ميشيل كيلو: ضمِن الأسد بعد الثورة كرسيّه مقابل تدمير سورية دولة ومجتمعًا كهدف من أهداف تلّ أبيب

يحلّ الكاتب والمعارض السياسي ميشيل كيلو، هذا الأسبوع، ضيفًا على مركز حرمون للدراسات المعاصرة، في هذه المساحة الحوارية، للحديث معه عن آخر مؤلّفاته «من الأمة إلى الطائفة… سوريا في حكم البعث والعسكر»، (400 صفحة من القطع الكبير) الصادر عن دار “موزاييك للدراسات والنشر” في مدينة إسطنبول. وتناول الحوار رؤيته ومواقفه تجاه آخر التطورات السياسية والعسكرية -بكل تعقيداتها- في الجغرافيا السورية الممزقة.

وُلد ضيفنا في مدينة اللاذقية عام 1940، وعاش طفولته في رعاية والده الذي عُرفَ عنه سعة ثقافته. وينقل ميشيل عن والده (حنا) أنه كان يقول: “كيف تستطيع أن تكون مجرد مسيحي في بيئة تاريخية أعطتك ثقافتك ولغتك وحضارتك وجزءًا مهمًا من هويتك”.

ترأس صاحب «دير الجسور» (قصة طويلة) 2019، مركز حريات للدفاع عن حرية الرأي والتعبير في سورية، وهو ناشط في لجان إحياء المجتمع المدني، وأحد أبرز المشاركين في صياغة (إعلان دمشق ــ بيروت/ بيروت ــ دمشق)، وعضو سابق في الحزب الشيوعي السوري. وتعرّض للاعتقال أكثر من مرة، منذ عهد الأسد الأب، وكان الاعتقال الأول في عام 1980، ودام سنتين، في سجن المزة ضمن ظروف بالغة القسوة، ليسافر بعد خمسة أعوام من الإفراج عنه إلى فرنسا، ويبقى قرابة ثلاثة أعوام فيها، واصل خلالها ما كان ينشره منذ عام 1967 من مقالات وترجمات، ولم ينقطع نشاطه السياسي خلال غيابه عن سورية، ولا بعد عودته إليها وموت حافظ الأسد وتوريث ابنه بشار السلطة، وما سبقه من تشكيل “الهيئة التأسيسية للجان إحياء المجتمع المدني” بالتعاون مع ثلاثة أصدقاء آخرين، وصولًا إلى “ربيع دمشق”. اعتُقل ميشيل كيلو مرة ثانية في 14 أيار/ مايو 2006، لدوره في إصدار (إعلان دمشق ــ بيروت/ بيروت ــ دمشق) عام 2006، واتُّهم “بإضعاف الشعور القومي والنيل من هيبة الدولة وإثارة النعرات المذهبية”. وأصدرت محكمة الجنايات الثانية في دمشق في أيار/ مايو 2007 حكمًا عليه بالسجن ثلاثة أعوام، بعد إدانته بـ “نشر أخبار كاذبة وإضعاف الشعور القومي والتحريض على التفرقة الطائفية”. ثم أحيل على المحكمة العسكرية بتهمة جديدة هي “تسويق (إعلان دمشق ــ بيروت/ بيروت ــ دمشق) داخل السجن، وحضّ السجناء على التوقيع عليه”. وتم الإفراج عنه قبيل منتصف ليلة 19 أيار/ مايو 2009، بعد احتجازه أسبوعًا في أمن الدولة وانتهاء محكوميته.

بعد اندلاع ثورة الحرية والكرامة في منتصف آذار/ مارس 2011، ضد حكم بشار الأسد الاستبدادي، شارك ميشيل كيلو في العمل لتوحيد المعارضة مع مجموعة من المثقفين، وحين فشلت جهودهم وتأسست هيئة التنسيق الوطنية، لم ينتسب إليها، وشارك عام 2012 قي تأسيس المنبر الديمقراطي، ليكون رافدًا من روافد الثورة، يُسهم في النضال من أجل مرحلة انتقال ديمقراطي يقرر مستقبل سورية الجديدة. وفي نهاية شهر أيلول/ سبتمبر 2013 أسهم في تأسيس اتحاد الديمقراطيين السوريين.

