اعتراض كُردي على عروبة سوريا خلال مُفاوضات اللجنة الدستوريّة

بدأت في الخامس والعشرين من يناير الجاري، اللجنة الدستورية السورية جولة مفاوضاتها الخامسة في مقر الأمم المتحدة بجنيف، حيث ترأس الجلسة الأولى المبعوث الأممي إلى سوريا، غير بيدرسون، الذي كان وصف الهدوء في سوريا بالهشّ، وحذّر من أنّ الوضع يستدعي “مفاوضات حقيقية”، لأنّه قد ينهار في أي لحظة.

وكان مقرراً أن تناقش اللجنة المصغرة المنبثقة عن اللجنة الدستورية المبادئ الأساسية للدستور، حسب ما تم الاتفاق عليه في ختام الجولة التي عقدت في جنيف، في 30 من نوفمبر، وحتى 4 ديسمبر الماضيين، إذ تتكوّن الهيئة المصغرة للجنة من 45 عضواً، تم تشكيلها بالتساوي بين الفرق الثلاثة، وبواقع 15 عضواً من كل فريق، منها فريق للنظام السوري، وآخر يمثل المعارضة، وثالث شكلته الأمم المتحدة ليمثل “المجتمع المدني”.

وفي الصدد، ذكرت مواقع إخبارية أنّ وفد النظام خرج عن جدول الأعمال المحدد، واتجه إلى إدخال عملية الإصلاح الدستوري في حفرة “السيادة والعروبة والإرهاب”، وهو ما أثار حفيظة بعض الأطراف، حيث عرضت مواقع كُردية سورية، كلمة ألقاها “كاميران حاجو”، وهو أحد ممثلي المجلس الوطني الكردي المنضوي ضمن صفوف الائتلاف السوري، في اللجنة الدستورية المصغرة.

وقال حاجو: “منذ يومين برزت مداخلات من بعض الزملاء حول موضوع العروبة.. ولا شك بأنّه لا مشكلة مع العروبة كحالة قومية وحتى كحالة حضارية، لكن هل من الحضارة بشيء أن يكون ذلك على حساب حرمان الآخرين من حقوقهم وإنكار وجودهم؟ وهل صحيح بأنّ العروبة قدمت النموذج الأفضل في العالم بمواجهة مشاريع التقسيم؟ عن أي مشاريع تقسيم يتحدّث السيد المداخل، وقد استند في إحدى المداخلات على حديث نبوي شريف يقول “من تكلم العربية فهو عربي”. لقد شككت بصحة الحديث ولأنني لست ضليعاً في الشأن الديني أحلت الموضوع إلى غوغل الذي أفادني بأنّ الحديث ضعيف جداً بحسب موقع إسلام ويب”.

مضيفاً: “لنأتي الآن إلى الواقع ونرى مدى واقعية هذا الحديث: أنا أتكلم العربية ودرست بالعربية ولكنني لست عربياً ولن أصبح عربياً مهما حصل وإلى يوم القيامة ولا توجد أي قوة تستطيع أن تحولني إلى عربي أو إلى أية قومية أخرى، وفي هذه القاعة العديد من الأمثلة التي تدحض ذلك الحديث، فمثلاً السيد بيدرسون يتحدّث الإنكليزية، وكذلك الرئيسان المشتركان، فهل هم إنكليز؟ السيد نعومكن يتحدّث العربية فهل هو عربي؟”، مستكملاً: “السؤال الأهم هو لماذا حاول السيد المداخل استخدام الدين وعبر الاستناد إلى حديث ضعيف جداً للرسول الكريم لغاية سياسية، هل يجوز ذلك؟”.

وشدّد حاجو على أنّه “لا أحد يعترض على اعتزاز العربي بعروبته وبلغته العربية، لكن ما نعترض عليه هو أنّ البعض لا يقبل أن يعتز الكُردي بكرديته ولا الآشوري بآشوريته، وما يعتبره حقاً لنفسه لا يمكن التنازل عنه، ينكره على الآخرين ويعتبر ذلك جريمة تستحق العقاب. كيف لنا أن نتحدّث عن مفهوم المواطنة المتساوية ولا نقر بوجود الآخر المختلف”، مستدركاً: “نتحدث ونعتز بالتنوع الثقافي وفي نفس الوقت نقتل هذا التنوع بإنكاره”، و”لا نريد لمثل هذه الأفكار أن تدمر ما تبقى من سوريا المتنوعة قومياً وثقافياً”.

