مازن عرفة يجعل الحرب ضربا من العبث السوريالي

كاتيا الطويل 

من يقرأ عنوان رواية “سرير على الجبهة” الصادرة حديثاً عن دار نوفل- هاشيت يحسب أن الراوي في نص الكاتب السوري مازن عرفة قرر أن يحارب في صفوف الجيش وأن ينتقل إلى الجبهة. لكن غير المتوقع أبداً هو أن تكون الجبهة، بعديدها وعتادها، هي التي أتت إلى غرفة نوم الراوي لتحتلها. لقد حضر الجنود أنفسهم بأسلحتهم ودباباتهم ومدافعهم وشاحناتهم وحواماتهم وأحذيتهم السوداء الكبيرة، ليحتلوا شقة الراوي والمبنى المقيم فيه، في حركة لوجيستية استراتيجية عسكرية مدروسة.

حالة عبثية سريالية تسيّر السرد وتحول حياة هذا الراوي البسيط المقيم في شقته إلى كابوس كوميدي أسود لا ينتهي. راوٍ مسكين وزوجة وخمسة أولاد، يتحولون إلى ضحايا أحلام يقظة، الكاتب مازن عرفة الذي يُغرق نصه بغرائبية مدهشة ويحول السرد إلى مجموعة مشاهد كاريكاتيرية موغلة في الفانتازيا الساخرة والرمزية.

ويؤكد الكاتب عرفة، في حوار أجريناه معه حول اعتماده الكتابة السريالية الساخرة، أن الواقع الذي عاشه في سورية قبل أن ينتقل إلى ألمانيا هو الذي جعله يتمرد ويكتب، فيقول، “إن الواقع السوري سريالي، ولا يمكن أن يُكتب عنه بغير سريالية غرائبية مغرقة بالعبثية. الهلوسة والكوابيس كلها ضرورية لنقل وحشية الواقع. إن الغروتيسك نفسه الذي وظفته أردته لعباً باللغة والمصائر، تماما كما يحصل في الحقيقة”.

وفي رواية تناهز الثلاثمئة صفحة، يتحول الراوي، صاحب البيت، إلى سجين مذلول ومواطن مشبوه يحتاج إلى كلمة سر ليدخل المرحاض. يتحول البيت نفسه إلى جبهة خطرة وساحة حرب تتنقل بين زواياه المدافع والدبابات و(الأربيجهات). فيتحول القارئ على حين غرة إلى شاهد على هذا الجنون والوحشية، شاهد منساق خلف مشاهد الفانتازيا والسريالية والكاريكاتور.

الجمال القبيح

عبر توظيفه السخرية والهزل والكوميديا السوداء، يُظهر مازن عرفة القبح كعنصر جمالي. والقبح في هذا السياق هو كل فكرة تتوقف عند عيوب المجتمع بدلاً من محاسنه. وتورد الكاتبة الناقدة اللبنانية روز غريب في مؤلفها “تمهيد في النقد الحديث” أن “هناك ثلاثة أنواع أدبية تتميز بعرض القبح، النوع المأساوي المفجع (tragedy)، والنوع المؤلم المثير للشفقة (pathetic)، والنوع المضحك الكوميدي وفروعه الملهاة والمهزلة والكاريكاتير”. وقد اختار عرفة النوع الثالث، أي اعتماد المبالغات الكاريكاتيرية الرمزية والعبثية والكوميدية لنقل التفاصيل والمشاهد، مظهراً بذلك جنون المجتمع وفقدان الإنسان إنسانيته.

سسس.jpg

الرواية السورية (دار نوفل)

وليس عرفة أول من أدخل القبح في جمالية نصه في تاريخ الأدب، فالناقد الشاعر الفرنسي بودلير (1821- 1867) اعتمد مبدأ تطعيم الجمال والشعر بالقبح، فكان ديوانه المثير للجدل “أزهار الشر” تجسيداً لرؤية القبح في الجمال، لا سيما في قصيدته الشهيرة “الجيفة” التي تميزت بجماليتها ورمزيتها، وأثارت سجالاً نقدياً دار حول قضية كتابة الشاعر عن جيفة بمثل هذا الجمال. ومن هذا المبدأ الأدبي نفسه وظف عرفة حالة غرائبية من الهذيان والسريالية الطاغية لنيل استجابة القارئ وتحفيزه على تذوق مرارة الواقع.

ومن علامات الجمال في نص عرفة، تناسب الأفكار وتسلسلها، وتمكن السخرية والفانتازيا من الإحاطة بمعاني النص بقوة حتى النهاية. اللغة نفسها انسابت بسلاسة وأريحية، فوجد القارئ نفسه أمام تعدادات لصفات ومرادفات وكلمات تبلغ أحياناً الصفحة بكاملها (ص: 246).

