من الأمن والعيش الكريم إلى أخطر بقاع الأرض.. الدكتور مهند وهجرته العكسية الإنسانية

عندما تندلع الحرب في أي بقعة حول العالم يبدأ المدنيون وأصحاب الكفاءات بالبحث عن دول أخرى أكثر أمناً لهم ولأسرهم، وخاصة تلك الحروب التي تندلع في بلدان تحكمها أنظمة لا تقدر تلك الكفاءات ولا تستفيد من خبراتها ومهاراتها، بل تضيق عليهم وتستهدفهم وترمي بعضهم في السجون أو تغيب آخرين ليبقوا ضمن لوائح المفقودين، أما اليوم فستكون قصتنا حول الهجرة العكسية الإنسانية من الأمن والحياة الرغيدة إلى أخطر بقاع الأرض.

“أكبر دافع لعودتي إلى سوريا هي عندما كنت أشاهد الإعلام يتحدث عن قصف المشافي واعتقال الأطباء والكوادر الطبية، وكثرة أعداد الإصابات بين المدنيين، ولّدت تلك المشاهد في داخلي الشعور بضرورة العودة إلى سوريا والمساعدة بأي شيء أستطيع أن أقدمه” بهذه الكلمات يروي مهند المكسور بداية استعداده للعودة إلى سوريا للعمل الإنساني ومساعدة المدنيين.

الدكتور” مهند موسى المكسور” تولد مدينة حماه عام 1981، درس في كلية التمريض بجامعة تشرين في مدينة اللاذقية 1999، وحاصل على دبلوم تخصصي عناية حرجة، ليسافر بعدها إلى مصر ويكمل ماجستير تمريض عناية حرجة وطوارئ، وإيماناً منه بأهمية العلم لم يتوقف عند هذا الحد بل استكمل دراسته في الطب البشري بالشمال السوري و هو الآن في السنة السادسة.

يعود مهند بذاكرته لأولى لحظات دخوله إلى سوريا قائلاً، “كان المنظر صادم بالنسبة إلي فالمخيمات والناس منتشرون على الحدود السورية التركية ومنهم لا يجد مكان أو خيمة ليأوي إليها، والمنظمات الإنسانية كانت ببداية عملها فكان الأمر عشوائي وغير منظم بشكل جيد”.

يؤكد مهند المكسور على “أن الدافع الإنساني للعمل الطبي غير كافي، بل يجب أن يتوفر مع ذلك الدافع الخبرات والممارسة، لقد رأينا أخطاء كثيرة فعندما يكون هناك قصف ومصابين كان يتم النقل بطريقة خاطئة مما يؤدي إلى خسائر كبيرة في الأرواح، فكانت الحلقة المفقودة هي نقطة طوارئ ما قبل المشفى هذا ما لمسناه عند عودتنا إلى الداخل السوري للحفاظ على أرواح المدنيين وبدأنا بالعمل عليه فوراً”.

في هذه الأثناء كان الدكتور مهند يعمل في أحد النقاط الطبية القريبة من بلدته كمدير نقطة طبية ومدرب بالخبرات التي اكتسبها في الخارج، بالإضافة لعمله في تلك النقطة في قسم الإسعاف، لكن لم يكن الأمر متوقف فقط على العمل الطويل والجهد الشاق بسبب تعدد المهام التي يقوم بها بل كان القصف أكبر هاجس للعمال الإنسانيين في تلك الفترة ليس القصف الذي يستهدفهم فقط بل الذي يستهدف أسرهم أيضاً فهم يعملون وبنفس الوقت يخافون على أنفسهم وأسرهم من القصف بمختلف أنواع الأسلحة يقول مهند “أخبرتني أسرتي أن البلدة تتعرض للقصف فذهبت لإخراجهم انتظرت على مدخل البلدة أكثر من نصف ساعة حتى يتوقف ذلك القصف، نعم كانت لحظات سعيدة عندما استطعت إخراج أسرتي وهم بصحة جيدة بعد كل ذلك القصف إلى مكان أكثر أمناً، وعدت إلى العمل”.

ومع نهاية عام 2013 بدأ الدكتور مهند مع الدكتور عبدالله الحجي (مؤسس أكاديمية العلوم الصحية) بالعمل التطوعي على فكرة إنشاء أكاديمية لتدريب كفاءات صحية للعمل في الشمال السوري وإنقاذ الأرواح، مع ارتفاع أعداد القتلى من المدنيين، حيث أقاموا عدة دورات لممرضين وأطباء المشافي في شمال سوريا، ومن هنا بدأت تتجسد أهمية إنشاء أكاديمية العلوم الصحية، واكتملت الفكرة مع بدء تبني الرابطة الطبية للمغتربين السوريين “سيما” لتلك الأكاديمية ودعمها بكل الاحتياجات والسبل المتاحة لتتطور وتبدأ بنيل الاعترافات الدولية.

يضيف مهند المكسور وهو فخور بما قدمه بالتعاون مع زملائه وأصدقائه “رغم التحديات وصعوبات العمل في بقعة من أشد بقاع الأرض خطورة حيث تعرض مركز الأكاديمية القديم في بلدة الدانا للقصف ما دفعنا إلى تغير مركزها نحو الحدود التركية حفاظاً على أرواح الطلاب والكادر الأكاديمي، إلا أننا فخورين بما حققناه من إنجازات، فمن جهة استطعنا ورغم كل تلك الظروف تخريج 105 طالب من قسم طب الطوارئ، و 30 طالبةً من قسم التمريض، 27 طالبة من قسم العلاج الفيزيائي 75% منهم وجدوا فرص عمل وتوظفوا، بالإضافة لوجود 120 طالباً وطالبةً يتابعون دراستهم في الأكاديمية حتى التخرج، ومن جهة أخرى حصلت الأكاديمية على الكثير من الاعترافات والتصنيفات والشركات الدولية والعالمية من أهمها تصنيف عضوية اتحاد جامعات حوض البحر المتوسط، وعضوية برنامج الأثر الأكاديمي التابع للأمم المتحدة و الاعتراف البرامجي من قبل معهد الاعتراف والترخيص وضمان الجودة ACQUIN ومقره ألمانيا.

معنى السعادة يختلف من إنسان إلى آخر أما الدكتور مهند فسعادته بطلابه المجدون وبعمله الإنساني ومكانه بين الناس “هناك الكثير من الناس يسألونني لماذا لا تسافر، هناك الكثير من الدول يمكنها أن تستقبلك لخبراتك وشهاداتك العلمية والأكاديمية، أخبرهم أنني أجد نفسي وسعادتي هنا في مساعدة أهلنا المدنيين”.

صفحة سيما فيسبوك

اترك رد