روسيا والطريق الوعر إلى الديمقراطية

محمود الوهب

يبدو أنَّ الطريق إلى الديمقراطية الذي قررت روسيا أن تسلكه، منذ ثلاثة عقود، ونصف العقد، على يد السيد ميخائيل غورباتشوف، غدا اليوم مع صرخات المعارض أليكسي نافالني أكثر طولاً وأشدَّ تعقيداً مما خطر ببال صاحب فكرتيْ البيروسترويكا، والغلاسنوست، (إعادة البناء والعلنية) فالاتحاد السوفييتي “العظيم” قد غُيِّب عن الوجود خلال سنوات خمس كاشفاً عن حقائق لها تأثير بالغ في مسيرة روسيا، منذ ثورة أكتوبر عام 1917 وإلى الآن! وتعود تعرُّجات طريق الديمقراطية، وعثراته إلى بقايا النظام الإقطاعي الممتزج بالعبودية (انتهى نظام القنانة في روسيا بقرار أصدره الإسكندر الثاني عام 1861) لكن الفلاحين أُجبروا في عهد ستالين على العمل الزراعي التعاوني والتخلي عن أراضيهم مقابل ذلك الأمر الذي استنبت بذور البيروقراطية السوفيتية، وجعلها تتوالد وتنمو، ثم تترسخ مع إقرار نظام الحزب الواحد الذي جاء محتواه مناقضاً للديمقراطية الغربية ذات الأفق الأوسع مما جاء به لينين “الديمقراطية الشعبية” التي تجلت بسلطة الفرد الواحد بدءاً من أمين الخلية الحزبية الأصغر إلى الأمين العام للحزب، كما طبقت على عموم الهيئات الإدارية في الدولة والمجتمع.. فلكل هيئة عمالية أو نقابية رأس يدبر أموره ويوجهه.. حتى وإن كان كياناً تشريعياً أو تنفيذياً.. إنتاجياً أو خدمياً ما يكشف عن عمق تلك البيروقراطية لدى مجيء غورباتشوف ومحاولته هدمها. فعملت على تحطيم أحلامه، إذ قادت ثورتها المضادة، فقفزت فوق تلك الأفكار، متجاوزة حتى عتاتها “الضباط الأربعة” الذين كانوا يرون أنَّ مؤامرة إمبريالية تحاك ضدّ وطنهم، فقاموا بانقلاب فاشل، تصدى له الأمين الأول للجنة المنطقية لمنظمة موسكو “بوريس يلتسن” الذي أتى به غورباتشوف ذاته، فقاد تلك البيروقراطية لا إلى إسقاط الاتحاد السوفييتي، وتفكيكه فحسب، بل إلى بيع ثرواته، ونقل معادلها المالي إلى أميركا وأوروبا حيث الأمن متوفر لها!

فهل تراه “أليكسي نافالني” ينجح مع هؤلاء الشباب بتصفية ذلك الإرث؟ وهل يستطيع فعلاً أن يمنع بوتين من تحقيق طموحه في حكم روسيا حتى العام 2036؟!

