منصات التواصل الاجتماعي؛ حصان طروادة للإسلام السياسي؟!

رشيدة الملاحي -مراجعة وإعداد: أحمد الرمح

إذا كان الإسلام السياسي قد فرض نفسه منذ سنوات على الباحثين والمهتمين بالحقل السياسي في العالم العربي والإسلامي، فإن التحدي الجديد الذي بات مطروحًا على هؤلاء وأولئك هو ذاك المتعلق بتطوير الحركات الإسلامية لخطابها وتكيفها مع التطورات التقنية والرقمية التي حررت خطاب هذه التنظيمات وفتحت أمامه أبواب الوصول إلى الرأي العام المحلي والعالمي.

وإذا كانت التحولات الاجتماعية والسياسية التي عرفتها منطقة الشرق الأوسط الكبير خلال القرن الواحد والعشرين قد أعادت التيارات الإسلامية إلى الواجهة، فإن تزامن ذلك مع الطفرة التقنية التي عرفها العالم بسبب الانتشار الكثيف والمكثف لشبكة الانترنت عموماً وشبكات التواصل الاجتماعي خصوصاً، أعطى لخطاب الإسلام السياسي زخمًا وتدفقاً غير مسبوقين جعل الحركات المُتَبَنّية لهذا الخطاب تنفتح على عوالم وشرائح كانت محرومة ومقصية من التواصل معها، ما سَهَّل عليها عمليات ترويج الخطاب وتنسيق العمليات الميدانية في أفق تحقيق هدفها الأسمى: الانقضاض على الحكم.

ننطلق إذن من هذا المرتكز لتسليط الضوء، في هذه الدراسة، على تفاعل التيارات الإسلامية على اختلاف مشاربها ومرجعياتها مع الثورة الرقمية وتوظيف منصات التواصل الاجتماعي (Réseau Sociauxلترويج خطابها السياسي وتوجيه الرأي العام في العالم الافتراضي والفعلي.

شبكات التواصل الاجتماعي؛ قوة ناعمة قد تقلب الأنظمة

تزامنت الثورة الرقمية مع شيوع استعمال مصطلح “القوة الناعمة” فتفرعت عنه بدوره عبارة “القوة الإلكترونية”، التي تفيد حسب جوزيف ناي، “القدرة على الحصول على النتائج المرجوة من خلال استخدام مصادر المعلومات المرتبطة بالفضاء الإلكتروني، أي القدرة على استخدام الفضاء الإلكتروني لخلق مزايا، والتأثير في الأحداث المتعلقة بالبيئات الواقعية الأخرى وذلك عبر أدوات إلكترونية. ([1])

وباعتبار السياسة فضاء لممارسة الفعل الاجتماعي وسعيًا نحو تحقيق الممكن وتطويره، فإن الفاعل السياسي الإسلامي، عند محاولته تنزيل رؤيته المجتمعية والسياسية، لم يتردد في الانقضاض على الفرص والإمكانات التي أتاحتها له الثورة التكنولوجية في مجال الاتصال وعولمة المعلومة وسرعة تدفقها، فبادر، بإتقان أحيانًا، إلى توظيف شبكات التواصل الاجتماعي واستغلالها على النحو الأمثل من أجل تحقيق تموقع أفضل وكسب نقاط عديدة في صراعه على السلطة.

هكذا بدأ يحدث نوع من التغيير في قواعد اللعبة، وبدأت موازين القوى تميل نسبياً إلى الحركات الإسلامية بعدما تمكنت من تحييد وسائل الضبط والإخضاع والعقاب في شكلها، ساحبة البساط من تحت أقدام أجهزة الأمن، وناقلة المعركة إلى عوالم افتراضية لا يتوقف النصر فيها على من يمتلك الأسلحة والدبابات والسجون المنيعة، بل على من يتقن تدبير المعلومة ويتقن فنون التواصل، ولأول مرة في تاريخ البشرية باتت السلطة في زمن شبكات التواصل الاجتماعي بيد من يتقن إدارة المعلومات ويحسن تسويق الصور والتسجيلات.

