الخبير الإقتصادي د. محمد حاج بكري: سعر صرف الليرة سيستمر في الإنخفاض

في حوار مع موقع تموز رأى الخبير الاقتصادي السوري الدكتور محمد حاج بكري ، أن تراجع سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار سيستمر ومُتوقعاً حدوث قفزات أكبر.

وأوضح حاج بكري في حديثٍ مطول للموقع أن طرح فئة الـ 5000 ليرة يعبر عن عجز في الميزانية العامة للحكومة السورية حيث تقدر بأكثر من 70%. كما ربط الخبير الاقتصادي السوري تراجع الليرة السورية بعوامل داخلية وخارجية, وعقوبات قانون قيصر.

واستبعد حاج بكري لجوء الحكومة السورية إلى تعويم العملة لأن ذلك يعني إعلان عجزه عن تقديم الخدمات وتأمين السلع والمستلزمات المعيشية, وهو “أصعب قرار ممكن أن يتخذه النظام”.

نص الحديث كاملاً:

– تراجع سعر صرف الليرة مقابل الدولار (٣٣٠٠ ليرة مقابل الدولار الواحد)، هل بدأ العد العكسي لانهيار الليرة السورية، أم أن الحكومة السورية وحلفائها سيتمكنون من وقف تراجع قيمة الليرة؟.

إن انهيار سعر صرف الليرة متوقع, وهناك توقع بحدوث قفزات أكبر من ذلك. هناك عوامل عديدة أدت إلى انهيار سعر صرف الليرة أمام الدولار؛ منها عوامل داخلية وأخرى خارجية.

ومن العوامل الداخلية؛ انهيار الناتج المحلي الإجمالي وتقلص إرادات الدولة بشكل كبير, واستنزاف الاحتياطي الأجنبي من العملة الصعبة واحتياطي الذهب, كما أصبح تمويل الميزانية يتم عن طريق التمويل بالعجز. وازدياد الدين العام للدولة بشكل لا يتناسب مع القدرة الإنتاجية والنشاط الاقتصادي؛ لأن معظم المعامل في سوريا سواءً من القطاع الخاص أو العام توقفت عن العمل, ومعظم موارد الدولة باتت تخصص للعمليات العسكرية والقتالية التي يشنها بشار الأسد على شعبه, وهذه الأمور كان لها آثار على التجارة الداخلية وارتفاع أسعار النقل بشكل كبير. بالإضافة إلى نقطة مهمة لا يتم التطرق إليها وهي أن سوق الصرف في سوريا محدود جداً ويتأثر بكل سهولة بتقلبات العرض والطلب خاصة في ظل قابلية الليرة للتأثر بالعملات الأقوى ولا سيم أن معظم العمليات التجارية تمر عبر الدولار.

كما إن توقف الإنتاج المحلي أدى إلى تحول قوى الإنتاج لنشاط قوى السوق, وتحولت كلها لعمليات الاستيراد, وتحول الاقتصاد إلى اقتصاد حرب واقتصاد تهريب, تعفيش, خطف, مخدرات, دعارة, مضاربة, بالإضافة إلى وضع الصرافين وسيطرة آل الأسد على هذا المجال وتحكمهم بسعر الصرف ما بين المصرف المركزي والسوق السوداء. كما لعبت القبضة الأمنية دوراً كبيراً في التشديد على شركات الصرافة والتضييق على المتعاملين معهم, وإلقاء القبض على كل من يتعامل بغير الليرة السورية. كذلك وجود فروق كبيرة بين سعر الصرف الذي حدده المصرف المركزي والسوق السوداء, وهذا الأمر سيقوي السوق السوداء مهما حاربها الأمن والدولة.

كما إن الخلاف بين بشار الأسد ورامي مخلوف كان له تأثير كبير على الأسواق المحلية في ظل تحكم مخلوف بقطاع كبير من الاقتصاد السوري. بالإضافة إلى عسكرة المجتمع, وتهريب الأموال للخارج, وهجرة الكفاءات وأصحاب المعامل كل هذه العوامل تؤكد أن البلد يسير باتجاه سعر صرف كبير, وانهيار العملة السورية بشكل كبير.

