بين مؤتمر دولي وتحقيق دولي

عبدالوهاب بدرخان

الحديث عن تدويل الأزمة اللبنانية مزعجٌ جداً لـ “حزب الله”، لأنه يناقض الأمر الواقع الذي أنشأه مع حليفه “التيار العوني”. أليس “الحزب” هو الذي نسج العزلة الدولية والعربية للبنان: فمن جهة دأب حسن نصرالله على اطلاق التهديدات والاهانات لدول الخليج، واستخدم البلد منصّة ايرانية للتوعّد بإعادة الجنود الاميركيين الى بلادهم جثثاً. ومن جهة أخرى أدار “الحزب” السياسة الخارجية ممسكاً بخيوط دميته، جبران باسيل، وبلسانه لتقويله ما يجب قوله في المحافل العربية ضد الاجماع العربي. وقبل ذلك كان الرئيس ميشال عون حسم الجدل بشرعنته “السلاح غير الشرعي” أساساً للدفاع عن لبنان، ونفيه أن يكون مشكلة داخلية بل مرتبطة بتسوية قضية الشرق الأوسط… وهكذا اعتبر “الحزب” أنه صادر رسمياً، منذ العام الأول لرئاسة عون، القرار الدفاعي للدولة، قابضاً أول الأثمان مقابل إبقائه البلد في فراغ دستوري لترئيس حليفه.
لذلك فإن المؤتمر الدولي، الذي يدعو إليه البطريرك بشارة الراعي، يهزّ طمأنينة كل مَن اعتقدوا أنهم طوّبوا لبنان في “محور الممانعة”، أو بالأحرى تحت احتلال إيراني بأداة محلية هي “الحزب” وحليفه “التيار العوني”. دعوة البطريرك تشبه اللبنانيين جميعاً وتهجس بمستقبلهم معاً، بتيارهم الغالب وعلى اختلاف طوائفهم، ولا تضمر أي فتنة أو ترهيب أو تهديد لأحد بل تسعى الى استرداد الدولة لتكون للجميع، والأهم أنها تفتح الأبواب لاستعادة التزامات القوى الدولية والعربية وتوكيدها حيال لبنان. أما الدعوة المقابلة، التي اختزلها الشيخ نعيم قاسم بنصيحة البقاء في “محور الممانعة”، فإن الأبواق الأخرى لـ “الحزب” طوّرتها، كالعادة، الى التخويف من “خراب” و”حرب أهلية”، بل ذهب أحدها الى أنها “تهديد لصيغة لبنان”. لا شك أن “الصيغة” التي يعنيها “الحزب” وحلفاؤه هي تلك التي ظّن أنه فرغ من توطيدها باستتباع الطوائف الأخرى، وهي “المهدّدة” بدعوتي الحياد والتدويل.
في الحالَين يجد لبنان أنه مخيّر بين تدويلَين: إمّا أن يضع نفسه في كنف المجتمع الدولي طالباً حماية دولته واستقلاله وحرياته وتعايش أبنائه، وإمّا أن تضعه إيران قسراً في المساومات على نفوذها الاقليمي مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وطالما أن الدولة اللبنانية مخطوفة لدى “حزب الله” فعبثاً توقّعُ أن تُحترَم فيها أي مؤسسة، فها هو التحقيق في كارثة تفجير المرفأ يتحوّل وقائع علنية لذبح القضاء والإجهاز عليه نهائياً. هنا أيضاً يعمّ اليأس من ظهور الحقيقة، وتمسّ الحاجة الى دور دولي لمعرفتها، بينما تتضافر منظومة “الحزب الحاكم” على طمسها وتقزيمها. وبعد “مبايعة” جبران باسيل لـ “الحزب” وبشار الأسد، أصبحت واضحة معالم اخطبوط التكتم على الأسرار: مَن استورد النيترات وهندس إنزالها وتواطأ في تخزينها، ومَن حماها وسهّل استخدامها في براميل قتل السوريين، قبل أن يؤدّي تفجير ما تبقّى منها الى تدمير بيروت وسقوط أكثر من مئتي ضحية وآلاف المصابين؟

النهار

اترك رد