وكان عضوًا بارزًا في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، قبل أن يغادره عام 2016. وقد حجز النظام الأسدي احتياطيًا على أمواله المنقولة وغير المنقولة في سورية، أواخر عام 2012، وحكمت عليه محكمة الإرهاب بالإعدام عام 2015. تمتاز مواقف كيلو وتحليلاته السياسية بالشجاعة والجرأة، وهو يركز في ما يكتب على تحرير الشعب السوري من الاستبداد والطائفية، وتأسيس البديل الديمقراطي ودولة المواطنة. ومن كتاباته سلسلة «قصص واقعية من عالم الأشباح.. ذكريات من سجون الأسد»، كشف فيها تفاصيل حياة أليمة عاش السوريون فظاعاتها طوال عقود خمسة في مملكة الصمت الأسدية. وفي كثير من كتاباته، رسم كيلو عوالم الدولة الاستبدادية الداخلية: الأفرع الأمنية، المعتقلات، أشكال التعذيب، تصفية المعتقلين، فقدان قيمة الفرد، أو الشعب، في ظل الاستبداد والقمع. ومن المؤلّفات المشتركة التي أسهم فيها كتاب «الجولان السوري المنسيّ وموقعه في سورية المستقبل»، الذي أصدره مركز حرمون، في عام 2017، بمناسبة ذكرى هزيمة حزيران/ يونيو 1967، ومرور نصف قرن على احتلال الجولان. وللأستاذ ميشيل كيلو قرابة أربعين كتابًا مترجمًا عن الألمانية، في الفكر والفلسفة والاقتصاد والتاريخ.

وكان لنا معه هذا الحوار…

بداية، نرجو منكم تقريب قرّاء مركزنا من موضوع كتابكم الجديد «من الأمة إلى الطائفة.. سوريا في حكم البعث والعسكر» وأهمية صدوره في هذه المرحلة، وما الإضافة التي سيقدّمها محتوى الكتاب للتاريخ السوري المعاصر؟

يقع كتابي عن حكم البعث والعسكر في أجزاء ثلاثة: الأول عن الحزب، الذي تأسس رسميًا عام 1947، وما مرّ به من تحوّلات وتعرجات، نقلت مواقفه من النقيض إلى النقيض، في ما يتصل بأكثر قضاياه أهمية ومركزية، كقضية الوحدة العربية، فضلًا عن الحرية والاشتراكية، وفهمه لهما. وينتهي هذا الجزء عام 1966، بالقضاء على بعث الأستاذين الراحلين ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، وتأسيس بعث مختلف على يد ضباط اللجنة العسكرية العائدين من مصر، بعداء شديد للوحدة معها ولشخص الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، والرافضين لقيادة عفلق المتهم بخيانة الحزب، لأنه وافق على حلّه من أجل الوحدة مع مصر الناصرية. أما الجزء الثاني، فيستعرض ويقرأ الفترة ما بين عامي 1966 و 1970، ويعالج الصراع بين تياري حافظ الأسد وصلاح جديد، والطريقة التي تم بها نصب فخّ لمصر ولعبد الناصر، من خلال اللجنة العسكرية، التي أفادت من موقف عفلق الذي انتقل من رؤية الحزب بدلالة الوحدة، إلى رؤية الوحدة بدلالة الحزب، وصراع عبد الناصر على زعامة العالم العربي باسم الوحدة، وتولت الإعداد للحرب التي أطاحت به، وانتهت بالتخلّص من نظامه، وبصعود النظام إلى موقع قيادي في العالم العربي، خلال الحقبة التالية، وفق علاقات قوى جديدة مع إسرائيل التي تم تسليم الجولان لها من الشخص الذي سيستولي على السلطة عام 1970، بانقلاب أوصله إلى القصر الجمهوري، وأوصل رفاقه في اللجنة والحزب إلى سجن المزة. ويحلّل الجزء الثالث، الذي يقع في قرابة 250 صفحة، باستفاضة، ظاهرة الأسدية تحليلًا بنيويًا شاملًا، شرحت فيه كل ما يتصل بتاريخه وخياراته وآليات اشتغاله والنتائج البعيدة المدى التي ترتبت عليه… إلخ، وهو الجزء الذي كتبت الكتاب من أجله، وقدّمت فيه قراءة مغايرة لكل ما كتب عنه، أردت أن تكون الأقرب إلى كشف واقعه.