وينتظر القارئ زلة عرفة طيلة السرد. ينتظر أن ينضب ينبوع المهزلة والغرائبية، لكن الكاتب يسخر لغته عبر الوصف والجمل الطويلة المطعمة بعودات تاريخية وسياسية محنكة وغير بريئة أبداً، يلتقطها القارئ المطلع. فيقول الراوي مثلاً، “ظنوا أنني المندس الذي حرض المتظاهرين، مع أنه لم يُرسَل إلي شيء من الدول المتآمرة علينا…” (ص: 36).

أسلوب لغوي فني يتظاهر بالسذاجة والبساطة والخفة، لكنه يحمل السرد القبح والإجرام والعنف والوحشية والمرارة المسيطرة على الواقع. يعرض عرفة قبح الواقع والرعب المحيط بأهله بأسلوب مجدد ومبدع وغير متوقع أبداً، فيقول مثلاً بسخرية طافحة، “نعلن لهم جميعهم بكل فرح، وسرور، وحبور، ومحبة، ونشوة، وانتشاء، عن افتتاح السوق الدولية للسلاح.” (ص: 246).

في عقر الدار

يتحول بيت الراوي المحتل في رواية “سرير على الجبهة” إلى تجسيد لأرض الوطن كلها. وطن يحكمه طاغية مقيم في العاصمة، “وقد لبس بذلة مموهة، نسجتها له حوريات روسيات وإيرانيات” (ص: 120). أما أدوات هذا الطاغية المعظم فالعسكر طبعاً. يحول الجنود الدار إلى جبهة، ويحولون المواطنين إلى مشتبه فيهم يستحقون التعنيف والتعذيب والتهميش. يتحول بيت الراوي إلى مصغر للدولة، فالمواطن لم يعد آمناً في عقر داره، لم يعد قادراً على حماية أهله وأبنائه. فترحل عائلة الراوي هرباً من الحذاء العسكري الذي لا يتردد في توسيخ السجادة والتعدي على حرمة البيوت والإساءة إلى الجميع.

ويتعمق عرفة في تصوير الآلام والمظالم المثيرة للشفقة والرعب في الوقت نفسه عبر تحميل الأشياء رمزيةً مكثفة. فالحذاء العسكري رمز القبضة الحديدية المسيطرة على الدولة، رمز الرعب الذي تبثه المؤسسة العسكرية في نفوس المواطنين، يتحول إلى تمثال شامخ في وسط صالون الراوي يركع أمامه الزائرون والمريدون، فيقول أحد أبناء الراوي ببراءة خبيثة، “هذا نُصُب رمزي عن العسكر، هذا حذاء عسكري يا والدي، بوط، بوط عسكري أسود”. (ص: 115).

وفي نص يحمل الواقع والفانتازيا بتواز وتماسك وحنكة، تتحول السخرية إلى أداة محاربة الكبت والصمت والخوف، تتحول إلى أداة لعرض الكفاح والصراع والألم والمأساة والبؤس.

الأنثى في السرد

يكتشف القارئ أن مازن عرفة جسد في المرأة قدراً كبيراً من الرمزية والإيحائية. فالزوجة صاحبة الدار وأم الأولاد هي الوطن الأم، هي المرأة التي تشاهد الجنود ينتهكون حرمة بيتها ويهمشون زوجها ويحولون أثاث بيتها إلى أسلحة، فتنهار ويُغمى عليها ثم ما تلبث أن تلملم أغراضها وترحل ما أن تستعيد وعيها.

أنثى ثانية تجسد الوحشية والعنف والبؤس الذي يصيب أبناء سورية، هي الطفلة التي يلتقيها الراوي في الشارع والتي تظهر في أواخر السرد (ص: 274). يلتقي الراوي هذه الطفلة “الأمورة” و”الشطورة” و”الشحرورة” وهي في الرابعة من عمرها، ثم ما يلبث أن يكتشف أنها صارت في الثامنة من عمرها، ومباشرة بعد ذلك تصبح في السادسة عشرة من عمرها. لقد كبرت الفتاة “الأمورة” الصغيرة مع ازدياد أصوات القصف والقنص، وكأن الحرب وأزيز الرصاص تُخرج الأطفال من أحضان الطفولة وترميهم مباشرة في عمر البلوغ، عمر الحرب وقباحاتها.

أما المرأة الثالثة والمفتاح في هذه الرواية، فهي المرأة التي يجمعها الراوي من أشلاء وأعضاء أتته في صندوق أُرسِل إليه. يجمع الراوي “الجسد النسائي على السجادة” من أعضاء نساء متعددات. يجمع الراوي جميع نساء سورية في امرأة واحدة يقبلها ويمنحها الحياة كقصص الخيال. وكأن الكاتب بذلك يمنح الأمل ويعزز الحلم بالقدرة على بناء إنسان جديد، سورية جديدة، وحدة وطنية جديدة لا تتوقف عند الفروقات المذهبية أو الدينية أو العرقية، فيقول عرفة بشاعرية احتاجها السرد بعد كمية الكوميديا السوداء المغرِقة، “الإنسان فينا هو الأصل”. (ص: 327) بعيداً عن العصبيات والحركات المتطرفة الظلامية.

اندبندنت عربية

اترك رد