إن الانتقال من مجتمع مستهلك للمعلومة إلى مجتمع منتج لها ومرتبط بشكل شبه كلي بشبكات التواصل الاجتماعي، قد خلق تغييرات عميقة في شروط وقواعد الصراع على السلطة الذي بات الآن رهيناً بما يدور بالعالم الافتراضي أكثر مما هو متعلق بما يحدث في العالم الواقعي، وباتت القوة تقاس بمدى الكفاءة في الحصول على المعلومة والعمل على توظيفها وإعادة توزيعها تبعا للمصالح وتوجهات الصراع السياسي.

إن تحول المعلومة إلى قوة ذات تأثير كبير في تشكيل الرأي العام وتقرير مصائر البلدان، قد تجلى بشكل واضح خلال ثورات الربيع العربي التي ما كان لها أن تبلغ ما بلغته لولا شبكات التواصل الاجتماعي التي لعبت دوراً محورياً في مواجهة السلطات القائمة، حيث شكلت المدونات والمواقع الالكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي بيئة اتصالية  جديدة، وفضاء أرحب للفعل السياسي المتحرر من الرقابة وشروط الالتزام السياسي، بنفس القدر الذي وجد فيها المدون والناشط الافتراضي وسائل للفعل والمشاركة والتأثير في رسم السياسات العامة وتوزيع السلطة في إطار الصراع السياسي.

إن الحديث عن دور الافتراضي في تغيير شروط الفعل والممارسة السياسية وتعزيز دينامية التغيير، يفترض ضرورة الوعي بأهمية الانتقال من مفهوم مجتمع المعلومات إلى مفهوم المجتمع الافتراضي الذي يتزامن مع سرعة التحول خلال العشرية الأخيرة للقرن العشرين من مفهوم المجتمع المدني إلى مفهوم مجتمع المعلومات، الذي كان محط ومركز التنظيرات الاجتماعية والثقافية لفترة من الزمن، وهو ما يدفع إلى ضرورة إعادة النظر في مفهوم المجتمع من منظور سوسيولوجي، “استناداً إلى ما وقع من تغير في الوسائط الاتصالية، وفي مقدمتها الإنترنيت والفضائيات التلفزيونية الرقمية والهواتف الجوالة الذكية والمتطورة. ([2])

شبكات التواصل الاجتماعي وتسريع عجلة الثورة

على خلاف الفكرة التي تقول إن الإحساس بالخوف يؤدي إلى تراجع معدلات المشاركة في أنشطة سياسية تحت ظل الأنظمة السلطوية، فإن هذا العامل قد أدى من حيث لا يدري إلى تسريع عجلة الثورة والتغيير. حيث إن الخوف من التوقيف والتعذيب ربما يكون مسؤولاً عن إصرار المتظاهرين على التصعيد والاستمرار في التظاهر لنيل مطالبهم؛ بعدما أصبحت وجوه العديد منهم وأسماؤهم معروفة لدى السلطات، ولم يعودوا شخصيات افتراضية، كما كان عليه الحال في البدايات الأولى لانتشار الشبكة العنكبوتية بالعالم العربي، لم يعد أمامهم مجال للعودة: فإما التغيير أو الموت في ميادين الثورة.

هنا يمكن القول إن وسائل التواصل الإعلام الجديدة قد أمدت الشباب المتظاهرين بقنوات جديدة للتواصل لم تكن متاحة من قبل، ومكنتهم بالتالي من ممارسة أنماط من النشاط السياسي أكثر ملاءمة للتكوين السياسي للوسط الذي يتفاعلون في نطاقه.

هذا التحول جعل من الافتراضي قاعدة للعمل السياسي، تنتظم حوله الممارسات السياسية وتتطور تبعاً لوسائله وتقنياته، ف” المشهد السياسي في العالم كله، يرتبط على نحو وثيق ببيئة (الميديا) والاتصال المتعدد الوسائط”، بحيث أصبح “الفضاء الرقمي فضاء تواصلي شبكي، وهو ككل الشبكات نسيج، تحاك داخله التجربة الإنسانية المعاصرة في مختلف أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لتعبر من خلاله أنماط مختلفة من الهويات التي تعكس الصراع حول التقنيات التي ميزت عصر المعلومات بما هو أساس كل ممارسة سياسية جديدة، تتجاوز آليات ووسائل الفعل السياسي التقليدي. ([3])

الإسلام السياسي والرهان على “عيال الفيسبوك”!

