مشاريع وقواعد عسكرية جديدة.. ماذا ينتظر شرق سوريا؟

نور مارتيني

تتوالى الأحداث شرق سوريا، منبئة بالمزيد من التصعيد من قبل كافة الأطراف الدولية المرتبطة بالمعطيات المتواجدة على الأرض، والتي باتت متورّطة في الملف السوري بشكل أو بآخر، سواء من خلال الحراك العسكري على الأرض، أو النشاط الإنساني والإغاثي على الأرض، غير أنّ ملف “داعش” يظلّ الملف الأكثر حساسية بين كلّ هذه الملفّات، خاصةً وأنّ دولاً كثيرة أصبحت عند مفترق طرق خطير، يتمثّل في أحد خيارين: استعادة رعاياها بعد أن أصبحوا أشدّ تطرّفاً وخطورة على مواطنهم الأصلية، نتيجة ردّ الفعل الغاضب، والبيئة الانعزالية في مخيمات الشمال، أو تمويل عمليات عسكرية للقضاء على داعش، وإيجاد ضامنٍ حقيقي يتحمّل مسؤوليتهم.

في ظلّ هذه التطوّرات، يبرز تغيير جذري في السياسة الأمريكية، يخلط أوراق الجميع، فتلتقطه أطراف عدّة لتحقيق مآرب سياسية، دون أن تعنى بمصير المدنيين الذين هم عبارة عن أدوات تستخدمها الجهة الممولة، بعد الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعصف بالسوريين؛ أخطر هذه الجهات التي استغلّت هذه المعطيات هما داعش وإيران، اللذان استغلّا المساحات الهائلة غير المأهولة في البادية السورية، والتي هجّر أهلها مع ظهور تنظيم “داعش”، ولم يعد أبناؤها إليها بعد دحر داعش، ليتمّ تحويلها لاحقاً إلى مقرّات عسكرية، انتشرت فيها الميليشيات الإيرانية، فتتحكّم بالصحراء مترامية الأطراف التي تربط العراق بالأردن، وتصبح على مقربةٍ من الحدود مع الجولان السوري.

تأتي التطوّرات الأخيرة بعد تصريحات إدارة بايدن حول عدم مسؤوليتها عن حماية الآبار النفطية، واقتصار مهمتها في سوريا على دحر داعش، بالتوازي مع استحداث قاعدة عسكرية عند المثلث الحدودي في سوريا، والذي يشرف على تركيا والعراق، لتزيد الوضع غموضاً، فيما يتنامى نفوذ داعش في الصحراء، واستهدافها المتكرّر لقوات النظام السوري، والدفاع الوطني المدعوم روسيّاً، وقوات سوريا ديمقراطية، في وقتٍ تنعم فيه الميليشيات الإيرانية بالأمان وتستقطب المزيد من الأفراد السوريين في ميليشياتها، وتتمدّد شمالاً نحو الحسكة والقامشلي!

أمريكا: لسنا مسؤولين عن حماية آبار النفط

بالرغم من تصريحات وزير خارجية بايدن “أنتوني بلينكن”، التي تزامنت مع الانتخابات الأمريكية، والتي أبدى فيها عدم رضاه عن تعامل إدارتي أوباما وترامب مع الملف السوري، وهو الذي كان نائباً لوزير خارجية أوباما، في السنوات الثلاث الأخيرة من حكم أوباما، إلا أنّ التصريحات الأخيرة تشي بأنّ تعامل الإدارة الأمريكية الحالية لن يختلف عن تعامل إدارة أوباما، التي يرى البعض في إدارة بايدن استنساخاً لها.

القوات الأمريكية تخلي قاعدتها في خراب الجير بريف الحسكة

وفيما يمكن اعتباره أول تصريح رسمي حول موقف الإدارة الأمريكية الحالية من الملف السوري، صرّح المتحدّث باسم وزارة الدفاع الأميركية، جون كيربي، للصحافيين، قبل نحو أسبوع إنّ “موظفي وزارة الدفاع ومقاوليها من الباطن، ليسوا مخوّلين مدّ يد المساعدة إلى شركة خاصة، تسعى لاستغلال موارد نفطية في سوريا، ولا إلى موظفي هذه الشركة أو إلى وكلائها”.

وجاء هذا التصريح في إطار إعلان البنتاغون، أنّ القوات الأميركية الموجودة في سوريا لم تعد مسؤولة عن حماية النفط في هذا البلد، وأن واجبها الأوحد هو مكافحة تنظيم “داعش”، في تعديل للأهداف التي حدّدها لهذه القوات الرئيس السابق، دونالد ترامب.

وفي معرض ردّه على سؤال بشأن مهمة القوات الأميركية في سوريا، قال إنّ العسكريين الأميركيين المنتشرين في شمال شرق سوريا وعددهم حالياً حوالي 900 عسكري “هم هناك لدعم المهمة ضدّ تنظيم داعش في سوريا، هذا هو سبب وجودهم هناك”.