ما حقيقة العلاقة بين نظام الأسد الأب والقيادات الإسرائيلية، منذ سبعينيات القرن المنصرم حتى تاريخ رحيله؟ وماذا ورث بشار من تلك التركة، وما مآلها في المستقبل القريب؟

علاقات الأسد الأب مع إسرائيل كانت السبب الرئيس لتسليمه السلطة عام 1970، بعد ثلاثة أعوام على تسليمه الجولان لها. وقد أُرسيت علاقته معها على ركيزتين: الأولى انصرافه عن اعتبار وجودها غير شرعي ويستدعي التحضير لمعركة معها تتجاوز سورية إلى فلسطين وأمن وسلامة العالم العربي، الذي كان جليًا على الدوام أنها جهة مكلفة بضبطه، ومصمّمة عليه. والثانية نقل سورية، بالمقابل، من طرف معركته الإستراتيجية معها إلى جهة معركتها مع العالم العربي، بذريعة محاربة عملائها، وكان يكفي أن يكونوا مختلفين معه أو مناوئين ومعارضين لنهجه، حتى يعاديهم كعملاء للصهيونية التي جلست مسترخية في الجولان، من دون أن يسمح بإزعاجها. ولا ننسى في هذا السياق أنه عمل تحت مظلتها، ولم ينفذ غير المهمات التي وافقت عليها، كما فعل عندما غزا لبنان، بذريعة حمايته أرضًا وشعبًا، وخاض حربًا منظمة ضد منظمة التحرير والحركة الوطنية اللبنانية، بحجة المحافظة عليها، بينما احتلت إسرائيل 12 % من إجمالي مساحته وأقامت منطقة عازلة في جنوبه، من دون أن يفعل شيئًا، والسبب هو تفاهم على إدخاله إلى لبنان، مقابل تقاسم وظيفي له وحقّ إسرائيل في الإشراف على دوره فيه، ورسم خطوط حمراء لا يتخطاها في جنوب الليطاني ومنطقة كفريا في جبل لبنان، مقابل المنطقة المسيحية، وإطلاق يده في خصومها الفلسطينيين واللبنانيين. بالتزام بشار الأسد بهذين المحددين، بالإضافة إلى إبقاء المجتمع السوري خارج الشأن العام، وانفراد الأجهزة الأسدية بإدارة الدولة والمجتمع، انطلاقًا من أسس طائفية بنتها السلطة كي تُبقي المجتمع مقسمًا وموزعًا على جهات متناحرة، ليست إسرائيل بين همومها؛ ضَمن الأسد بعد الثورة كرسيّه، مقابل تدمير سورية دولة ومجتمعًا كهدف رئيس من أهداف تلّ أبيب، ما كانت لتتمكن من إنجازه من دون خسائر فادحة تلحق بها، وقاها الأسد منها.

بماذا تميزت قراءتكم لظاهرة الأسدية في الجزء الثالث من الكتاب، لتكون الأقرب إلى كشف واقعه؟ وفقًا لما توصلتم إليه من تحليل بنيوي لهذه الظاهرة؟

ببناء نظام تديره أجهزة معظمها سرّي وقمعي، نافية للمجتمع، تنتمي إلى مجتمع سلطوي راكبٍ على سوريين مشتتين ومقموعين ومحرومين من حقوقهم، وقادرٍ على انتزاع كل ما هو بحاجة إليه من موارد، لإعادة إنتاج نفسه في إطار يعمق ويعزز حضوره في الشأن العام، وتفوقه على عدوه الداخلي كما يتمثل في المجتمع الخاضع.

كيف يمكنكم تلخيص ماهية بنية السلطة الحزبية والأمنية والعسكرية الأساسية التي أرساها حافظ الأسد لضمان بقاء نظامه، بعد الاستيلاء على السلطة رسميًا بانقلاب عسكري في تشرين الثاني/ نوفمبر 1970؟ وكيف كان أداؤها بعد ثورة الحرية والكرامة في آذار/ مارس 2011؟

هي بنية إجرامية مكرّسة لاحتكار الحقل السياسي واحتلال المجال العام، ومنع الشعب السوري من امتلاك حقوقه أو المطالبة بها، وهو ما تأكد بعد الثورة، حين انقضّ بجيشه الجبان، الذي سلّم الجولان عام 1967 من دون قتال لإسرائيل، وفرّ في حرب 1973، واندحر خلال أربع وعشرين ساعة، اخترق الجيش الإسرائيلي بعدها القطاع الشمالي من الجبهة، بعد أن احتوى هجوم آلاف الدبابات الأسدية، وقد اعترف حافظ الأسد -في حديث له مع الصحافي الأميركي أرنو دو بوشجريف- بتدمير 1112 واحدة منها خلال أربع وعشرين ساعة، وادّعى ككذاب معروف أنّ جيشه خاض أكبر معركة دبابات في التاريخ، والحقيقة أنّ معظم الدبابات لم يدمّر، بل تُركَ في أرض المعركة، لأنّ أوامر “القيادة” إلى ضباطها كانت تلزمهم بعدم التضحية بحياتهم كي لا ينهار النظام. هذا الجيش الذي يتعايش مع احتلال الجولان منذ أربعة وخمسين عامًا، لم يتعايش يومًا واحدًا مع مطالبة السوريين بالحرية، التي وعدهم حزب البعث بها منذ نيف وسبعين عامًا، وتشدق الأسد الأب بوعدها في جميع خطبه، بل انقضّ عليهم كما لم ينقض جيش استعماري على شعب مستعمر، وقتل وجرح وشوه وعذب الملايين منهم!