ومن العوامل الخارجية التي أثرت على الاقتصاد السوري, الأزمة اللبنانية وإيقاف سحب إيداعات السوريين من المصارف اللبنانية. كما أن قدرة حلفاء النظام على مساعدته محدودة وضعيفة جداً لأن الوضع الاقتصادي في إيران هو قريب من الوضع الاقتصادي لنظام الأسد, ولا تستطيع إيران تقديم المساعدات لأنها تواجه عقوبات على مجمل قطاعاتها الاقتصادية كالبنك المركزي. وهناك رقابة على نشاطات إيران الاقتصادية بموجب قانون قيصر وعلاقاتها واستثماراتها في سوريا, وستكون مدركة لهذا الموضوع.

كما أن الاستثمارات الروسية لم ينفذ منها سوى اتفاقيتين متعلقتين بمرفأ طرطوس ومعامل الفوسفات, وهما يعملان سابقاً, وروسيا دخلت فقط على خط الإدارة. أما كضخ أموال فلم تستثمر في سوريا خوفاً من عقوبات قانون قيصر, وقدرتهم على المساعدة ضعيفة جداً. اعتقد بأن روسيا ترى أن هذا النظام متهالك وإلى زوال ولا يستطيع حكم سوريا, وأي مبالغ تصرف عليه فهي خسارة.

– هل من رابط بين طرح فئة الـ ٥٠٠٠ ليرة من قبل مصرف سورية المركزي، وتراجع قيمة الليرة في ظل التشكيك بجودة الفئة المطروحة ومدى قبولها في الخارج؟.

من المؤكد أن طباعة أي دولة لأوراق نقدية عندما تكون الميزانية العامة بحالة عجز ويقدر العجز في سوريا بأكثر من 70% حسب التقديرات, وعندما تتجاوز النفقات حجم الإرادات ويكون انفاق الفرد أو الحكومة أكثر من الإرادات المتاحة لها يؤدي هذا إلى تضخم جامح. وما تملكه الدولة من احتياطي ذهب أو عملات أجنبية أو مقدرة إنتاجية أو نفط أو ثروات عالية القيمة أو سلع وخدمات, ممكن أن يتم تقييمها وتحديدها عند بطباعة النقود. بمعنى أنه لا قيمة للأموال المطبوعة في حال لم تتوفر هذه الأسس, ولا قيمة لهذا الأموال على الأطلاق إذا لم يكن لديها هذه الاحتياطيات.

والتضخم الجامح الذي نعيشه اليوم, هو تخضم حاد بارتفاعات متتالية في الأسعار نتيجة طباعة فئة الـ 5000, وزيادة عرض النقد في السوق. وزيادة الكميات المتاحة من النقد تؤدي إلى تقليص القيمة الحقيقة لعملة البلد بنسبة كبيرة ومخيفة. وتنخفض القيمة الشرائية ولا تستطيع الحكومة الحد من أثار التضخم ومعالجته, وسيكون له آثار سلبية كبيرة حيث سيلجأ الأفراد إلى سحب كافة مدخراتهم من المصارف ويلجؤون إلى استبدال العملة وتحويلها إلى قطع أجنبي أو شراء الذهب, وسيؤدي هذا الأمر إلى التضخم وزيادة سعر الدولار, وزيادة أسعار السلع بشكل كبير, وهو أحد العوامل التي أدت إلى طرح فئة الـ 5000, أما التصريحات التي يدلي بها الاقتصاديين عند النظام أنه استبدال عملة بعملة هذا الكلام ليس واقعي.

