداها إلى حلب

منعت قوى الأمن الداخلي “الأسايش” مؤخّراً موظفين لدى النظام السوري من دخول مبنى النفوس والمحكمة، لمزاولة عملهم في بلدة تل تمر بريف الحسكة، بالإضافة إلى قيامها بمنع موظفي النظام في دائرة المياه في الحسكة من الدخول إليها مباشرة أعمالهم.

جرى ذلك، بعد أن خرج عشرات الموظفين التابعين للدوائر الحكومية التابعة للنظام السوري، بوقفة احتجاجية أمام مبنى القصر العدلي في مدينة الحسكة، احتجاجاً على استمرار “الأسايش” بفرضها حصار لليوم الخامس على التوالي على الأحياء التي يسيطر عليها النظام ضمن منطقة “المربع الأمني” من خلال قيامها بمنع إدخال البضائع والمواد الغذائية، وفق ما أفاد به المرصد السوري لحقوق الإنسان.

الأسايش

وأشار المرصد إلى أنه تزامناً مع التوترات في مدينة القامشلي بمحافظة الحسكة، بين “الأسايش” من جهة، وقوات النظام الموجودة في المربع الأمني والحواجز المحيطة داخل المدينة، من جهة ثانية، قام عناصر من الفرقة الرابعة وشعبة المخابرات العامة بالتضييق على المواطنين الذين يتنقلون بين مناطق نفوذ النظام السوري في مدينة حلب وحيي الشيخ مقصود والأشرفية الخاضعين لنفوذ القوات الكردية.

تزايد الاغتيالات في الهول.. ومخاوف حول المساعدات الإنسانية

تشير الأوضاع الأمنية في مخيم “الهول” إلى مزيد من التدهور، وسط أسئلة كبيرة حول مصير عائلات “داعش” المحليين والأجانب، وكيفية التعامل مع هذا الملف الإشكالي في ظلّ تغيّر الخارطة الأمنية في المنطقة

حيث أعلن المتحدث باسم مكتب الأمم المتحدة، في إفادة صحافية أمس، عن مخاوف الأمم المتحدة حيال تصاعد العنف في “مخيم الهول”، وقال إن المنظمة الدولية تلقّت تقارير صحافية تفيد بمقتل 12 سورياً وعراقياً، خلال النصف الأول من يناير/ كانون الثاني بمخيم الهول للاجئين في شمال شرقي سوريا، ويضمّ نازحين وأسر مقاتلين من تنظيم “داعش”.

وتوجّه لايركه إلى السلطات المسؤولة عن الأمن في هذا المخيم قائلاً: “كل عمليات توصيل المساعدات تتعرض للخطر، عندما يرتفع مستوى انعدام الأمن لما نراه الآن”.

داعشيات

من جهتها، أقرّت “الإدارة الذاتية” لشمال وشرق سوريا، بحصول تدهور أمني في مخيم الهول بمحافظة الحسكة، مشيرة إلى أنها حذّرت مراراً الأمم المتحدة والمنظمات المعنية مما يحصل في هذا المخيم الضخم، الذي يؤوي عشرات آلاف الأشخاص وبعضهم من أفراد عائلات تنظيم “داعش”. وجاء موقف “الإدارة الذاتية” كردٍّ على دعوة أصدرتها الأمم المتحدة أمس وشددت فيها على ضمان سلامة قاطني المخيم وموظفي الإغاثة فيه.

وحول هذه القضية، أفادت مصادر الإدارة الذاتية، إلى أن الحكومة العراقية “ترفض استعادة مواطنيها ولم تستجب مناشدات لإعادة أكثر من 30 ألف لاجئ يشكلون عبئاً على الإدارة” في المخيم.

وأشارت إلى بقاء نحو 25 ألفاً من النازحين السوريين، يتحدّر غالبيتهم من المناطق الخاضعة لسيطرة القوات الموالية لرئيس النظام السوري بشار الأسد، قائلاً إن “هؤلاء يرفضون العودة لأسباب سياسية وخشيةً من الملاحقة الأمنية والاعتقال وتعرضهم للتعذيب” في حال غادروا مخيم الهول.

تدقّ المؤشرات الأخيرة ناقوس الخطر في الشمال السوري، وتثير مخاوف جمّة حول مصير المنطقة التي باتت خزان ثروات سوريا، بعد أن أتى الخراب على كلّ موارد الدخل الأخرى، الزراعية والصناعية، بما يشي بأنّ من يملك القرار في مناطق شمال شرق سوريا، هو من يملك القرار السياسي في البلاد.

ليفانت

اترك رد