ضمائر متصلة على أعتاب موسم جديد

حسن النيفي

بينما تعاني ثورة السوريين من حالة انسداد فيما يخص مسارات الحل السياسي الموازية لاستمرار نظام الأسد وحلفائه الدوليين بالعدوان على الشعب السوري، تنهض في الجانب الآخر حالةٌ أخرى لشرائح سورية مختلفة تتجسّد بحراك ثقافي يؤكّد أن انبثاقات الثورة السورية لا يمكن اختزالها بالفعل السياسي المباشر أو بالنتائج التي تخلّفها المواجهات العسكرية الميدانية، ولعل العبارة التي باتت تتردّد على ألسنة كثيرين : ( إن العودة إلى ما قبل 2011 باتت مستحيلة) إنما تعني في جانب كبير منها أن قدرة نظام التوحّش على قتل السوريين وتهجيرهم، والاستمرار في تعزيز مأساتهم، لم تستطع إجهاض انتفاضة الوعي السوري، ونزوعه نحو آفاق كانت محجوبة عنه من قبل، بفعل عوامل كثيرة، لعلّ أهمها اثنان:

 أولاً – إحكام القبضة الأمنية واستمرار القمع بشتى أشكاله طيلة عقود من الزمن، قد عزّز الشعور بالخوف الذي لم يعد حالة طارئة، بل بات سلوكاً نفسياً ملازماً للمرء في معظم تفاصيل حياته اليومية، الأمر الذي أفرز ظاهرة مرضية باتت مألوفة لدى السوريين طيلة نصف قرن، وأعني ظاهرة (التفكير الخائف) التي أرخت بظلالها على مجمل النشاط الفكري والثقافي السوري في ظل الدولة الأسدية، ما جعل حركة الإبداع في مجمل أشكالها تكاد تكون مشلولةً لافتقارها إلى قرينها الجوهري، وهو  الحرية.

ثانياً – لم يكن قطّاع الثقافة في دولة الاستبداد يختلف عن غيره من القطّاعات الأخرى، من حيث الجانب الوظيفي، إذ إن الأولوية المنوطة بكافة مؤسسات نظام الحكم هي إعادة إنتاج السلطة، من خلال التماهي المطلق مع خطاب السلطة السياسي من جهة، ثم من خلال إنتاج خطاب ثقافي يبرر ويشرعن النهج العام لنظام الحكم من جهة أخرى.

ما راكمه استثمار السلطة لمساحات الثقافة لا تنحصر نتائجه بالعطالة الإبداعية لحركة الفكر فحسب، بل في تعزيز تصوّر خاطئ لمفهوم (الثقافة) التي باتت نشاطاً معزولاً عن سياقه المجتمعي، فضلا عن كونه مصدر تزييف للحياة والوقائع في كثير من الأحوال.

الكشوفات الثقافية للثورة السورية، والتي يمكن أن تكون أكثر غنى وازدهاراً من الإرهاصات السياسية المتعثرة، باتت تفرض ذاتها في الفضاء الثقافي والإعلامي العام، سواءٌ من خلال ما نشهده من حراك ثقافي بين السوريين أنفسهم ( ندوات – محاضرات – حوارات بين أفراد أو جماعات)، أو من خلال حضورها في وسائل الإعلام المختلفة.

الكشوفات الثقافية للثورة السورية، والتي يمكن أن تكون أكثر غنى وازدهاراً من الإرهاصات السياسية المتعثرة، باتت تفرض ذاتها