ما قراءتكم لذهنية بشار الأسد الذي أعلن بعد وراثته الحكم خلفًا لوالده أنّ “الرئيس حافظ لا يزال يحكم سورية من قبره”، وهو المسكون أيضًا، وهذه مفارقة -كما يذكر صبحي الحديدي- برغبةٍ في “قتل” والده ليطبع إرثه باسمه هو؟

هي ذهنيّة كلّ سفاح عرفه التاريخ، قاد نظامًا أقلويًا معاديًا لمجتمعه، وأدلج أتباعه ليزداد جنونًا على جنون، ويرى في السلطة غاية لا قيمة، بالمقارنة معها لوجود الشعب وحياة البشر.

بانتظار مقاربات بايدن الجديدة للسلام في سورية

بعد إطلاق اللجنة الدستورية السورية، وتشكيل اللجنة المصغّرة التي عقدت جولات تفاوضية عدة، وإعلان الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية تشكيل “مفوضية عليا للانتخابات”؛ كيف تجدون مسار الحل السياسي-الدستوري في المرحلة الراهنة؟ وما موقفكم من قرار الائتلاف هذا؟

قضت المعارضة العاصفة على المفوضية العليا للانتخابات، أما اللجنة الدستورية فيقول القائمون عليها إنهم وصلوا إلى نهاية مطافها، فلماذا يواصلون العمل فيها بالصيغة الراهنة، إن كانت جلستها الحالية، الخامسة، لم تتمخض عن نتائج إيجابية؟!

هل ترجّحون حدوث تغيير ما في سياسات إدارة جو بايدن تجاه القضية السورية يمكن أن يُسهم في إيجاد تسوية سياسية للأزمة في سورية، ويضمن رحيل بشار الأسد، ويحافظ على وحدة أراضيها واستقلالها وسيادتها؟

قبل مغادرته المنطقة، في آخر زيارة إليها، قال المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريةجويل ريبورن (الذي غادر منصبه حديثًا) إنه لا يستبعد الانهيار المفاجئ للنظام الأسدي، أما عن الرئيس بايدن وسياساته تجاه سورية، فأعتقد أنه لا بدّ من بعض الانتظار لنعرف ما سيقرره، وإن كنت أعتقد أنّ الموضوع الكردي وملابساته ستحظى باهتمام خاص لديه، وقد يتقدم بمبادرات تقوم على استخدام مقاربات جديدة للسلام في سورية، إن كان يعتقد أنّ سياسات الفوضى الخلاقة قد أدت الغرض منها.

ما تقويمكم لأداء المبعوث الدولي الخاص إلى سورية، السيد غير بيدرسن وفريقه، بعد الاجتماعات الأخيرة للجنة الدستورية في جنيف؟

السيد بيدرسون، كديميستورا، لا يجعل هدفه تطبيق القرارات الدولية، بل تخطيها، لاعتقاده أن هذه الطريقة تمكنه من إنجاح مهمته، في ظل عدم تمسك وفد المعارضة بتطبيق القرارات الدولية وفق أولوياتها، كما هي محددة فيها. ما دام بيدرسون مسير مفاوضات، وليس طرفًا دوليًا مكلفًا بإنجاحها، لن يترتب على دوره أي شيء إيجابي بالنسبة إلى السوريين كشعب.

ما رأيكم بالدور الروسي في مفاوضات جنيف في جولاتها الأربعة؟

روسيا لم تتوقف يومًا عن الالتفاف على القرارات الدولية لمنع تطبيقها، لاعتقادها الصحيح أنها ضد الأسد، وأن تطبيقها سيطيح به.