وتساءل حاجو: “كيف لنا أن نتحدّث عن المساواة في الحقوق وأنت ترى أنّ العروبة هي الحضارة وتطلب من باقي المكونات السورية الإقرار بهذه الحقيقة، وهذا يعني بأنك تنكر عليهم مشاركتهم في تكوين الحضارة التي تتحدث عنها، أفليست الحضارة تعريفاً هي مجموعة المظاهر العلمية والأدبية والفنية وكذلك الاجتماعية الموجودة في المجتمع، وأن الحضارات الإنسانية المختلفة هي فعل تراكمي استند في كل مرحلة إلى التجارب التي سبقته؟”. متابعاً تساؤلاته بالقول: “كيف لك أن تقنعني بالمساواة بين المواطنين السوريين، والقوانين السورية تصف المواطن السوري بالعربي وليس بالسوري، كقانون الجنسية رقم 276 لعام 1969، وقانون الأحوال المدنية رقم 26 لعام 2007؟”.

الخارجية الروسية تؤكد انسحاب المقاتلين الكرد

وأردف حاجو: “دعوني أذكّر حضراتكم ببعض الأمور التي جرت باسم العروبة: تم إنكار وجود الكورد والسريان الآشوريين وغيرهم من القوميات غير العربية، تم تجريد مئات الآلاف من الكُرد من الجنسية (بموجب الإحصاء الاستثنائي)، تم تغيير أسماء مئات القرى من الكردية إلى أسماء عربية، تم جلب الغمر لتغيير التركيبة السكانية، تم منع الثقافة واللغة الكردية والسريانية، تم منع الاحتفالات بالمناسبات القومية، كعيد النيروز ورأس السنة الآشورية”، مستهجناً “الربط الميكانيكي السافر بين حصول القوميات غير العربية على حقوقهم وتهديد العروبة”.

واستطرد المُمثل الكُردي: “أنا كُردي أنا سرياني أنا تركماني.. فلماذا تصرّ على أن تضعني في القالب الذي تريده وتفصله على قياسك؟ عليك أن تقرّ بوجودي إلى جانبك حتى أطمئن وأصدق حديثك عن المواطنة المتساوية”، متابعاً: “منذ تأسيسها (بقرار استعماري) كانت الدولة السورية دولة تنوع بكل مستوياتها، إلأ أنّ محور التنوع القومي تم تغييبه عن كل الدساتير، ويبدو بأنّه ما تزال هناك محاولات تصب بذلك الاتجاه تحت اسم المواطنة والوطنية.. هل تعرفون كيف كانت تجربتنا مع الهوية العربية لسوريا منذ نشأتها؟ أعتقد بأنّ الأمر لا يحتاج إلى الكثير من الدراسة والدراية بقدر ما يحتاج إلى القليل من التفكير بالآخر الذي تم محاصرة وتهميش هويته واسمه وثقافته في كل المجالات والمستويات، هل شاهدتم يوماً عملاً درامياً سورياً ينطق أحدهم خلاله بالكُردية؟ هل تم تسمية اسم شارع وأحد بأسماء شخصيات غير عربية إسلامية؟”.

واستنتج الممثل الكردي ضمن اللجنة المصغرة: “إنّ أي هوية وطنية سورية لا تنهل من حالة التنوع القومي والديني والثقافي والحضاري وعلى كامل المسار التاريخي لنشوء الحضارة في هذه البقعة التي تسمى سوريا، ستكون هوية عرجاء وناقصة ولا تعكس الهوية الحقيقية لسوريا التي ما تزال تذخر بكل ذلك التنوع وبتجلياته الواقعية في الموسيقى والغناء والأدب، وأيضا اللهجات المحلية وفي أسماء مئات القرى والبلدات، وما تشهد عليه الأوابد التاريخية والرقم والآثارات تحت الأرض وفوقها، والتي تؤكد حضوراً حضارياً متنوعاً في الهوية السورية الراهنة”.

متابعاً: “إنّ دولة المواطنة أيتها السيدات أيها السادة يجب أن تصف تماماً حالة دولة كل المواطنين، أما إذا ألحقت الدولة وهويتها بأية صبغة قومية أو دينية أو أيديولوجية فستكون حينها دولة بعض السوريين، ودولة الغلبة والفرض والإقصاء على البقية”.

هذا وكانت قد نصّت الفقرة الرابعة من قرار مجلس الأمن “2254”، على أنّ العملية السياسية في سوريا تتضمن إنشاء حكم شامل وغير طائفي خلال ستة أشهر، وعقب ذلك يتم النظر في النظام الدستوري للوصول إلى انتخابات برلمانية ورئاسية في 18 شهراً، أي أنّ الدستور حسب الوثائق يأتي ما بعد “هيئة الحكم الانتقالي”.

ليفانت

اترك رد