في ذكرى انتفاضة قامشلي.. تتواصل فصول الحكاية

نور مارتيني

لم يكن عام 2004، عاماً عادياً في مسار حياة الأكراد السوريين، الذين قاسوا عقوداً من التهميش والحرمان من الهوية، وواجهوا ممارسات الإقصاء من قبل العديد من الحكومات التي تتالت على سوريا، والتي ابتدأت بمفهوم “الحزام العربي”، الذي أسّس له في عهد الجمهورية العربية المتحدة، وتتالت الممارسات ذاتها، التي انتهجت النهج ذاته، ليستحيل الأمر انتفاضة شعبية في الشمال السوري، احتجاجاً على تلك الممارسات الإقصائية.

كثيرة هي المعطيات التي تغيّرت منذذ ذلك الحين، ولكن الخسائر التي خلّفها النهج، أسهمت إلى حدّ كبير في تفتيت العلاقات الاجتماعية، لتأتي الثورة السورية بعد سنوات، وينخرط فيها الكرد السوريون، فيحيي السوريون جميعاً ذكرى شهداء “انتفاضة القامشلي”، في وقتٍ باتت فيه الأسر السورية، على اختلاف انتماءاتها، منكوبة، مشتّة أو تحت التراب..

ففي كل عام يوقد أهالي القامشلي الشموع في أرجاء المدينة، تخليداً لذكرى شهداء انتفاضة عام 2004، تلك الانتفاضة التي أعادت القضية الكردية إلى الواجهة، بعد سنوات من التهميش والخذلان والوعود الكاذبة، بغية صرف الأنظار عن قضية الأكراد المحقة؛ والتي تتجلى في حقهم في الحصول على جنسية أرض قضوا عليها سنيّ حياتهم، دون أن يكون لهم الحق في الحصول على وثيقة تثبت انتماءهم لها.

ليس خفياً على أحد أنّ  الحكومات السورية المتعاقبة، كانت تتبع سياسة التمييز بشكلٍ واضحٍ ضد الأكراد، خوفاً من احتمال أن يجنحوا نحو الانفصال. حيث حرم كثيرون منهم حتى من الحصول على الجنسية السورية، طبقاً لقانون صدر في أوائل ستينيات القرن الماضي.

 وفي عام 1962، تم تجريد 20 في المئة من السكان الأكراد في سوريا من الجنسية السورية، الأمر الذي أثار مخاوف بين جماعات حقوق الإنسان، ووفقاً للحكومة السورية حينها، كان سبب هذا التشريع هو تسلل مجموعات من أكراد تركيا إلى محافظة الحسكة في عام 1945. حيث زعمت أنهم  أتوا من البلدان المجاورة، وخاصة تركيا، وعبروا الحدود إلى الأراضي السورية بصورة غير شرعية، وأن هؤلاء الأكراد استقرّوا تدريجياً، في مدن مثل عامودا والقامشلي حتى أصبحوا الأكثرية في بعض أحياء هذه المدن. وزعمت الحكومة أيضاً حينها أن الكثير من الأكراد استطاعوا أن يسجلوا أنفسهم في سجلات رسمية بشكل غير قانوني، وتكهّنت الحكومة أيضاً أن الأكراد أتوا إلى سوريا لكي يستقروا ويحوزوا على الممتلكات العربية السورية.

وقرّرت الحكومة السورية يومها إجراء تعداد عام في 5 أكتوبر عام 1962 في محافظة الحسكة، وقد شمل الإحصاء 100.000 كردي سوري، حيث تم تجريد 15.000 كردي من الجنسية السورية.