رغم خطاب المظلومية الذي ترفعه حركات الإسلام السياسي عند طرحها لعلاقتها مع وسائل الإعلام، إلا إن ذلك لا يمنع من تأكيد احتلال هذه الحركات لمساحات كبيرة في الإعلام، من حيث تغطية أخبارها ومتابعة خطواتها، بل وحتى تمكينها من نوافذ إعلامية معينة أتاحت لها، على مر سنوات نشأتها وانتشارها، الترويج لخطابها الفكري ونهجها السياسي ذي التشعبات المختلفة والمتعددة.

غير أن خطاب المظلومية المشار إليه أعلاه ما لبث أن انهار وفقدَ مبرر وجوده مع فورة شبكات التواصل الاجتماعي التي مكنت حركات الإسلام السياسي من الظهور في شكل نمطي جديد. ([4])

واللافت للنظر هنا، أن حركات الإسلام السياسي تعاملت بدهاء وحرفية عاليتين مع شبكات التواصل الاجتماعي مقارنة مع باقي الفاعلين والفرقاء السياسيين الذين أخلفوا الميعاد مع قطار التغيير في ميدان التواصل الذي حملته معها شبكات التواصل الاجتماعي. حيث تميز الإسلام السياسي عن غيره باعتماده أسلوباً نجح بسلاسة في المزج بين المضمون الذي يحمله وبين الإمكانات التقنية والفنية الجديدة التي أتاحتها له الوسائط التواصلية الجديدة، والنتيجة كانت امتلاك الإسلام السياسي لناصية الخطاب السياسي وتقدمه بخطوات عن غيره من باقي الفرقاء سواء في النظام أو المعارضة على حد سواء الذين لم ينتبهوا، إلا متأخراً، لخطورة وأهمية شبكات التواصل الاجتماعي ولعل عبارة “عيال الفيسبوك” التي نعت بها الرئيس المصري السابق حسني مبارك الثوار في ميدان التحرير خير دليل على استهتار الأنظمة العربية بشبكات التواصل الاجتماعي مقارنة مع الإسلام السياسي الذي رأى فيه فرصة ذهبية لمقارعة خطاب خصومه على اختلاف مرجعياتهم وتموقعاتهم. موازاة مع تطور بشكل واضح أداء حركات الإسلام السياسي التي لم تتردد في استغلال هذه النوافذ التواصلية من أجل استقطاب شرائح جديدة من المؤيدين والمريدين، والعمل على جذب الجيل الجديد من مستخدمي ورواد شبكات التواصل الاجتماعي بهدف إقناعهم بأطروحاتها الفكرية والسياسية.

لقد استوعب الإسلام السياسي الموقف مبكرا وأدرك أن شبكات التواصل الحديثة لديها تأثير أكبر على الجيل الحالي الذي يعاني من التهميش والإقصاء من طرف الخطاب الرسمي، فانقض على الفرصة، عاضاً عليها بالنواجذ، مستهدفاً على الخصوص فئة الشباب التي كانت تعاني تفقيراً معرفياً ومادياً من طرف الأنظمة التي كانت تراهن على ذلك لخلق جيل سهل الضبط والانقياد.

تجلت هذه الانتهازية التي تعاملت بها حركات الإسلام السياسي مع “عيال الفيسبوك”، في استغلالها للمستوى المعرفي والثقافي الضعيف لرواد ونشطاء شبكات التواصل الاجتماعي من أجل خلق حالة من الاحتقان في صفوف هؤلاء في أفق تجييشهم وحشدهم في مواجهة النظام وباقي الخصوم على حد سواء، وكان سلاحها في ذلك اعتمادها خلطة سحرية تقوم على المزج بين سرعة تدفق المعلومات وانفعال وحماس المتواصلين معها، وكذا وجود استعداد قبلي لديهم لتلقي وتقبل الخطاب الديني.

