باسيل وبشار الأسد وكرسي الاعتراف

منير الربيع:

قادت النفحة المسيحية في خطاب رئيس التيار الوطني الحرّ، جبران باسيل، إلى إجلاسه على كرسي الإعتراف. بدا وكأنه يعترف أمام كثير من كهنة السياسة. اعترافات لم تخل من الإتيان على ذكر بشار الأسد بالإسم، والاستماع إلى مآثره في الدفاع عن المسيحيين والتعلّم من التجربة. وكأنه يقول إنه إلى جانب بشار الأسد من القوم الذين “أُدخلوا في التجربة”، لكنهما لم ينجيا من الشرّير. اعترف باسيل عن نفسه وعن الأسد أيضاً. مستذكراً إحدى جلساتهما معاً، حين قال له رئيس النظام السوري إنه “لو بقي مسيحي واحد في لبنان فقط، فيجب أن يكون هذا المسيحي هو رئيس الجمهورية”. متحدثاً عن مفاخر ومآثر الأسد في التعبير عن الديموقراطية والتنوع وتعزيز صلاحيات المسيحيين!

طبعاً، غاب عن بال باسيل في لحظة اتهام الجميع أنهم يكررون 13 تشرين الأول، أن الطائرات السورية هي التي قصفت القصر الجمهوري في 13 تشرين الأول 1990. خانته ذاكرته، فأسقطت من حساباته اجتياح الجيش السوري لقصر بعبدا وإخراج ميشال عون منه. وتناسى أن هذه الحرب خيضت لتكريس اتفاق الطائف بنسخته السورية، أي الذي لم يطبّق إلا بناء على طريقة البعث. وبموجبها نزعت صلاحيات رئيس الجمهورية وهشّم التمثيل المسيحي. أحال باسيل النظام السوري إلى فعل التوبة، أو التعلم من التجربة، التي لا يريد الآخرون أن يتعلموا منها. فبدا في صورتين متناقضتين، صورة تشير إلى الاستعداد لتكرار الأخطاء السابقة نفسها، وهو قد اتهم خصومه بها، واتهم المسيحيين الآخرين أيضاً. وصورة أخرى تنطوي على تراجعه وإظهار أنه لم يعد قادراً على خوض المزيد من المعارك السياسية، التي ستأتي بنتيجة جدّية على المدى الطويل، خصوصاً في عملية تشكيل الحكومة. فتقدم بمبادرة إصلاحية لا بد من إقرارها بمجلس النواب، مقابل التخلي عن أي شرط حول الحكومة.

العودة إلى حضن الحزب
على كرسي الاعتراف أيضاً، توجه باسيل إلى رفاقه في التيار حول الاهتمام بإنهاء المراجعة السياسية الشاملة التي تجري داخل المؤسسة التنظيمية، على أن تعلن نتائجها في 14 آذار بمؤتمر عام سيتم عقده. لكنه أيضاً تراجع عن مواقف أطلقها سابقاً استهدف فيها حزب الله، فكان أول ما تراجع عنه هو البيان الذي أصدره التيار الوطني الحرّ في ذكرى توقيع ورقة التفاهم مع الحزب، حين قال إن التفاهم لم يساهم في بناء الدولة ومحاربة الفساد. في موقفه الجديد أو اعترافه، اعترف لحزب الله بالفضل على تياره، منذ التحالف في العام 2006 إلى حين وصول رئيس الجمهورية ميشال عون إلى موقعه الطبيعي. ثم عاد وأشاد بحزب الله وبأنه ملء الثقة في عدم الذهاب إلى أي تفاهمات على حساب المسيحيين، حتى لو حصل تقارب سني شيعي، لأن الحزب حسب باسيل لا يذهب إلى اتفاقات من تحت الطاولة. وفي موقف ثالث أعلن أنه غير متمسك بالثلث المعطل، لأنه يمتلكه مع حزب الله. فعاد إلى موقعه الأساسي إلى جانب الحزب أو في حضنه.

