المجلس العسكري الأعلى … ضرورة ثورية أم رفاهية ائتلافية؟؟

العميد الركن أحمد رحال

علمنا تاريخ الثورات على مر الأزمان أن الثورات المسلحة تنتصر بأخلاقها أولاً، وبتلازم حراكها السياسي مع حراكها العسكري ثانياً، وبالدعم الحقيقي اللامحدود من حاضنتها الثورية ثالثاً وأخيراً.

انطلاق تسميات المجالس العسكرية الفرعية في الجغرافية السورية تم بعد انطلاق ثورة الشعب السوري الحر، وبقدر ما كانت تلك المجالس ضرورة ميدانية لترتيب العمل العسكري على الجبهات، كان ينقصها القيادة الوازنة والقيادة صاحبة الفكر (الضباط) التي ترسم استراتيجية العمل وتوجه الأطراف وتبحث عن أفضل شروط النجاح، ومن المؤكد أن المجلس العسكري الأعلى هو من كان يجب أن توكل له تلك المهام لتنظيم عمل المجالس العسكرية الفرعية التي فاقت أعدادها العشرات في بعض الأوقات.

لكن غياب الإرادة السياسية المقصودة، وغياب وحدة مصدر الدعم، وكذلك إرادة الداعم التي تحب التفرد والابتعاد عن القيادات المنظمة، وغياب القيادات الوطنية، وغياب القرار الوطني المستقل، كلها مجتمعة منعت أو ساعدت على منع إنشاء المجلس العسكري الأعلى.

مع انطلاق مؤتمر “أنطاليا” (4_8/12_2012) ارتكب الائتلاف الخطأ الاستراتيجي الأكبر كتنظيم سياسي أوكلت له مهمة قيادة الثورة، عندما تنازل للدول الداعمة ووافق على فصل الجناح العسكري عن الجناح السياسي، وتخلى عن الحراك المسلح بشقيه مجلس الثلاثين والفصائل ووافق على تبعيتهم لغرفتي “الموك والموم”، وأصبح وحيداً يغرد دون أي رابط بذراع القوة الذي يحقق له طلباته السياسية، وكان يٌفترض بأعضاء الائتلاف الوطني أنهم قرؤوا التاريخ، ولديهم من الخبرات السياسية المتراكمة، التي تجعلهم يحملون بصيرة سياسية، ورؤية ثاقبة مستقبلية، أن يدركوا أن تلازم المسارين العسكري والسياسي ضرورة تمليها المصلحة العامة للثورة، وأن الانصياع لرغبات الدول هو قرار انتحار للثورة، لكنهم خذلوا حاضنتهم، وأوكلوا الأمر للداعم والممول والراعي، ويبدو أن آمالهم حينها، وتوقعاتهم الغبية، أن نظام الأسد بطريقه للسقوط، وعليهم الالتفات لتوزيع المناصب السياسية والمنافع والمرابح، وترك هموم العسكر لحلفائهم وأسيادهم من الدول التي ستتكفل بهم، لأن الوقت أدركهم وقد يستفيقون صباح الغد على خبر هروب الأسد وسقوط النظام، والأسوأ من ذلك أن بعضهم الآخر اعتبر أن وجود الضباط كشريحة منظمة ووازنة ولها مكانتها الاجتماعية والقيادية، قد تكون عثرة بطريق بعض الكتل السياسية للقفز على كرسي السلطة، لذلك كان قرارهم الاستراتيجي الأوحد الذي أخذوه ولم يتراجعوا عنه طيلة سنوات الثورة، هو إبعاد الضباط عن مصدر القرار، ومنع تنظيمهم، ومنع اقترابهم من قيادة الثورة، بل أكثر من ذلك عندما تركوهم بلا مصدر رزق ولا رواتب (رغم مئات ملايين الدولارات التي بعثروها) ووضعوهم بمواقف الذل والتشرد مع عائلاتهم وأولادهم (بات الضابط يخشى النظر بعيون أطفاله التي تسأل ما الذي فعلته بنا؟؟)، وهم من تركوا المناصب والمراتب والمكاسب والتحقوا بالثورة، رافضين البقاء بجيش يقتل شعبه.