كان غورباتشوف قد وصل إلى المكتب السياسي عام 1979 وهو في عمر لا يزيد عن ثمان وأربعين سنة، ما يعني عز الشباب إذا ما قيس بقيادات الحزب الشيوعي والدولة السوفييتية التقليدية التي كانت تتراوح بين عقديْ السبعينيات والثمانينيات، وترأس غورباتشوف مجلس السوفييت الأعلى عام 1985 وهو في الرابعة والخمسين، أي عمر الأحلام الواقعية الزاهية المرتبطة بالقدرة على الفعل، وبخاصة، إذا كانت الأداة جاهزة، والهمة عالية، وهو الذي تطلع إلى إعادة البناء لتكون الدولة على قدر المنافسة الشاملة في الحرب الباردة، وكان قد تأثر بالحياة الغربية لدى زياراته المتكررة، عندما كان رئيساً للشبيبة الشيوعية في الاتحاد السوفييتي، فقد أدرك أن السبب الرئيس في تخلف الاتحاد السوفييتي، يعود إلى القبضة الفولاذية للبيروقراطية التي تحكم البلاد، وتتحكم بمفاصلها كافة! وأن الحال إذا ما استمر، فسوف يخسر الاتحاد السوفييتي مباراته، وكانت هذه الحقيقة ماثلة أمام غورباتشوف، ويدركها من يعرف حقيقة الاتحاد السوفييتي من الداخل، وبخاصة بنيته الاقتصادية التي تغطي عجزها مبيعات النفط والغاز والسلاح، ما يعني أن بنية دعامة الاقتصاد الرئيسة هي أقرب إلى الاقتصاد الريعي، بينما يفترض في الاقتصاد الاشتراكي أن يقوم على وفرة الإنتاج، وجودته، ونموِّه المستمر، فهو وحده ما يؤسس لبنىً ديمقراطية فعلية.. فالديمقراطية لا تتجسد بصندوق الانتخاب فحسب، بل هي بناء مؤسساتي يفرضه أسلوب الإنتاج نفسه وينعكس، على نحو أو آخر، في الذهنية العامة للمجتمع، وهي التي من جهة أخرى تراعي حقوق الفرد، وحقوق المواطنة العامة، وجماعات الأقلية بالقوانين التي تنظم سير مؤسساتها المجتمعية المختلفة. وقد رأى العالم، في الأمس القريب، انتصار مُثُلِ الديمقراطية، ومنظومات قيمها في الولايات المتحدة الأميركية، رغم كل “الصراعات الأميركية” التي قام بها دونالد ترامب الرئيس السابق لقلب موازينها، لكنها بقيت على رسوخها بل الذي اهتز هو “ترامب” ذاته وحزبه الجمهوري.. 

اليوم ومن خلال عشرات ألوف الشباب الذين نزلوا إلى الشوارع خلال الأحدين الماضيين واعتقل منهم الآلاف، وكل هؤلاء نشؤوا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وعاشوا في ظلال ديمقراطية قامت على إرث بيروقراطي راسخ بأدواته السابقة.. فهل تراه “أليكسي نافالني” ينجح مع هؤلاء الشباب بتصفية ذلك الإرث؟ وهل يستطيع فعلاً أن يمنع بوتين من تحقيق طموحه في حكم روسيا حتى العام 2036؟! وبالتالي أن يصل مع هذا الجيل الشاب إلى ديمقراطية فعلية طالما طمح الروس إليها منذ ما قبل ثورة أكتوبر؟! وهل يستطيع نافالني إسقاط هذا الركام من نفايات البيروقراطية الروسية المتأصلة؟! فإذا كانت الأولى تكونت بفعل الديمقراطية الشعبية، وبوهم الحرص على الدولة السوفييتية، فإن هذه التي يرأسها بوتين اليوم، هي طغمة لصوصية استغلت سقوط الاتحاد السوفييتي، لتنهب ثروات شعبه، وتبيعها بأثمان بخسة، وليثرى أقطابها، في وقت قصير نسبياً، ولم يكن ثراؤهم بفعل الإنتاج، بل بفعل الفساد الذي يتلخص بالرشاوى والعمولات المختلفة.. المعتقد أنه لا يمكن لهذه البيروقراطية التي ارتدت ثياب الديمقراطية أن تسلّم هكذا ببساطة وخصوصاً أن بوتين الذي كان ضابط أمن صغير ينظر إلى نفسه اليوم على أنه قيصر وخاصة أنه قد بنى مجداً من خلال بعض المعارك التي ربحها في أوكرانيا وسوريا، ويعتقد بأنه أعاد لروسيا شيئاً من هيبتها.. وحقق في الداخل ارتفاعاً في مستوى المعيشة، وانخفضت معدلات الفقر من 30% إلى 13% لكن متوسط دخل الفرد لا يزال دون الـ 500 دولار كما أن ترتيب الاقتصاد الروسي عام 2016 هو الثاني عشر في العالم.. فيما “أظهر استطلاع للرأي أجري عام 2018 وشمل 1400 مدير لشركات روسية غير نفطية مستوى عالياً من التشاؤم، إذ وصفت الأغلبية الوضع الاقتصادي بأنه كارثي”.

وما دام الاقتصاد في النهاية يقرر كل شيء (بحسب ماركس) فهل ينجح نافالني في الوصول إلى الديمقراطية المنشودة وخصوصاً بعد أن فضح بوتين في قصة استراحة البحر الأسود (القصر الرشوة) الذي تبلغ مساحته سبعة آلاف متر مربع، وفيه من وسائل الراحة والمتع ما يذهل.. أم إن “القيصر” ولأجل ذلك يغرق روسيا بالدم؟!

تلفزيون سوريا

اترك رد