سيناريو روسي رئيس لإنقاذ الأسد

هناك من يرى أنّ الهيئة العليا للمفاوضات خديعة للشعب السوري، وأنّ اللجنة الدستورية بدعة روسية أُنتجت في “سوتشي” من أجل التطاول الروسي على العملية السياسية واختطافها، وحرفها عن مسارها الصحيح في جنيف برعاية الأمم المتحدة ومرجعية قراراتها، ومن ثم تعطيل العملية السياسية واحتجازها؛ فما رأيكم؟

 ليست اللجنة الدستورية أولوية للحلّ السياسي، ويجب أن يلي قيامها إقامة الهيئة الحاكمة الانتقالية، لإنها إحدى مهماتها، التي يجب أن تكون مكرّسة في القرارات الدولية لإقامة “نظام دستوري”، وليس لصياغة دستور فحسب، فالنظام الدستوري مفهوم أوسع كثيرًا من الدستور، وعلى سبيل المثال، يوجد لدى الأسد دستور، لكن نظامه غير دستوري. المشكلة أنّ رئيس اللجنة الدستورية يعتقد بأولوية لجنته بالنسبة للهيئة الحاكمة الانتقالية، التي يعتقد أنها ستشكل بعد صياغة الدستور، متجاهلًا أنه يذهب منذ عام ونصف العام إلى جنيف وغيرها من دون أن يصل حتى الآن إلى جدول أعمال ملزم لوفد المخابرات الأسدية.

هل تعتقدون أنّ هناك سيناريوهات روسية مرسومة لبشار الأسد ولسورية في المرحلة المقبلة؟

 نعم، هناك سيناريو روسي رئيس لإنقاذ الأسد، يقول بالضغط العسكري على الطرف الرافض للأسد إلى أن يقبل المشاركة في حكومة وحدة وطنية مرجعيتها بشار الأسد. هذه الخطة لم تنجح، لكن موسكو متمسكة بالأسد كرئيس، وهي تعد العدة لإعادة انتخابه مرة ومرات.

مع تعقيدات المشهد السياسي والعسكري في البلاد، وبعد كل ما حصل في سورية من تدمير وقتل وتهجير، ما هو دور بشار الأسد؟ وهل يمكن أن يتقبله الشعب كجزء من الحل؟

لن يقبل السوريون تحت أي ظرف بشار الأسد رئيسًا لهم. لقد قتل منهم وجرح وشوه وهجّر الملايين في مناطقنا، واعتقل وجوّع وأذل الملايين في مناطق سيطرته، فهل يمكن بعد هذا للسوريين أن يقبلوا به؟

مع تنامي سيطرة روسيا وإيران على مقدرات وثروات سورية، هل تعتقدون أنّ بشار الأسد ما زال يملك قرارًا مهمًا في تسيير شؤون البلاد؟

 ليس لدى بشار أي قرار مستقل، من أي نوع كان، وهو أداة وألعوبة بيد الإيرانيين والروس، الذين قدّموا لنا أدلة على احتقارهم له، في حميميم ودمشق، وهم لن يترددوا في دق عنقه، إن حاول “النطوطة” بينهم وبين الإيرانيين، حليفهم اللدود في سورية.

كيف تنظرون إلى التقارب بين مجلس سوريا الديمقراطية (مسد) وحزب “الإرادة الشعبية” الذي يتزعمه المعارض قدري جميل (رئيس منصة موسكو) برعاية روسية؟ وما هي الأهداف الروسية من دعم هذا التقارب برأيكم؟ وهل سيكون له تأثير سلبي على العلاقات الروسية التركية؟

 العلاقات بين (مسد) وجماعة الدكتور قدري جميل هي علاقات بين قوة ذات ثقل وأخرى بلا وزن، غير ما يمنحها إياه الضغط الروسي على هيئة التفاوض. أما هدف روسيا من الدفع نحو اللقاء، فهو متعدد المقاصد، كالتقرب من الكرد، بذريعة مساعدتهم في إقامة تحالفات مع جهات سورية من خارج دائرتهم المباشرة، والتنافس مع واشنطن عليهم، والإفادة من اختراقاتهم الكردية في علاقاتهم مع تركيا، لعقد صفقات ومساومات معها.

“قيصر” يساعد في إعداد النظام للسقوط

ما قراءتكم للعلاقات الروسية التركية حاليًا، أهي في حالة صراع أم تعاون؟ أنقرة تدعم الفصائل ضد روسيا، في حين أنها تقرّ بالتعاون معها في أمور عدة، لا سيّما حماية النقاط التركية؟

علاقات تركيا وروسيا في سورية هي علاقات صراع مسيطر عليه، كي لا ينفجر ويحسم من طرف أي منهما، فيخرب علاقاتهما التي تتجاوز في أهميتها إخراج تركيا من سورية، وبشار الأسد ورئاسته.