واعتقد أن السبب الأساسي لطباعة العملة هو تمويل عجز الموازنة, وهو كان وراء الإصرار على طباعة عملة جديدة من فئة الـ 5000. التمويل بالعجز يعني أن تستدين الحكومة من المصرف المركزي لتسد العجز, وهذا أيضاً له دور كبير في مشكلة التضخم. بمعنى أنه بات لديك كميات كبيرة من النقود مقابل نقصان في السلع, وكلما ازدادت نفقات الدولة عن إراداتها فمن الطبيعي أن تلجأ الدولة للتمويل بالعجز, وينتج عنه عجز يغطى بإصدار نقدي جديد. ولم يكن أمام النظام على الأطلاق سواء التمويل بالعجز وإصدار نقدي جديد وهو سيؤدي للتضخم وارتفاع الأسعار لزيادة الانفاق الحكومي وعدم تناسبه مع كميات السلع والخدمات المنتجة.

– هل يمكن اعتبار عقوبات قانون قيصر، السبب المباشر وراء تراجع الاقتصاد السوري، أم إن الأزمة والحرب المستمرة، وخروج قطاعات واسعة من الاقتصاد السوري عن سيطرة الحكومة السورية وراء تراجعه؟.

بموجب قانون قيصر أصبح النظام السوري كمن يحمل فيروساً, وهذا الفيروس قادر على نقل العدوة لأي جهة تتعامل معه, وكل من يتعامل معه ستشمله العقوبات, وأي دولة تتعامل مع نظام الأسد في مجالات قطع التبديل والنفط والتكنولوجيا ستكون خاضعة لعقوبات قيصر. كما لعب القانون بتقليص حجم الموارد المتاحة للنظام السوري التي تحت سيطرته, فهو لا يستطيع أن يستدين من مؤسسات نقدية ولا يمكنه تلقي مساعدات مباشرة من أي دولة أو مؤسسة. والاستثمارات الموجودة لديه حتى لو قرر بيعها أو شرائها فهو غير قادر على ذلك في ظل العقوبات, وهناك أيضاً مراقبة لصيقة وحثيثة لكافة معاملات التجار الموالين للنظام.

كما لعب القانون دوراً كبير بعدم وصول تقنيات حديثة ممكن أن ترد للنظام وبشكل خاص في مجال الاتصالات والبنوك, واستهدف القانون أيضاً حلفاء النظام؛ إيران وروسيا, حيث يشمل المؤسسات والأفراد الذين يسعون للاستثمار في سوريا, وهذا أثر على روسيا باستثمارها التنقيب عن النفط والغاز في البحر المتوسط. وواقع الحال يقول أن سياسة النظام والنهج الأمني الذي اتبعه والحرب التي شنها على شعبه وإدارته الفاشلة للاقتصاد على مدى عقود من الزمن؛ ظهرت نتائجها حالياً في ظل الحرب التي شنها النظام خلال الـ 10 سنوات, وكان هناك خسائر كبيرة للقطاعات الاقتصادية جميعها, وأعاد سوريا عشرات الأعوام للخلف خاصة في مجالات التنمية, وتم تهديم قدرات سوريا الإنتاجية وخاصة في قطاعات الصناعة والتجارة والزراعة وتحولت سوريا إلى بلد مستورد لكل شيء بعد أن كان اقتصادها يتميز بتنوع نسبي.

كانت سوريا من البلدان القادرة على انتاج احتياجاتها الأساسية ونوع من الاكتفاء الذاتي, أما اليوم أصبح هناك تشظي في السيطرة على البلاد وبتنا نرى قوى محلة وأجنبية مختلفة وضعت يدها على ثروات البلاد, وهذا بكل تأكيد دمر اقتصاد البلد بسبب سياسة بشار الأسد في سوريا, وأدى إلى ارتفاع نسبة البطالة, ووصول 90% من الشعب السوري إلى ما دون خط الفقر. هذه السياسة أدت إلى تقسيم المناطق السورية إلى مناطق نفوذ سواءً لميليشيات أو لدول, وأدى ذلك إلى ارتفاع كلفة النقل والتسويق بين المحافظات السورية وارتفاع النفط والبترول بشكل عام, وخسائر كبيرة بالقطاع الزراعي الذي يشكل حساسية كبيرة ويرتبط بالأمن الغذائي السوري وعلى رأسه القمح, هناك خسائر كبيرة في القمح, وفقدت سوريا قدرتها على انتاج القمح الذي كانت تصدر كميات كبيرة منه, وتحولت إلى بلد مستورد للقمح.