تلفزيون سوريا هو أحد الكيانات الإعلامية التي بادرت إلى استلهام هذه الكشوفات المنبثقة عن الحراك الثقافي لثورة السوريين، وذلك من خلال البرنامج الأسبوعي (ضمائر متصلة) الذي يعدّه ويقدّمه الشاعر ياسر الأطرش. وقبل الحديث عن أي مُنجَز لهذا البرنامج، تنبغي الإشارة إلى جملة من التحدّيات التي واجهها، وسأكتفي بالوقوف عند اثنين فقط، أما التحدّي الأول فيكمن بالسؤال حول قدرة أي قناة تلفزيونية على تقديم مادّة معرفية، أمام جمهور لم يعتد أن يكون التلفزيون مصدراً للمعرفة أو الثقافة؟ إذ إن الأثر الذي تركته البرامج الثقافية في الإعلام المرئي السوري طيلة عقود من الزمن كان نافل القيمة، طارداً لأيّ جاذبية، لكونه صدًى باهتاً للخطاب الإعلامي السلطوي. أمّا التحدي الثاني – وهو الأهم كما أظن – فيتمثل في مدى إمكانية برنامج ( ضمائر متصلة) على تقديم رؤية جديدة لمفهوم ( الثقافة)، رؤية تنبثق من عمق العلاقة بين الثقافة والسياق الحياتي للمواطن من جهة، وكذلك العلاقة العضوية بين الثقافة وقضايا الشأن العام من جهة أخرى. ولعلّ المتتبع لمجمل حلقات البرنامج خلال سنتين ماضيتين، يلاحظ بوضوح حضوراً بارزاً لما كان مسكوتاً عنه، بل مُبعَداً عن التداول، إن لم يكن من المحظورات، وعلى سبيل المثال، وليس الحصر(قضايا المعتقلين – أدب السجون – المثقفون والسلطة – الأدب والثورة) بالإضافة إلى تناول البرنامج للعديد من المسائل الأدبية والفنية من منظور فكري شامل لا يقتصر بالوقوف عند حدود الظاهرة، بل يحاول مقاربة أبعادها الاجتماعية والسياسية، وكذلك امتداداتها الفكرية والفلسفية، وذلك من خلال أسلوب في التقديم يحاول الابتعاد عن السرد والإملاء، ويقترب من الحالات الأكثر تفاعلية كالحوار مع شخصية أو أكثر، أو استضافة بعض الكتاب أو بعض الشخصيات الثقافية ذات الحضور في المشهد الثقافي، فضلاً عن الجهد الذي يبذله معدّ البرنامج في إعداد التقارير حول القضايا المطروحة.

يمكن الذهاب بمزيد من الاطمئنان إلى أن برنامج (ضمائر متصلة) قدّم خطوات هامة في إزالة بعض التخوم التي ترسّخت في الأذهان والوعي العام بين مفهومي (المثقف والسياسي)، فالثقافة الخاوية من البعد الإنساني والمنبتّة عن السياق الحياتي للناس، والتي لا تكترث لشقاء الكائن البشري أو سعادته، لا يمكن أن تُراكم أيّ ثراء قيمي في تاريخ الحضارة، وكذلك السياسة حين لا تتقوّم على حوامل معرفية وبواعث أخلاقية، وحين تتجاهل يقظة الضمير ونوازع الإخلاص فلا تعدو كونها – حينئذٍ – ضرباً من الزيف والخداع. فكم من مثقف – في الحالة السورية – أدار ظهره لمأساة السوريين منحازاً إمّا لمصالحه الشخصية أو لنصرة الطغاة، وكم من السياسيين الذين برعوا في التسلّق وتصدّر المشهد، لا يحدوهم سوى الجوع الشديد إلى السلطة والنفوذ والاعتياش على مواجع الناس، وبالتالي نجد أن كلا النموذجين مسيءٌ لشعبه وقضيته. ولكن على الرغم من هذا المنجز النوعي في إعادة شيء من الحيوية لمفهوم الثقافة في ظل الثورة، يبقى من أهم ثغرات (ضمائر متصلة) هو الطابع الفردي للجهد الذي يتقوّم عليه البرنامج، إذ من غير المقبول أن ينهض برنامج ذو موضوعات متنوعة على جهد شخص أو اثنين فقط (إعداداً وتقديماً ومحاورة واختياراً للضيوف)، ولعل المفيد في هذا السياق، أن إدارة البرنامج أو القائمين عليه، قد حاولوا تلافي هذه المسألة، إذ رأينا في أول حلقة في السنة الثالثة لانطلاقة تلفزيون سوريا، أن المساحة الزمنية للبرنامج امتدت إلى نحو الساعة، إضافة لإشراك أكثر من مذيع في عملية الحوار، إلا أن ذلك كلّه لا ينفي حاجة البرنامج إلى فريق عمل متعدد الاهتمامات والاختصاصات، إذ من غير المفيد أن تنحصر مهمة المُحاوِر بإلقاء الأسئلة أو قراءتها على الضيف فقط، بل يمكن التأكيد على ضرورة أن يتجاوز فريق العمل الجانب الوظيفي، ليكونوا أكثر قدرة على مقاربة الموضوعات المطروحة ثقافياً، وليس إعلامياً فحسب.

ولئن كانت الموضوعية تقتضي التأكيد على مبلغ العسر في وصول أي كيان إعلامي سوري إلى مبتغاه في ظل الظروف الصعبة التي تحيط بواقع القضية السورية، فحسبنا أن تبقى الجهود قائمة لتكون ثقافتنا الجديدة ضميراً دائم الاتصال بثورة السوريين.

تلفزيون سوريا

اترك رد