كما استفاد قادة ومُنَظِّري الإسلام السياسي من ظهور جيل جديد من الإسلاميين والمتعاطفين معهم يتميزون بكونهم أكثر احتجاجاً وأكثر انفعالاً؛ وفي نفس الوقت أقل تكويناً من الناحية الثقافية والدينية. لأن هذه الشريحة كانت الأكثر احتجاجاً على المؤسسات والجامعات الدينية التقليدية لارتباطها بالدولة وعدم أخذها لمسافة مع الخطاب الرسمي.

والنتيجة ظهور فئة من الإسلاميين يقف تكوينها المعرفي عند حدود على عدد محدود من الكتب والمجلات وكذا ما تستهلكه من معلومات بدون أي “فَلتَرة” على شبكات التواصل الاجتماعي، مما أدى إلى انتشار مهول للجهل والتطرف وانتشار المعلومات غير الصحيحة والفتاوى السريعة والمجهولة المصدر.

الكتائب الإلكترونية؛ تجييش الأتباع لضرب الخصوم

لم يكن خافياً على أحد منذ اليوم الأول لانتشار شبكات التواصل الحديثة خطورتها على النسيج الاجتماعي والسياسي على المستوى العالمي نتيجة حالات الاستقطاب التي تسببت في خلقها، وتحولها إلى منصات لتسويق قيم تعارض القيم المجتمعية كالتسامح والمحبة وقبول الآخر والتعددية واستبدالها بقيم تحض على الكراهية والعنف وكذا نشرها ثقافات منحرفة، ناهيك عن إذكائها للفتن الطائفية والقبلية وتحريضها على الإساءة للأديان.

ووسط كل هذه الفوضى التي تسبب فيها التدفق غير المتحكم فيه للمعلومات والأخبار عبر شبكات التواصل الاجتماعي، لم يكن من الغريب أو المفاجئ ركوب جماعات متطرفة على هذه الموجة العاتية لنشر أفكارها ومعتقداتها، مما ساهم بقصد أو غير قصد في إنتاج وإعادة إنتاج الهويات الضيقة والقاتلة. ([5])

على الصعيد العربي كان جلياً منذ البداية أن الإسلام السياسي قد أتقن اللعبة جيداً، واقتحم عالم شبكات التواصل الاجتماعي بقوة وبشكل منظم ما لبث أن تحول مع مرور الوقت واكتساب التجربة والخبرة إلى تنظيم محكم يتحرك بشكل جماعي ووفق خطوات مدروسة ومُحكمة، فكانت ولادة ما بات يسمى لاحقاً في أدبيات السياسة والتواصل بـ”الكتائب الإلكترونية”.

هذا الجيش الرقمي الذي لا يعرف أحد على وجه التحديد تعداده وقوامه، اتخذ له منظروه، ومنذ اليوم الأول لتأسيسه، هدفاً لا محيد عنه يتمثل في تحقيق المشروع الإيديولوجي للحركات الإسلامية، وذاك عبر اختراق الفضاء الرقمي وفرض السيطرة عليه، والاستفادة من فرصة “ملأ المكان الشاغر” التي أتاحها تراخي خصوم هاته الحركات وعدم إيلائهم الاهتمام والعناية الكافيتين للفضاء الرقمي عموما وشبكات التواصل الاجتماعي خصوصاً.

وسواء تعلق الأمر بالفاعل الدعوي أو السياسي أو الجهادي، فقد تفاعلت أغلب الحركات الإسلامية بشكل جيد مع الفرص والإمكانيات التي فتحتها أمامها الثورة الرقمية، لدرجة التصق بها مصطلح “الجيش الإلكتروني” أو الكتائب الإلكترونية” بالتنظيمات والحركات الإسلامية، وهو ما يعد أمراً طبيعياً ومنطقياً بالنظر إلى الحضور الكبير والمكثف للفاعل الإسلامي في مواقع التواصل الاجتماعي، ولو أن الأمر” مازال حديثاً إعلامياً، ولم يلج بعد مجال البحث العلمي”.

على المستوى العملي والميداني تتجلى أهمية الكتائب الإلكترونية في لحظات النفير العام التي يعلنها الشيخ أو أمير الحركة بين أتباعهم ويدعوهم فيها إلى ترويج خطاب موالي أو التصدي لخطاب أو تحرك معارض سواء في العالم الافتراضي أو الواقعي.