صيحاتنا في قاعات مؤتمر “أنطاليا” واجتماعاته حينها جوبهت بحائط من الصمت المطبق تارة، وعدم الاكتراث تارة أخرى، وعندما رفعت الصوت كقائد لوفد الساحل بالمؤتمر، كان هناك قرار مشترك من أطراف متعددة بضرورة طرد هذا (المشوش)، وفعلاً تم طردي من المؤتمر باليوم الثاني (وطُرد معي الكثير كما تم تغييب الكثير من الضباط الأحرار عن المؤتمر)، وتفرغوا مع زبانيتهم لتوزيع الكراسي والمناصب على من وافق على خططهم وقراراتهم التي حذرنا منها وأوصلتنا لما نحن فيه اليوم.

منذ عام 2013 وكل الضباط الوطنيين ينادون بصوت عالٍ، بضرورة تشكيل مجلس عسكري أعلى، وتمت مخاطبة الائتلاف عشرات المرات لكن دون جدوى، الائتلاف الذي اعتمد على وضع اسم أحد أعضائه بكل لجانه العسكرية (ه.ر)، وعندما حاولنا أن نبحث هل كان هذا العضو مرجعية عسكرية أو ذا تاريخ بالعمل العسكري أو الأكاديمي أو الميداني، لم نجد من ذلك شيئاً، بل وجدنا أن دوافع اختياره هي فقط تبعيته لتيار سياسي مسيطر على الائتلاف، هذا التيار الذي يُجير كل القرارات الحاسمة وكل اللجان الهامة لأعضائه أو المحسوبين عليه خشية أن تفلت منه زمام السيطرة على القرار، ومن تلك البوابة أُوكل أمر اللجان العسكرية له ما دام حيا.

مع انطلاق جولات التفاوض في جنيف وجد الضباط فرصة للتذكير بضرورة وجود مجلس عسكري أعلى، يشكل شريكا ومرجعية عسكرية للمفاوضين بشأن الحراك المسلح، ويرسم استراتيجية عسكرية لابد من وجودها بالمفاوضات، كون الأجهزة الأمنية ووزارة الدفاع والجيش، جزءا هاما من قضايا خلافية بين الثورة ونظام الأسد، لكن طلباتنا استعيض عنها حينها باختيار عشوائي لأربعة ضباط يمثلون بعض الفصائل المدعومة وتم رمي طلباتنا بأقرب سلة مهملات وهم بطريقهم لمطار السفر إلى جنيف.

عندما أوعزت الدول الراعية للقرار مجلس الأمن 2254 للمملكة العربية السعودية بضرورة إنشاء هيئة عليا للتفاوض قلنا إن ضالتنا وجدناها وعدنا لنتواصل مع قيادة هيئة الرياض1 لنؤكد على ضرورة وجود تلك المؤسسة العسكرية الضرورية، لكن طلباتنا لم تجد مصيراً أفضل من سابقاتها وتم التطنيش.

بدخول قادة الفصائل العسكرية كمكون أساسي بهيئة التفاوض بنهاية مؤتمر الرياض1، وكذلك في مكونات الرياض2، عدنا لنؤكد على ضرورة إنشاء مجلس عسكري أعلى، كضرورة تمليها المرحلة التفاوضية، وكمرجعية حتمية للكتلة العسكرية التي أصبح لها 7 مقاعد بالهيئة التفاوضية، لكن من أراد أن يٌبقي تلك الكتلة تحت وصايته ويسيطر على قرارها (الائتلاف طبعاً)، طنش على طلباتنا وعدنا بخفي حنين.