بتقديركم، هل الروس راغبون في إخراج إيران من سورية، وهل هم قادرون فعلًا على ذلك؟

أعتقد أنّ روسيا لن تتخلى عن إيران من دون ثمن مرتفع تقبضه من واشنطن، التي تبدو غير متلهفة فعليًا على إخراج طهران من سورية، أو السماح لموسكو بالضغط بورقتها من أجل قبول واشنطن بدور أكبر لها في المجال الدولي، والقبول بتنسيق معها، وإن في إطار غير متعادل. لدى واشنطن مداخل كثيرة على إيران، لذلك يغلط الروس عندما يعتقدون أنهم يمسكون واشنطن من اليد التي تؤلمها، من خلال علاقاتهم مع طهران.

هل ترون أنّ تطبيق قانون “قيصر” الأميركي سيؤدي إلى سقوط نظام بشار الأسد؟ وإلى أيّ مدى تتفقون مع الرأي القائل إنّ “هذا القانون (قيصر) حوّل حلم الروس باستثمار نصرهم العسكري، سياسيًا ثم اقتصاديًا، إلى سراب”؟

لا أعتقد أنّ قانون “قيصر” يمكن أن يُسقط النظام بدون اعتماد سياسات تكميلية تفيد منه، وتستغل ما حلّ بالأسدية من ضعف نتيجة لتطبيقه. إنه يساعد في إعداد النظام للسقوط، في حال قررت واشنطن التدخل لإسقاطه، بعد بلوغه حدًا معينًا من الضعف والتهالك الداخلي وانفكاك السوريين عنه في معازله المخابراتية. أما عن قطع الطريق على روسيا، ومنعها من فرض حل سياسي روسي في سورية، بسبب قانون “قيصر”، فأعتقد أنّ هذا الرأي صحيح؛ فالروس بعد خمس سنوات من الحرب المباشرة ضد السوريين يواجهون حالًا من العجز عن تحقيق أي شيء يتفق وانفرادهم الذي قرروه لوجودهم في سورية، وهم يعانون اليوم جملة خطوط حمراء أميركية وتركية وإيرانية وإسرائيلية وفصائلية، تحتجزهم في ستين بالمئة من مساحة سورية، التي كرر بوتين مرات عديدة رغبته في إعادة كل شبر منها إلى ربيبه الأسد.

ما دور الهيئة العليا للمفاوضات في المفاوضات مع نظام الأسد في ما يتعلق بملف المعتقلين والمختفين قسريًّا؟

لا تهتم الهيئة العليا للمفاوضات بالمعتقلين، ولم تكرّس جهودها أو تضع خططًا لجعلهم قضية دولية ضاغطة على روسيا والأسد.

أخيرًا، بعد كل ما جرى، هل يمكن إيجاد أرضية مشتركة بين قوى الثورة والمعارضة والأحزاب السياسية السورية، للعمل على إحداث تغيير جذري شامل للنظام وانتقال سياسي حقيقي في سورية؟

ليس هناك فرصة لذلك، في ظلّ الافتقار إلى قيادة، والتبعثر النخبوي المشين، والتحكم الإرهابي في الشعب، ووجود السلاح في أيدي فصائل ليس بين قادتها إلا قليل ممّن يتمتع بصفات وأخلاقيات وطنية، وخروج القرار من أيدي من يدّعون تمثيل السوريين، وهم لا يمثلون أنفسهم، حين يتعلّق الأمرُ باتخاذ قرار يعبّر عن الإرادة الوطنية، وسقوط “المناطق المحررة” تحت احتلال أخويّ، من غير المستبعد إطلاقًا أن يضحي بها كي لا يضحي بمصالحه الخاصة، وحالة العجز العام عن تطبيق القرارات الدولية، والنماذج الكاريكاتيرية التي تدير لجنة دستورية، ولم تلاحظ طوال عام ونيف أن ليس هناك، ولن يكون، مفاوضات ولا من يفاوضون! هناك حاجة إلى ثورة على ما يسمّونه اليوم كذبًا “الثورة”.

ميشيل كيلو مع بعض المعارضيين السوريين في منزله في دمشق عام 2012 احتفاءً بخروج المعارض رياض الترك من سجون الأسد

مركز حرمون للدراسات – غسان ناصر

اترك رد