ردع ثلاثي.. قاعدة أمريكية جديدة عند المثلث الحدودي

بعد أيام قليلة من تصريحات الناطق باسم البنتاغون حول الدور الحقيقي للقوات الأمريكية في سوريا، رشحت معلومات عن إنشاء قاعدة عسكرية جديدة في ريف الحسكة، وهو أمر عادي لولا الموقع الفريد الذي تتمتّع به القاعدة المزمع بناؤها.

صوامع-تل-علو

وينوي التحالف إنشاء قاعدة عسكرية جديدة له عند مثلث “العراق – سوريا – تركيا”، في منطقة عين ديوار بريف الحسكة، بحسب ما أفاد به المرصد السوري لحقوق الإنسان.

وتشهد المنطقة إمدادات متواترة من قبل القوات الإمريكية، تتجه جميعها نحو ريف الحسكة، في حين أعلن عن إنشاء مطار عسكري في المنطقة.

في السياق ذاته، عمدت القوات الأميركية إلى إفراغ نقاطها في صوامع تل علو ضمن منطقة اليعربية، وانتقلت إلى القاعدة العسكرية التي قامت بإنشائها قبل أشهر، وذلك في إطار التحركات المتواصلة للقوات الأميركية في منطقة شمال شرق سوريا.

وكانت القوات الأميركية قد حوّلت مطاراً زراعياً في ريف اليعربية (تل كوجر)، شرق الحسكة إلى إلى قاعدة عسكرية لها، خلال شهر تموز/ يوليو المنصرم، إضافة إلى إنشاء مهبط للحوامات وطائرات الشحن. كما حصنت القوات الأميركية القاعدة الجديدة بالكتل الاسمنتية والسواتر الترابية.إ

تمدّد إيراني .. من كلّ حدب وصوب

على الرغم من التصريحات السياسية التي تؤكّد أن روسيا تعمل على مراقبة القوات الإيرانية، وأنّها تقوم بدور الضامن القادر على كبح جماح الميليشيات الإيرانية، غير أنّ المعطيات على الأرض تعكس وضعاً مختلفاً.

وكان المرصد السوري لحقوق الإنسان، قد أفاد مؤخّراً أن تمدّد الميليشيات الإيرانية وصل إلى مدينتي القامشلي والحسكة في شمالي شرقي سوريا، والتي من المفترض أن تكون ضمن النفوذ الجغرافي لروسيا.

حيث تمكّنت ميليشيا “فاطميون” بإشراف شخص إيراني يدعى “الحاج علي”، من تجنيد أكثر من 205 من ميلشيات “الدفاع الوطني” الموالية لروسيا ونحو 35 مدنياً.

لواء فاطميون
لواء فاطميون/وكالة تسنيم الايرانية

وأوضح المرصد أن عنصر الدفاع الوطني يتلقى راتبا شهرياً من النظام السوري يقدر بنحو 50 ألف ليرة سورية، أي أن الراتب الجديد سيكون نحو 6 أضعاف ما كان يتقاضاه، وهو نوع من الإغراءات المادية التي تقدمها إيران مقابل تجنيد الرجال والشبان لاسيما في ظل الظروف المعيشية السيئة جداً.

تأتي هذه التطوّرات بالتزامن مع تقرير للمفتش العام في البنتاغون، بأنه على الرغم من تراجع تهديد داعش داخل سوريا، فإن إيران تولي الأولوية لأهداف أخرى، منها دفع أميركا نحو الخروج من البلاد، وربما تسعى أيضاً نحو تنفيذ أو التشجيع على شن هجمات محدودة ضد القوات الأميركية.

حيث أوضحت وكالة الاستخبارات العسكرية الأميركية، أن إيران حاولت تجنيد سوريين محليين في شرق محافظة دير الزور، لجمع معلومات عن القوات الأميركية وقوات التحالف داخل سوريا، وربّما تحاول تمكين هؤلاء الأفراد من تنفيذ هجمات نيابة عنها، لافتةً إلى أنّ إيران أبقت على وجودها داخل المناطق، التي كانت خاضعة سابقا لداعش في شرق سوريا، لحماية طرقها اللوجيستية.

وسط كلّ هذه التطوّرات شرق سوريا، وعلى الرغم من أن “داعش” يعتبر هدفاً لجميع الأطراف المتواجدة في سوريا، سواء أكانت دولية كالتحالف والقوات الأمريكية، أوروسيا التي تقول أنها قامت بـ 900 غارة على داعش، وحدها، منذ مطلع الشهر الحالي، والأمريكيون الذي أكّدوا أن ما يعنيهم في سوريا هو هزيمة داعش، وحتى إيران التي روّجت مراراً إلى أنّها معنية بهزيمته، وأن ميليشيات الحشد الشعبي الموالية لها، كان لها دور بارز في دحره، إلا أنّ داعش بات يشكّل خطراً متنامياً في المنطقة، والمعطيات تنبئ بأن الوضع ذاهب إلى ما هو أسوأ، في حين يمضي الجميع في استكمال مخططاتهم، ويواصل السوريون محاربة الجوع بمعدات خاوية.

ليفانت

اترك رد