وأهم مصادر العملة الصعبة التي يغذي بها النظام الموازنة العام للدولة تم خسارتها مثل النفط والغاز والسياحة والصادرات والاستثمارات الأجنبية التي هربت بسبب الحرب, هذه العوامل كلها كانت موجودة قبل أن يدخل قانون قيصر حيز التنفيذ. وأهم القطاعات الاقتصادية التي كانت خسائرها فادحة جداً هي التجارة الداخلية وصناعة المنسوجات والصناعات الاستخراجية والزراعة. كل هذه العوامل أدت لانكماش الناتج المحلي الإجمالي وفقدان القدرة على الاكتفاء الذاتي في سوريا وبشكل خاص مادة القمح. والآن أكبر معاناة للنظام هي تأمين الدولار لتمويل الواردات.

– يتم الحديث عن تعويم العملة، هل التعويم سيساعد في وقف تدهور الليرة السورية، وهل يمكن ذلك بدون دعم صندوق النقد الدولي واتفاقيات دولية؟.

تعويم العملة يعني أن البنك المركزي الذي يعتبر كهيئة مالية مستقلة يجب أن يتخلى عن التدخل بسعر الصرف ويترك تحديد قيمة سعر الصرف للسوق والعرض والطلب, وهناك نموذجين لتعويم العملة, الأول يسمى التعويم الكامل, وتتحكم فيه آليات السوق؛ العرض والطلب والبيع والشراء, وهي تحدد سعر الصرف للقطع الأجنبي والدولة لا تتدخل فيه نهائياً. والنموذج الآخر هو التعويم الموجه المتبع في سوريا ويعني تحديد سعر الصرف عن طريق السوق وعن طريق العرض والطلب, لكنه يسمح للمصرف المركزي التدخل وتوجيه سعر الصرف حسب الحاجة, ورأينا كيف تدخل المصرف المركزي في زمن أديب ميالة بسعر السوق عن طريق المزادات على الدولار.

استبعد أن يكون هناك تعويم للعملة في سوريا لأن هناك شروط معينة, ويجب أن تكون سوريا حاصلة على ثقة الدول الراعية لصندوق النقد الدولي, وهذا خارج إمكانيات نظام الأسد وليس لديه الدعم السياسي لدى الدول التي ترعى صندوق النقد الدولي؛ بالإضافة إلى جرائم الإرهاب الملتصقة به, كما أن هناك عدة تقارير دولية وهيئات ومنظمات تثبت ذلك كالكيماوي وملفات إجرامية أخرى. كما لم يعد هناك احتياطي نقدي في سوريا وتم انفاقه على الحرب, والنظام لا يمكن ان يوصل نفسه إلى هذه المرحلة. وإذا كان يريد تعويم العملة فهذا يعني إعلان عجزه عن تقديم الخدمات وتأمين السلع والمستلزمات المعيشية, وهذا أصعب قرار ممكن أن يتخذه النظام لرفع العبء عن نفسه ورميه على عاتق السوق.

من الطبيعي جداً تعويم العملة, ولكنه أمر مستبعد وسيؤدي إلى زيادة الأسعار بشكل كبير وستفقد الليرة قيمتها وستزداد أسعار السلع بشكل هائل, خاصة أن الموالين للنظام معظمهم موظفين ويعملون في الجيش والأمن والدفاع الوطني, وسيؤدي إلى زيادة نسبة الفقر بين الموالين خاصة بالداخل في المناطق غير المحررة.

المصدر: سوريا الأمل

اترك رد