وكما تراجع عن الاختلاف مع الحزب، تراجع أيضاً عن موقفه في 13 تشرين 2019 الذي هاجم فيه السوريين والأميركيين، عندما استخدم وصف الطائرة السورية التي قصفت القصر الجمهوري ومن فوقها طائرة أميركية تحميها. كان لا بد من مسح هذا الذنب بالاعتراف بتعلم السوريين من التجربة، والإشارة إلى ما قاله له بشار الأسد.

معركة مع برّي
حكومياً لم يقدّم باسيل أي طرح جديد، كرر مواقفه السابقة بأنه لا يريد المشاركة في الحكومة، لكنه كان ذكياً في الاقتراح الذي تقدم به بالمقايضة بين الحكومة والإصلاحات. وهذا كلام جديد، لا بد من مراقبة رد فعل الأحزاب والقوى السياسية، ومواقف الكتل النيابية. خصوصاً أن هذه الطروحات لا يمكن لأي طرف أن يعارضها. ولكن الأهم هو أن باسيل وحلفاءه هم الذين يمتلكون الأكثرية النيابية. ما طرحه باسيل هو معركة سيخوضها مع الرئيس نبيه برّي. الأهم أن باسيل أعلن أن لا علاقة لرئيس الجمهورية بهذه المبادرة. وبالتالي، يريد التيار خوض معركة نيابية في سبيل هذه القوانين، بينما معركة انتخابات رئاسة الجمهورية تبقى مفتوحة من قبل ميشال عون، الذي “لن يوقّع على أي تشكيلة لا تراعي مبدأ الشراكة الفعلية وتحفظ الصلاحيات”.

الهروب من المسؤولية 
في دفاعه عن حقوق المسيحيين، أراد باسيل الإشارة ضمنياً إلى أنه تراجع عن مواقف فعلية وحقيقية، أهمها مراعاة حاكم مصرف لبنان ومجانبة الهجوم عليه بقوة، بالإضافة إلى تقديم المفاضلة بين الإصلاح وتشكيل الحكومة ومنحها الثقة. هي خطوة سياسية تراجعية أيضاً. وهي مختلفة جداً عن طروحاته في الجزء الأول من الخطاب، عندما تحدث عن حقوق المسيحيين ومقاربته لموضوع الثلث “الضامن” أو المعطّل. وبالتالي، هو بدأ هجوماً مركزاً ولكنه قدم في النهاية خطوات تراجعية، تشير إلى أنه غير قادر على فعل شيء في السياسة، فأراد إحراج الجميع. وتحميل مسؤولية أي خسارة إلى القوى الأخرى. لكنه في معرض دفاعه عن العهد والاستعانة بمقولة أن الحرب بدأت أيام الرئيس سليمان فرنجية، ولكن ليس هو من يتحمل المسؤولية، وانهيار الليرة حصل في عهد أمين الجميل ولكن ليس هو من يتحمل المسؤولية.. ولذا، لا يمكن لعون أن يتحمل مسؤولية الانهيار، إلا أن هذا الكلام يضرب كل منطق التيار الوطني الحرّ، حول الرئيس القوي، أو حول تحميل مسؤولية الوضع في البلاد إلى السنوات الثلاثين الماضية أو إلى الحريرية السياسية. كما يكرس سابقة خطيرة تؤسس إلى تهرّب المسؤولين من مسؤولياتهم في المستقبل.

أعلن رفضه للفيدرالية والتقسيم. ولكنه وضعها موضع ابتزاز لكل القوى السياسية الأخرى وخصوصاً حزب الله، بأنه يجب تطمين المسيحيين. فلأول مرة استخدم كلمة فيدرالية طائفية، ممرراً موقفاً أساسياً حول استكمال تطبيق اتفاق الطائف. وهذا أيضاً تطور في موقفه ومن قبله، في محاولة منه لملاقاة طروحات البطريرك الماروني بشارة الراعي. لم يكن باسيل كما كان سابقاً. كل القوة التي أراد أن يظهر عليها، لم تخفِ علامات الضعف والتراجع التي ظهرت بين الأسطر وفي مضمر كلامه. لكنه عرف تماماً كيف يتجنب ذلك نسبياً، عبر إثارة ملفات سياسية بغلاف طائفي ومذهبي، فيبرر الضعف السياسي بالاستقواء بالعصبية المذهبية والطائفية.

المدن

اترك رد