ولعل السياق الانتخابي يظل أبرز مثال على نزول الكتائب الإلكترونية بكل ثقلها من أجل تحقيق الهدف والغايات التي تم إنشاؤها لأجلها، لدرجة تذوب فيها الفوارق وتؤجل فيها الصراعات بين الحركات والمرجعيات الإسلامية المتنافسة لما بعد تحقيق الهدف الأسمى: “السيطرة والهيمنة على مفاصل الدولة”، يشهد على ذلك التجربة المصرية حين تناسى الإخوان والسلفيون خلافاتهم وتركوها جانباً من أجل نصرة المشروع الإسلامي الذي كان يرى لحظتها في صناديق الاقتراع حصان طروادة الذي سيحقق حلم الحكم الذي ظل يراود هؤلاء طويلاً.

ومن أجل ذلك ظهر جلياً الدور الكبير الذي لعبته الكتائب الإلكترونية من أجل السيطرة على العقول وإقناع “حزب الكنبة” التي كانت بمثابة رمانة الميزان بالنزول للمشاركة في الانتخابات المذكورة والتصويت على مرشح التيار الإسلامي.

نموذج آخر يمكن استحضاره هنا هو ذاك المتعلق بالكتائب الإلكترونية للإسلاميين المغاربة في شخص حزب العدالة والتنمية الذي أبان عن مهارة عالية في التحكم في شبكات التواصل الاجتماعي وكان من السباقين إلى توظيفها لترويج لخطابه السياسي والانتخابي مستفيداً من ذلك من الخبرات التي راكمها أعضاؤها في رافده الدعوي المتمثل في حركة التوحيد والإصلاح التي انخرط أعضاؤها بشكل مباشر أو غير مباشر في الكتائب الإلكترونية للحزب جنباً إلى جنب مع باقي الأعضاء والمتعاطفين من روافد أخرى كجمعيات المجتمع المدني والنقابات وغيرها، الذين أبانوا عن قدرات تواصلية رهيبة قبل وأثناء الحملات الانتخابية الرقمية التي شارك فيها العدالة والتنمية، حيث يجمع عدد من المراقبين على الدور الكبير الذي ساهم في تحقيق الحزب لانتصارات كبيرة في الاستحقاقات التشريعية والجماعية خلال العقد الأخير.

على مستوى التشريح المقطعي للكتائب الإلكترونية للحركات الإسلامية فأنه يظهر أنها لا تضم فقط الأعضاء المعروف عنهم الانتماء العلني للحركة أو أذرعها النقابية والطلابية وغيرها، بل تتكون من خليط متجانس أحياناً من الأعضاء الموزعين على فضاءات عمومية أو خاصة، في عدة حقول، إعلامية، جمعوية، بحثية، تربوية، تعليمية والمنخرطين عن وعي أو غير وعي، عن قصد أو غير قصد في هذه الكتائب التي تبدو من الخارج كجسم هلامي لا يعرف تعداده إلا فئة قليلة من قادة الحركة الحاملين لجهاز “الريمونت كونترول” المتحكم في إيقاع و تحركات الكتائب.

الإسلام السياسي يربط الإعلام الكلاسيكي بشبكات التواصل الاجتماعي

في الذكرى العاشرة لثورات الربيع العربي، ما تزال علاقة الإعلام الكلاسيكي بشبكات التواصل الاجتماعي، خلال اندلاع الأحداث وما تلاها من تطورات، يشوبها الكثير من الغموض والالتباس. وإذا كان الإسلام السياسي هو المستفيد الأكبر من الموقف، فإن سلاحه في ذلك كان شبكات التواصل الاجتماعي التي لعبت الدور الحاسم في الترويج لخطاب الإسلام السياسي الذي بدا لحظتها أكثر جاذبية واستقطاباً للنشطاء بالعالم الافتراضي لما حملته رسائله من غضب وأمل في التغيير.

هذا وما كان للإسلام السياسي أن ينجح في خططه ومسعاه لولا الدعم الخفي الذي حملته الدعم والمساندة التي تلقاه من الإعلام الكلاسيكي ممثلا في قناة الجزيرة التي لم تخف من الأول نصرتها للتيار المحافظ عموماً، والإسلام السياسي خصوصاً، ما جعل من هذا التيار رقماً صعباً في المعادلة مقارنة بباقي التيارات التقدمية والمدنية التي رفع أفرادها بدورهم هواتفهم الذكية في مواجهة بنادق الشرطة وقنابلها المسيلة للدموع.

