هل الثورة الاقتصادية قادمة؟

أسواق سوريا فارغة والأسعار ملتهبة.هل من”ثورة اقتصادية”؟

عقيل حسين:

لم يتردد أبو خالد، تاجر التجزئة الحلبي الذي يمتلك محلاً متوسطاً لبيع المواد الغذائية في سوق “جب القبة”، عن الإدلاء بشهادته حول الوضع الاقتصادي البائس في البلاد، والذي انعكس انخفاضاً حاداً على الحركة التجارية. وعلى الرغم من أنه طلب عدم التصريح بإسمه الحقيقي خشية انتقام النظام، إلا أنه كان متحمساً لقول الكثير.
ربما ساعد على ذلك خروج المشاهير من الفنانين والكتاب الموالين للنظام على وسائل التواصل الاجتماعي بشكل متزايد مؤخراً للحديث عن الوضع المعيشي المتردي في مختلف أنحاء سوريا، مع الارتفاع الجنوني في الأسعار والانخفاض الحاد بقيمة الليرة، ما أدى إلى مستويات غير مسبوقة من التضخم، في ظل تزايد نسبة البطالة.
يعتقد الكثيرون أن النظام يتسامح عن عمد مع انتقاد الحالة الاقتصادية الصعبة من أجل تنفيس غضب السوريين، خشية أن يؤدي المزيد من التضييق والكبت إلى الانفجار، لكن هذا الانفجار الشعبي في مناطق سيطرته لا يبدو احتمالاً وارداً في الواقع، بالنظر إلى القبضة الأمنية المشددة من جهة، والإرهاق الذي نال من السوريين بعد عشر سنوات من الحرب التي أدت إلى خسائر بشرية ومادية فادحة طاولت الجميع، وجعلت حتى المقيمين خارج مناطق سيطرته غير متحمسين لتنفيذ أي شكل من أشكال الاحتجاج.
لكن أبو خالد الذي تحدث إلى “المدن” الخميس، أكد “أن السوريين قد بدؤوا احتجاجاً من نوع خاص من خلال التوقف عن التوجه إلى الأسواق لشراء الحاجات الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها، لكن حتى هذه المواد بات المواطن يقتصد جداً في شرائها”.
ويضيف أنه “حتى الأمس القريب، ورغم المعاناة الشديدة، إلا أن الأمور بقيت في الحد الأدنى من المعقول، بحيث وفّر لي عملي في تجارة المواد الغذائية ما يكفي من الدخل لتأمين مصاريف عائلتي، أما حالياً، ومنذ شهر تقريباً، فقد انتقلت إلى مرحلة الخسارة بسبب الانخفاض الكبير جداً في حركة البيع، إلى درجة بات معها الاستمرار في فتح المتجر مع ما يتطلبه من مصاريف عمل خاسر بامتياز”.
وعن السبب الذي يدفعه لمواصلة العمل رغم ذلك، يقول أبو خالد: “أولاً الأمل في أن يكون كل يوم أفضل من سابقه، لكن السبب الأهم هو الخوف من اعتبار النظام أن الإغلاق هو نوع من الإضراب، وهذا الهاجس يسيطر على جميع من أعرفهم من التجار والبائعين، وبالتالي لا أعتقد أنه يمكن أن يحدث أي شكل من أشكال الإضراب”.
ورغم الانخفاض النسبي في سعر صرف الدولار الخميس في السوق السورية، مسجلاً 3800  ليرة، بعد كسر حاجز ال4000 ليرة بداية الأسبوع، إلا أن ذلك لا يُعتبر مؤشراً جيداً بالنسبة لتجار التجزئة. ويقول أبو خالد إن “التذبذب المستمر في سعر الصرف، وكذلك الانخفاض الضئيل الذي يسجل في بعض الأيام مقابل الارتفاع الحاد غالباً أرهق الجميع وتسبب بخسائر كبيرة لهم، ما أجبرهم على التوقف عن استجرار مواد جديدة لن يتمكنوا من بيعها غالباً”.
ولا تقّل معاناة سكان المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة عن معاناة المقيمين في مناطق سيطرة النظام، فزيادة الأسعار لا يحكمها فقط عدم استقرار سعر صرف الدولار، حسب أبو فايز، النازح إلى مدينة إعزاز الخاضعة لسيطرة الجيش الوطني شمال حلب، “بل إن تعدد السلطات وانتشار الحواجز التي تفرض الرسوم على نقل البضائع والمواد بين منطقة وأخرى، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الوقود…، كلها عوامل تسهم في زيادة التكلفة التي يضيفها المنتج والتاجر على سعر المادة عند البيع، ما يرهق حتى الذين ما زال بإمكانهم الشراء، وهي فئة تتضاءل نسبتها بين السوريين باضطراد”، كما يقول.
وحتى في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، ورغم تفاوت درجة المعاناة نسبياً بينها، إلا أنه من غير المتوقع أن يكون هناك أي تحرك شعبي إحتجاجاً على هذا الواقع، كما يقول أبو فايز، وهو عاطل عن العمل منذ وصوله إلى هذه المدينة  قبل ثلاثة أعوام مهجّراً من ريف حمص الشمالي، “بالنظر إلى شعور الجميع باليأس وعدم الجدوى” حسب وصفه.
أمر يتفق معه الخبير الاقتصادي أحمد عزوز، الذي اعتبر في تصريح ل”المدن”، أن “الأمر لا يمكن مقاربته وفق معادلات اقتصادية، فالسوريون اليوم أمام مشكلة سياسية أمنية متجذرة، وهي بحاجة إلى حل جذري”.
ويضيف أن “النظام لن يسمح بأي حركة احتجاجية من أي نوع في مناطق سيطرته، بما في ذلك الإضراب، وعليه فإن أكثر ما يمكن توقعه على هذا الصعيد هو انخفاض حركة التبادل وتراجع الحركة التجارية إلى مستويات متدنية، إلى حد أنه يمكن أن تتوقف بشكل كامل تقريباً، أما الحديث عن حركة احتجاجية شعبية فيبقى مستبعداً”.
لكن الناشط السياسي عبد الله حمدان يرى أن “الوضع الاقتصادي الخانق سيدفع بالنهاية إلى تفجر غضب شعبي قد لا يكون بالمستوى الذي تأمله المعارضة، بحيث نشهد ثورة شعبية حتى لو كانت أسبابها اقتصادية في مناطق سيطرة النظام، وذلك بسبب القبضة الأمنية التي يطبقها دائماً، لكن بالتأكيد سيكون هناك رد فعل قد يصل إلى مرحلة الإضراب، حتى وإن كان غير منظم، ففي النهاية لن يتمكن الناس من الاحتمال أكثر”.
واقع اقتصادي ومعيشي يزداد تدهوراً في مختلف أنحاء سوريا، وتحديداً في مناطق سيطرة النظام الذي يمارس تضييقاً أمنياً شديداً يفاقم الغضب لكن يجعل من التعبير عنه أمراً خطيراً، في الوقت الذي يرى فيه البعض أن كل الاحتمالات تبقى واردة في النهاية.

المدن

اترك رد