تعديلات قانون “خدمة العلم”.. أداة النظام لتثبيت ملامح التغيير الديموغرافي

نور مارتيني:

لم يكتفِ النظام السوري بتشريد السوريين، وقتلهم وسحلهم وإزهاق أرواحهم، بل عمل جاهداً على أن يستنزفهم مادياً عن طريق ضرائب وإتاوات، ونشر للفساد في كافة مناحي الحياة، حتى استحالت سوريا إلى مستنقع تدفن فيه النفايات النووية مقابل ثروات تسقط في جيوب زبانيته، وبئراً لا ينضب من مصادر الثروات غير المشروعة والاحتيال الدولي.

رافق هذه المكتسبات غير المشروعة ممارسات اقتصادية، كان من شأنها الحدّ من ثوات الشعب بطرق شتى، بحيث تتركّز رؤوس الأموال هذه بيد فئة من رجال الأعمال الذين صنّعهم على مقاسه، وحاصرهم بملفات الفساد ليكونوا لقمة سائغة للأجهزة الأمنية في حال شقّهم عصا الطاعة.

بالمقابل سعى النظام إلى تدمير الفئة متوسّطة الدخل وإفقارها، ليكون ولاؤها مرتبطاً به، سيما بعد أحداث الثمانينيات، التي اعتقل خلالها النظام من اعتقل، واستحدث تشريعات تكفل له الهيمنة على القطاع العام والوظائف الحكومية، حيث كان يكفي اتهام شخص واحد بالانتماء إلى تنظيمٍ معادٍ للنظام كي تصبح العائلة بأكملها على “لوائح النظام السوداء”، ويفقد أفرادها الحقّ في التوظيف في دوائر الدولة، وحتى القطاع الخاص الذي كان يدور في فلك النظام.

لم تتغيّر سياسة النظام منذ ذلك الوقت وحتى اليوم، بل إنّه ومع الدعم اللامتناهي من قبل روسيا وإيران، وفي ظلّ التدهور الاقتصادي الذي أدخل البلاد في دوامته، بعد قيامه باستنزاف جيشه وقواته المسلحة في تدمير البنية التحتية للبلاد، بات يحتاج إلى ملاءة مالية أكبر تغطي عجزه الاقتصادي، وتتيح له تمويل حربه على شعبه لصالح القوى الدخيلة التي تضمن له البقاء في كرسي الحكم، ولو بصفة مومياء!

يسوّق النظام اليوم لفكرة مصادرة المتخلّفين عن الخدمة الجيش، في سابقةٍ تظهر نوايا النظام الحقيقية لإحداث تغيير ديموغرافي يتجاوز معارضيه إلى كلّ من نأى بنفسه عن الانخراط في عمليات القتل التي زجّ بمواليه في أتونها؛ فنسبة لا يستهان بها من موالي النظام السوري أو الحياديين ممن ينتمون إلى فئة الشباب، غادرت سوريا هرباً من عمليات التجنيد الإجباري، أو التهديد بـ”السحب” لخدمة العلم في أي وقت كونه موجود على قوائم الاحتياط، وهو ما دفع منظمة “هيومان رايتس ووتش” لاستنكار هذه الخطوة، واعتبارها وسيلةً لاستنزاف السوريين مادياً.

هيومان رايتس ووتش تدين تعديلات قانون “خدمة العلم” السوري
لم تخف منظمة هيومان رايتس ووتش استياءها من تعديلات قانون العلم، التي أعلن عنها على لسان رئيس فرع البدل والإعفاء في جيش النظام السوري، العميد إلياس بيطار، والذي بثّ تسجيلاًَ مصوراً أعلن فيه للبلاد تعديلاً يسمح للسلطات بمصادرة أملاك “المتهربين من الخدمة” الذين يتخلفون عن دفع غرامات جسيمة.

وبحسب تقرير المنظمة، فإنّ تصريح البيطار أعاد إلى الضوء تعديلاً منسياً يعدّل المادة 97 من قانون خدمة العلم في سوريا ليسمح بالمصادرة الفورية لأملاك الذين لا يخدمون في الجيش، ولم يدفعوا بدل فوات الخدمة البالغ 8 آلاف دولار أمريكي في غضون ثلاثة أشهر بعد بلوغهم سن الـ43 وخروجهم من الاحتياط.
كما اعتبرت أنّ القانون لا يخالف ضمانات الإجراءات الواجبة الأساسية وحسب، بل يضع أيضا عقبات إضافية أمام السوريين الذين يفكّرون بالعودة إلى وطنهم.

هيومان رايتس ووتش

وخلصت المنظمة في تقريرها إلى أنّ لاجئين كثيرين لا يملكون أي وسيلة لدفع غرامات التهرب من خدمة العلم، فيما يعيش اللاجئون السوريون الموجودون بمعظمهم في لبنان والأردن وتركيا أوضاعاً اقتصادية صعبة وغير مسبوقة ناجمة عن أُثر تفشي فيروس “كورونا” على اقتصادات كانت بالأصل تهمّش اللاجئين.