لقد لعبت قناة الجزيرة دوراً محورياً في إذكاء النيران التي اندلعت في عدد من الدول العربية خلال ثورات الربيع التي أصبح خريفاً، ولم يكن خافياً على الخبراء، وحتى على عموم الجمهور والمتتبعين، كيف تغذت نشرات القناة القطرية وبرامجها الإخبارية بالفيديوهات التي كان ينشرها نشطاء الحراك بشبكات التواصل الاجتماعي، وكيف حولت نفسها إلى منصة “ثورية” ساهمت بشكل فعال وحاسم في إسقاط أنظمة بن علي ومبارك والقذافي وأشعلت النيران في اليمن وسوريا.

قد يقول قائل إن الجزيرة، والإعلام الكلاسيكي عموماً، من حقه التعامل مع شبكات التواصل الاجتماعي باعتبارها مصادراً للخبر فرضتها الثورة التقنية الحديثة، لكن الخط التحريري للقناة القطرية ما لبث أن حرمها من هذا الامتياز وأدخلها قفص الاتهام، والسبب علاقاتها الملتبسة بالإسلام السياسي عموماً، وحركة الإخوان المسلمين خصوصاً. وذاك منذ اللحظة التي كشرت فيها القناة عن أنيابها عند اندلاع حراك الربيع وباتت منبراً رئيساً للثوار الإسلاميين، صابغة طابعاً دينياً على الأحداث التي في مصر وليبيا واليمن وسوريا، وهو ما يتجلى أساساً من خلال تغطياتها لما كان يسمى “جمعات الغضب”.

لقد كان لسلسلة المظاهرات التي كانت تهز مصر آنذاك في كل يوم جمعة تأثيراً قوياً على الرأي العام والجماهير الواقعة تحت سحر تظاهرات أسبوعية حملت أسماء جمعة الغضب، جمعة الرحيل، جمعة النظافة؛ وهي الأحداث/التظاهرات التي كانت مُبَشِّرة ومنذرة بسيطرة الإسلاميين على إيقاع وسقف الثورة المصرية.

سيظهر ذلك على الخصوص بعد إقدام السلطات المصرية على قطع خدمة الإنترنيت مع وصول الاحتجاجات إلى ذروتها، ودخول قناة الجزيرة على الخط كمنصة إعلامية للثورة والثوار، وسيلتها في ذلك عشرات التسجيلات المرئية والصوتية التي كانت تتوصل بها حصرياً من “وكلائها” في ساحات وميادين الثورة. لكن ما حدث هو أن القناة القطرية، وبتنسيق مع حركات الإسلام السياسي، قد نجحت في تحويل شبكات التواصل الاجتماعي إلى سلاح غير مسبوق في أيدي حركات الإسلام السياسي التي استغلته إلى أبعد مدى من أجل تحقيق تقدم على خصومها السياسيين لأول مرة في تاريخ صراعها المرير مع هؤلاء.

وعموما فسواء تعلق الأمر بالحركات الإسلامية أو غيرها، فإن ما يمكن قوله هنا هو أن وسائل التواصل الإعلام الجديدة قد أمدت الشباب المتظاهرين بقنوات جديدة للتواصل لم تكن متاحة من قبل، ومكنتهم بالتالي من ممارسة أنماط من النشاط السياسي أكثر ملاءمة للتكوين السياسي للوسط الذي يتفاعلون في نطاقه.

خاتمة

خلاصة القول: إن علاقة حركات الإسلام السياسي بالإعلام، تحولت من تغطية أخباره ومتابعتها إلى نوافذ لترويج الخطاب الإيديولوجي والسياسي لمختلف هاته الحركات وذاك بفضل شبكات التواصل الاجتماعي التي منحتها مساحات شاسعة وقدرات على الظهور في شكل نمطي جديد.

