إبداعات أسدية

ميشيل كيلو

انتقل التعامل الأسدي مع الاعتداءات الإسرائيلية المسلحة من طور أول استمر نيفا وأربعة عقود، أمضاها جيش الصمود والتصدّي الأسدي في البحث عبثا عن الزمان والمكان الملائمين للرد عليها. وبما أن هذه الفسحة الزمنية لم تكن كافية، فقد قرّرت الردّ عليه بضربٍ جديدٍ من المقاومة عبّر خير تعبير عنه امتناعها عن إذاعة بياناتٍ تعترف بوقوع غاراته، بما أن التطرّق لضرباته التي لا تحقق أهدافها دوما، يرفع روحه المعنوية ويغطي فشله.

لكن جيش المقاومة والصمود، الذي عثر من دون إبطاء على الزمان والمكان الملائمين لسحق السوريين بالملايين، وانتقل إلى الهجوم عليهم حتى قبل مطالبتهم بالحرية، ووجدهما في كل شبر من وطن السوريين الذي أقسم على حمايته، قبل أن يكتشف خيانة شعبه وتآمره مع العدو الإمبريالي/ الصهيوني، ويحتم واجبه الوطني انقضاضه عليه، بصفته شرط انقضاضه على الصهاينة المنتشرين في كل بيت وقرية وبلدة ومدينة سورية، ورفضوا، لهذا السبب، تسامحه الذي خصّهم به أربعين عاما، امتنع خلالها عن قتلهم، على الرغم مما ساوره من شكوك فيهم!

بسبب أولوية الحرب على عملاء الصهيونية، وعدم خلط المهام ببعضها وما ينتج عن خلطها من إرباك يصيب فاعليته، اكتشف الجيش المقاوم أن تركيزه على هذه الحرب هو الذي حال دون عثوره على زمان ومكان الرد على “العدو”، وامتناعه عن إسقاط أيٍّ من طائراته، وإطلاق ولو قذيفة هاون بحجم “كوساية” على مواقعه في الجولان. واليوم، وبعد أن قضى على ملايين المتآمرين من عملاء الصهاينة، قرّر مواجهتهم وإسقاط صواريخهم دون طائراتهم، وتدمير أعداد كبيرة منها في كل بيان عسكري يصدره، في إثبات قدراته الخارقة التي تفشل غاراته بإسقاط صواريخه ومنعها من إصابة أهدافها، والسماح لطائراته التي تطلقها بالعودة إلى مطاراتها خائبة مدحورة، وطياروها يرون عجزهم عن تحقيق مهامهم، لأن صواريخهم تتساقط بالجملة، بصواريخ ينفرد جيش الأسدية بامتلاكها واستخدامها، تتحاشى إصابة الطائرات المعتدية تفاديا لما قد ينشأ من ردود فعل العدو الحقير، الذي سيطالب بطياريه الأسرى، فإن رفض جيش الصمود والتصدّي إعادتهم، دفع ثمنا باهظا لرفضه، وفهمت إنسانيته علامة ضعف.

لهذه الأسباب، قرّرت القيادة الحكيمة الاكتفاء بإسقاط صواريخ الصهاينة وحدها، وإن كانت أسرع من صواريخ أرض/ جو السورية، أو أطلقتها من طائرات “تبيض” شاشات الرادارات وتعطلها، وهي تهاجمها وتقصفها!

هذه النقلة من البحث عن مكان وزمان بحث جيش الأسد عبثا عنهما، نيفا وأربعين عاما، إلى إسقاط الصواريخ من دون الطائرات التي تطلقها، تقدّم فكرة وافية عن بلاهة من يقتلون شعبهم ويتركون وطنهم من دون دفاع، ويغطّون جريمتهم المزدوجة بأكاذيب تفضح افتقارهم إلى أي شعور بالشرف الشخصي والمهني، وتبقي سورية وتبقيهم تحت رحمة عدو يجتاح وطنهم منذ عقود، أمضوها في نهبه وترويع مواطنيه وإذلالهم. وها هي الثورة تؤكد أن الدفاع عن سورية لم يكن من مهامهم التي اقتصرت على قتل شعبها بما اشتراه لهم من أسلحةٍ ليحموه بواسطتها من “عدو” يدرك، منذ الثورة، أنه ليس عدوهم، ولذلك لم يقاتلوه يوما، بذريعة انتظار زمان ومكان معركة لم ولن تأتي، بينما كان هو، كعدو داخلي لهم، تحت أيديهم، زمانيا ومكانيا، وفي مرمى سلاحهم، الخفيف والثقيل، وتبين أن القضاء عليه ليس مشكلة، إن تم بمشاركة جيشي إيران وروسيا الشقيقين، وبما زوّداه به من أسلحةٍ جرّبها الرفاق الروس على بناته وأبنائه، وأبدوا اعتزازهم بنتائجها التي شجعتهم على استخدامها ضد إرهابيي سورية، أي مواطنيها العزّل الذين دفعهم العدو الإمبريالي/ الصهيوني إلى المطالبة بحريتهم، على الرغم من وفرتها لديهم وندرة ما يماثلها في العالم، فاستحقوا أن يرد الجيش الأسدي بقصفهم وقتلهم، كلما هاجمته “حليفتهم” تل أبيب!

العربي الجديد

اترك رد