التعديلات من وجهة نظر حقوقية

للوقوف على مدى قانونية هذا الإجراء، من وجهة نظر قانونية، تواصلت ليفانت نيوز مع الحقوقي السوري والمختص في مجال حقوق الإنسان “ميشيل شماس“، الذي أوضح مدى لاشرعية التعديلات، استناداً إلى القانون وشرعة حقوق الإنسان.

حيث اعتبر “شمّاس” أنّه “من حيث المبدأ وبحسب القوانين التي يصدرها الأسد نفسه، فإنه لا يجوز أن يمتدّ الحجز سواء كان احتياطياً أم تنفيذياً إلى غير أموال المكلف بدفع البدل، لكن ما يجري على أرض الواقع يقول عكس ذلك تماماً”، وأوضح الحقوقي السوري أنّ “ما صرّح به رئيس البدل وإن كان الهدف الأساسي منه تخويف المكلفين ودفعهم لدفع مبلغ البدل، إلا أننا نجد له أساساً وصلة بممارسات أجهزة الأجهزة التنفيذية للأسد”.

كما لفت “ميشيل شماس” إلى أنّه “ليس مستبعداً أبداً أن يتحول تهديد رئيس قسم البدل في مديرية تجنيد الأسد إلى أمر واقع بمد أثار الحجز الاحتياطي ليشمل عائلة المكلف”، وتابع: “وهي ليست أول مرة يخالفون فيها القوانين، فنظام الأسد لم يلتزم يوماً لا بدستور ولا قانون، وهو يعتبر نفسه فوق ذلك”.

وخلص “شمّاس” إلى أنّ النظام فيما “لو كان يلتزم بما يصدره من دساتير وقوانين لما استباح كل من هبّ ودبّ الأراضي السورية، ولما قتل مئات الآلاف من شعبها وهجّر الملايين ومئات الآلاف من المفقودين والمحتجزين في المعتقلات. وهناك آلاف الأمثلة تثبت ما نقوله لا يتسع المجال لذكرها، فهي تحتاج إلى مجلدات”.

ردود فعل على التعديلات

بعد بثّ مقطع الفيديو المصوّر، من قبل رئيس فرع البدل والإعفاء في جيش النظام السوري، راحت تتوارد ردود الأفعال، بين سخرية واستياء من النظام السوري، الذي ما انفكّ يستصدر قرارات لاستنزاف السوريين الذين هجّرهم، من خلال رسوم البدل وتجديد جوازات السفر، وصولاً إلى فرض مبلغ 100 دولار أمريكي للسماح بدخول الأراضي السورية.

فعلى سبيل المثال، أصدر المحامي السوري محمد كاظم هنداوي عدّة مقاطع مصورة، نشرها على موقع “تيك توك”، تناول فيها الدلالات الخطيرة لهذه التعديلات ودحض شرعيتها بالأمثلة الدامغة.

فيما اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي موجة من السخرية، حيث جاء في إحدى التعليقات على الخبر: “بدهم يلموا مصاري بالحلال بالحرام مو هاممهم شي المهم الدولارات من المغتربين.. لك بكل ديكتاتوريات العالم ما صارت يا حثالة الأرض!”.

تعليق آخر على الموضوع، قال فيه محمد: “كلشي تمام ومقبول..بس ما فهمت ذويه وأي شخص آخر يخصه ..يعني معقول م ادفع قام يحجزوا على أملاك خوالي أو أولاد عم جدتي؟”.

@mohammed.kazem.hendawi

“التجنيد” تهدد بمصادرة أملاك ذوي المتخلفين عن الجيش.النظام المجرم يعمل على سلب ونهب السوريين ..#سورية_ادلب_حمص_دمشق_شام_درعا_حماة #المنظمة_العربية_ال

♬ الصوت الأصلي – محمد كاظم هنداوي

وتوالت موجة من التغريدات والمنشورات الهازئة، التي تحدّثت عن إفلاس النظام السوري وسعيه وراء استجلاب العملة الصعبة للبلاد، بعد أن فرّط بالاحتياطي النقدي لصالح روسيا وإيران.

تتزامن هذه الخطوة، مع تصريح مثير جديد لألكسندر يفيموف، مبعوث بوتين إلى سوريا، الذي تمّت ترقيته بعد سلسلة الاتفاقيات التي وقعتها روسيا مع النظام السوري، والتي اعتبر فيها السفير الروسي أنّ “سوريا تعيش الآن أصعب وضع اقتصادي واجتماعي، منذ بداية الصراع في البلاد”، وتأكيده على أنّ روسيا عاجزة عن إنقاذ النظام اقتصادياً..

ليفانت

اترك رد