هذا الحضور القوي واللافت في العوالم الافتراضية وشبكات التواصل الاجتماعي؛ سيمكن حركات الإسلام السياسي من احتلال مواقع الريادة خلال الثورات التي اجتاحت بعض الدول العربية منذ الشهور الأولى لسنة 2010. حيث كان نشاط الحركات المذكورة بشبكات التواصل الاجتماعي خلال أحداث الربيع العربي أكثر احترافية ومهنية، مما مكنها من تقديم رسائلها إلى جمهورها وعموماً لمتابعين بأسلوب ينم عن تحكم جيد في التعاطي مع الفرص التي تتيحها الشبكات.

ونتيجة لذلك يمكن القول إن حركات الإسلام السياسي نجحت، بفضل شبكات التواصل الاجتماعي، في استقطاب شريحة جديدة من المؤيدين، وجذب جيل جديد يؤمن بأطروحاتها الفكرية والسياسية، فينشر أفكارها نيابة عنها في أوساط مريدي مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما عرف بعد ذلك بالكتائب الإلكترونية.

كتائب تكفلت بشكل أساسي في التصدي لهجمات خصوم ومنتقدي أطروحات الحركات الإسلامية، عن طريق الإقناع أحياناً وعن طريق التشهير أحياناً أخرى حيث لم تتردد في التعرض لهؤلاء ونعتهم بأقذع الاتهامات وتشويه صورهم بين العامة.

بالمقابل فإن الأنظمة الحاكمة في الدول العربية، لم تدرك خطورة وأهمية سيطرة الخطاب الديني والإسلام السياسي على شبكات التواصل الاجتماعي إلا بشكل متأخر، فحاولت مصر مثل تدارك الموقف عن طريق المؤسسة الدينية الرسمية، في شخص دار الإفتاء، التي حاولت إصدار فتاوى لتبيان خطورة العبث إعلامياً في مواقع التواصل الاجتماعي، وأن تقدم خطاباً رصيناً، إلا أن عجز تلك المؤسسات عن امتلاك مقومات الجاذبية التي تجاري صفحات الإسلاميين الحالية، جعل نجمها خافتاً في مواجهة مخاطر الخطاب الديني لحركات الإسلام السياسي في مواقع التواصل الاجتماعي.

هذا التطور الدرامي في الصراع بين الأنظمة العربية وحركات الإسلامي بكافة أطيافها، يجد مبرره في أن فعالية الممارسة السياسية باتت مرتبطة، اليوم وأكثر من أي وقت مضى، بسلطة وسائل الإعلام الإلكترونية التي أحكمت قبضتها على المجال السياسي وأصبحت فضاءه المفضل، وباتت قواعد الصراع تتحكم فيها الصور والأصوات أو التلاعب الرمزي، التي بدونها تنعدم فرص الفوز بالحكم أو ممارسته.

ومع إحكام شبكات التواصل الاجتماعي لقبضتها على المشهد السياسي، لوحظ تميز نسبي للجيل الجديد بالحركات الإسلامية مقابل تقصير لخصومها من فاعلين سياسيين قدامى ومؤسسات تقليدية الذين فشلوا في التكيف مع”الثورة المعلوماتية” ما منح هاته الحركات تقدما افتراضيا في السباق نحو كرسي الحكم ما لبث ان تم جنيه على مستوى لواقع كما في حدث في وصول الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم بمصر وفوز حزب العدالة والتنمية المغربي بولايتين حكوميتين متتاليتين.

الهوامش:

[1] ـ منتصر حمادة، مقال في تفاعل الحركات الإسلامية مع مواقع التواصل الاجتماعي. باحثون المجلة المغربية للعلوم الاجتماعية والإنسانية. العدد:1.

[2] ـ مقال للباحث في علم الاجتماع، عبد الرزاق أبلال. الافتراضي وتحولات الفعل السياسي. باحثون المجلة المغربية للعلوم الاجتماعية والإنسانية.

[3] ـ المصدر السابق نفسه. العدد:1.

[4] ـ مقال مخاطر الإسلام السياسي على مواقع التواصل الاجتماعي، محمود شعبان بيومي، نشر بموقع مركز المسبار للدراسات والبحوث.

[5] ـ المصدر السابق نفسه.

مركز مينا

اترك رد