تمثال روسي للأسد

ميشيل كيلو

– رفَع أحد نوّاب وزير الخارجية الروسية عقيرته بنشيد إنشاد على الأسد، وقال: إن تحفّظ أي طرف دولي أو محليّ على انتخاب الأسد رئيسًا لسورية، في شهر أيار المقبل، يراد به تعطيل مؤسسات الدولة السورية الشرعية، وانتهاك القرارات الدولية عامة، والقرار رقم 2254 خاصة، لأنه لا علاقة لانتخابه بغير الدستور. ويعني الدستور الذي صاغه نظامه عام 2012، وتمنحه بنوده صلاحياتٍ لم يعُد معمولًا بها في معظم دساتير العالم، ولم تُمنح حتى لهتلر وموسوليني.

أدلى نائب الوزير بتفوهاته في حمأة تخمينات تضرب أخماسًا بأسداس، وتدور جميعها حول مصير الأسد، وهل سيسمح العالم لأجهزته بإعادة تنصيبه رئيسًا لشعبٍ رفضه طوال عشرة أعوام، وتمسّك برفضه، بالرغم مما أنزله به من دمار وقتل وتجويع وتهجير وتصفيات.. إلخ، ويرفض معظم من هُجّروا من وطنهم العودةَ إلى منازلهم، لأنها تحت سيطرة جيش ومخابرات الأسد، ويفضلون الموت تحت أشجار الزيتون وفي العراء، على العيش تحت احتلاله.

  ومع أن واشنطن تركت موقفها من الأسد غائمًا، وظلّت تصريحات مسؤوليها بشأنه مائعة، ترفض تارة رفضًا مطلقًا التمديد لرئاسته، وتجعله طورًا مسؤولية الشعب السوري، أسوة بما تقوله موسكو التي قتلت السوريين ودمّرت بيوتهم على رؤوس أطفالهم ونسائهم، من أجل “تعزيز اختيارهم الحرّ والصحيح”، بلسان وزير خارجيتها السيد لافروف، الذي يرى في الأسد ونظامه ضمانةً لا يمكن التخلي عنها لاحتلال سورية، ولنهب ثرواتها والتحكم في حاضرها ومستقبلها، وفق ترسيمة يجدد الكرملين بواسطتها عصر الاستعمار، الذي احتفلت الأمم المتحدة بنهايته في سبعينيات القرن الماضي، ويرحب ممثلو أمينها العام به في عشرينيات القرن الحالي، ويتعاونون بإخلاص مع نموذجه الروسي، في كل ما يتصل بوضع أيدي روسيا وإيران على فريستهما السورية المستباحة، بعد أن سلّمها بشار الأسد لهما، باسم “السيادة والشرعية”، مقابل المحافظة على كرسيه، وتجديد انتخابه بانضمام موسكو إلى “المجلس العلوي الأعلى في الساحل”، المكلف بانتخاب رئيس سورية “العلماني”، بحسب اعتراف الجنرال الروسي الفريق فلاديمير تيودوروف، ملحق موسكو العسكري في دمشق، والمدير اللاحق لعلاقات الجيش الروسي الخارجية، الذي كشف خفايا توريث السلطة الأسدية، في برنامج بثه تلفاز موسكو الرسمي، باسم “حوار في الذاكرة”.

  من حق موسكو أن تحبّ الأسد أو غيره، لكن ليس من حقها أن تنصّبه رئيسًا لشعبٍ يرفضه، ولا يحقّ لها أن تشن حربًا شعواء على ذلك الشعب، بكل ما في جعبة جيشها من سلاح، لأنه يرفض استبداد من كان رئيسًا لسورية، بهذا المعنى أو ذاك، لكنه صار ربيب حماته الروس والإيرانيين، ومن غير المستبعد إطلاقًا أن تقيم موسكو له تمثالًا في أحد شوارعها، مكافأة له على إتباع سورية باستعمارها، وبقواعدها المئة وأربعة عشر القائمة في مناطق مختلفة من بلادٍ كان أسدُها قد أقسم أغلظ الأيمان بالمحافظة على استقلالها، وبالدفاع عنها، وما إنْ ذكّره شعبها بالحرية، التي حُرم منها طوال أربعين عامًا خضع خلالها لأعتى أنماط القمع والقهر، حتى انقضّ جيشه على قراه وبلداته ومدنه، وعندما أيقن الأسد أن هزيمته غدت وشيكة، استنجد بروسيا، فغزت سورية عسكريًا، بذريعة “الحرب على الإرهاب”، مقابل معلوم هو استسلام “مدعي الوطنية والمقاومة” التام لها، وتخليه عن سيادة واستقلال دولتها، وتدمير مجتمعها عقابًا له على تمرده، وهذا ما أنجزه الجيش الروسي بحماسة على كل مواطن سوري، سواء أكان مشاركًا في التمرّد أم لم يكن.

 ورثت جمهورية روسيا الاتحادية الاتحادَ السوفيتي، ويبدو أنها ورثت كذلك تجربته التاريخية، ومعظم أسباب انهياره الداخلية. ولذلك، تبدو وكأنها تكرر الأسوأ من أفعاله، بدءًا بتنصيب فلاديمير بوتين على رأس الدولة، ليذكّر سلوكه وأسلوبه في الحكم بالمرحوم ستالين، ويحصر كل شيء بشخصه، وليلوي أعناق المبادئ كي تسوغ مواقفه المجافية لها، كاستعمار دولة مستقلة بزعم “الدفاع عن استقلالها”، واستخدام القوة المفرط ضد شعبٍ يطالب بحريته، بدعوى “شرعية الرئيس” النابعة من شخصه والمقتصرة عليه، ولا علاقة لها البتة بشعبه، صاحب السيادة ومانح الشرعية المعترف به في تصريحات دهاقنة الكرملين، باستثناء سورية، حيث ليس للشعب شرعية إلا ما يضفيه الرئيسُ منها عليه، فإن أساء الشعب استعمالها وتمرّد، وجب ردعه ورده إلى بيت طاعته، وإن أوهم نفسه بأن له دورًا ما في شؤونه، أو أن له شؤونًا، كشّر ستالين الكرملين في وجهه، وأفهمه -بما لديه من سلاح- معنى السيادة والشرعية، ولقّنته قنابله وصواريخه آخر ما استجد على يديه، وفي فهمه، من أمورهما.    

 تتمسك موسكو بالأسد، وتعلن إصرارَها على تجاوز أيّ عقبةٍ تحول دون استمراره كرئيس بنعمتها، لا يحقّ لأحدٍ الاعتراض عليه، قبل أن ينال بوتين من واشنطن ما دفع ثمنَه. وبما أن البيت الأبيض لم يبدِ أيّ اهتمام بهذه الصفقة، وأيّ ميل إليها؛ فإن العلاج الروسي في سورية سيكون من جنس الداء، وسينضم أسود حميميم إلى “المجلس العلوي الأعلى” الذي سوّق، بالرعب والتخويف، أسدَه، كوطني وعروبي وعلماني، ولا بأسَ على النظام إن اقتصر من الاحتلال الروسي من حينها وصاعدًا على ما يضفيه عليه من يحتلّون بلاده، ويحمونه من عدوّهما المشترك: شعبه، دون أن يعني ذلك أنه لن يستبدله بغيره، في حال موافقة واشنطن على صفقة ثمنها رأسه. فهل توافق واشنطن، وبالمقابل يغطّي الكرملين الصفقة بتمثال يقيمه لربيبه، في مكان ما من أرياف روسيا المنسية، بعد طرده من السلطة!

حرمون للدراسات

اترك رد