ما الغاية من المجلس العسكري الأعلى؟؟
المجلس العسكري الأعلى يعتبر الجهة الضابطة للحراك المسلح، والموجه الأساسي للعمل العسكري، والراسم لاستراتيجية الصراع، بما يضم من ضباط رفيعي المستوى بخبراتهم المتراكمة وبقراءتهم المستقبلية وبمعارفهم التخصصية وبحكمتهم القيادية التي اكتسبوها على مدار عشرات السنوات بخدمتهم العسكرية.
المجلس العسكري الأعلى هو السلطة العليا التي تخضع لها وزارة الدفاع وأركانها ووحداتها، وهو من يحاسب ويكافئ قادات الفصائل والوحدات، وهو الناظم للعمل العسكري على الجبهات والميادين، وهو صاحب قرار الحرب والسلم (بالتنسيق مع القيادة السياسية التي ينضوي تحت جناحها كموجهة وقائدة له)، مسؤول أمام القيادة السياسية ويخضع لأوامرها وتوجيهاتها، يدرك بنظرته الثاقبة أين يجب أن تُفتح المعارك عبر معرفته بالقطاعات الرخوة والضعيفة للعدو، ويحدد أين تكون معارك التثبيت، يخطط لمعارك وهمية وأعمال مشاغلة يربك بها غرف عمليات العدو على الجبهات، يناور بالقوات ليسد الثغرات، يحدد وقت المعارك، ويحدد وقت إيقافها، وبما يتناسب مع قرارات الجناح السياسي وبما يحقق الأهداف، يهتم بحالة القوات ويستثمر أوقات الهدوء للتمويه والتحصين على الجبهات، ولا تغيب عنه حاضنته الشعبية فهي البوصلة التي تحركه ولا تغيب حاجاتهم عن ناظريه، ويهتم باستقرارهم واستتباب الأمن في ربوعهم.

المجلس العسكري الأعلى هو الذراع العسكري للقيادة السياسية الذي يساند عملها على طاولة المفاوضات، فيتحرك ويُشعل الجبهات عندما يرفض المفاوض الآخر القبول بطلبات الجناح السياسي للثورة ليشكل حالة ضاغطة تُجبره على الانصياع، وهم المهدئ للجبهات عندما يكون جناحه السياسي في لحظة قطاف الثمار وتحقيق الأهداف التي تلبي مطالب الحاضنة الثورية، يتحرك بأوامر الساسة ويلتزم بتوجهاتهم، ويهيّئ كل الظروف ليجعل من المفاوض السياسي السيد المتحكم على طاولة المفاوضات.

المجلس العسكري الأعلى ليس عدة ضباط يتم اختيارهم بشكل عشوائي ليتم لزقهم بالائتلاف كي لا ينفرط عقده كتعويض عن أعضاء ائتلافيين مستقيلين، ولا صوت لانتخابات ائتلافية يرجح فوز سياسي على آخر كلاهما فاسد، ولا مطبل لبيانات تتحدث عن قرار أمريكي يخص الصحراء الغربية بالمغرب، بينما يمتنع أعضاؤه ويرجفون من إصدار بيان يدين اعتقال ضابط من قلب الثورة. 

المجلس العسكري الأعلى لا يقبل المشاركة بمؤتمرات تخدم النظام، ولا يقبل بوزارة دفاع شكلية لا تملك السلطة على وحداتها ولا تملك قرار الحرب، تعمل كواجهة إعلامية، والمجلس العسكري لا يقبل أيضاً بقادة أغرار، هواة، جهلة، ساقتهم أقدار الداعم ليتصدروا المشهد العسكري وبما ينعكس وبالاً على مستقبل الثورة، هواة منتفعون لا يحملون الخبرات ولا يحملون المعرفة ولا يحملون الحكمة ولا طاقة لهم بالمواجهة الحقيقية بالمعارك، (بدليل أن كل إنجازات نهاية عام 2011 وكل إنجازات 2012 عندما سيطرت الثورة على قرابة 68% من الجغرافية السورية صرفها هؤلاء المتربعون اليوم على القيادة بطيشهم ونزواتهم وجهلهم وقسم منهم يمكن أن نقول بعمالتهم).

المجلس العسكري الأعلى وخبرات ضباطه لا يمكن أن تسمح للتنظيمات الإرهابية بالسيطرة على مجريات الثورة أو الاقتراب من حاضنتها، ولا تسمح لها بابتلاع 25 فصيلا من حراكها، لأن الضباط بوعيهم ومعارفهم وخبراتهم العسكرية والسياسية يدركون تماماً أن تلك التنظيمات القاعدية والداعشية وما لف لفها لا تقل خطورة وعداوة وقتلاً وتدميراً عن نظام الأسد وحلفائه المجرمين.

هل علمتم الآن لماذا كان وما يزال ممنوعاً على الضباط التجمع وممنوعاً عنهم أيضاً تشكيل مجلس عسكري أعلى؟؟

أورينت

اترك رد