من أين بدأت الحكاية؟

يرى الناشطون الأكراد أن النظام السوري من خلال ممارساته القمعية، والتي تجلّت في تكريس البروباغاندا الإعلامية لتفتيت المجتمع السوري بأكمله، وإثارة التفرقة بين مكونات المجتمع السوري في منطقة الجزيرة السورية. سيما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق واتهام أكراد العراق بالعمالة للأمريكيين، ومحاولة نشر الشائعات المتعلّقة بالطموح الانفصالي لدى الأكراد السوريين، كما أنّ الاختراقات الأمنية في صفوف الطرفين، هي من هيأت الجوّ العام لأحداث ملعب القامشلي البلدي عام 2004، والتي تعتبر السبب المباشر لانتفاضة أهالي القامشلي بداية، لتتبعها ديريك وعامودا وبقية المناطق الكوردية، على الرغم من التضييق الأمني وإقامة الحواجز الأمنية.

بهذا الصّدد يرى الصحفي السوري عمر قدّور، أنه كان: “من المرجح أن هذه السلطات تتحين الفرصة للبطش بالأكراد خوفاً من ارتفاع مطالبهم على خلفية تقدم أكراد العراق بعد إسقاط صدام حسين” لافتاً إلى أنّه “ينبغي ألا ننسى على هذا الصعيد عقوداً من القمع الإضافي الذي تعرض له الأكراد، مثل منع اللغة الكردية وكافة الحقوق الثقافية الأخرى، ووصول عدد المجردين من الجنسية إلى ما يفوق مئتي ألفاً، فضلاً عن الإنكار الكلي لوجود قضية كردية في سوريا. أيضاً، كانت الحركة السياسية الكردية قد شهدت نشاطاً ملحوظاً، وانفتاحاً غير مسبوق بين بعض الأحزاب الكردية والمعارضين العرب، وهو ما لا تطيقه سلطة الأسد”.
فمن الواضح أنّ حالة الاحتقان كانت متواجدة في الأساس، ولكنّ الحاضنة الشعبية كانت تتهيّب من خوض تجربة التمرّد على نظام لا يتوانى عن استخدام أيّ من الأساليب الدموية في حال اهتزّت سلطته.

 الملعب البلدي في القامشلي.. حكاية شهداء الانتفاضة

حول البدايات، يقول المعتقل السابق نصر الدين أحمه، والذي جرى اعتقاله عام 2005 على خلفية نشاطه السياسي،المتمثل بدعم الثقافة والتراث الكرديين بحسب تقرير منظمة العفو الدولية: “كان الجوّ بشكل عام مشحوناً في المنطقة، إبّان حرب العراق، وما تبعه من شائعات حول تأيدد الكورد السوريين للأمريكيين، وانتظارهم لخطوة مشابهة في سوريا، فيما كان المكوّن العربي يعتبر ما جرى في العراق احتلالاً، وفي يوم 10 آذار/ مارس، أي قبل اندلاع الانتفاضة بيومين أقمنا حفلاً موسيقياً لإحياء ذكرى الموسيقي الكوردي محمد شيخو وذلك في الشارع العام، وكان الأمن مستنفراً بشكل عام، ولم يخف سخطه عن هذه الخطوة”.

ويتابع الناشط الكوردي المعروف بـ”أبو رامان” قائلاً: “لم أكن متواجداً في ملعب قامشلو حين اندلعت المواجهات، ولكنني هرعت عندما علمت بالخبر لمساعدة الناس، وحاولت التواصل مع الناشطين الذين قاموا بتوثيق الأحداث وتسجيلها على سيديات، وتهريبها إلى تركيا، التي كانت علاقاتها غاية في السوء مع النظام السوري، الأمر الذي جعل المهمة أسهل”

يتابع ـأحمه وصفه لأحداث ذلك اليوم، قائلاً: “حين بدأ الأمن بإطلاق النار، لم نكن نبادر بالعنف، حتى أنني كنت جالساً لأستريح فقط فأمرني أحد العناصر بالانصراف من المكان، أو أنّه سيبادر إلى إطلاق الرصاص الحي، وأكّد لي أنّ لديه أوامر بالتنفيذ. وقتها كانت المواجهات على أشدّها وسقط إلى جانبي شاب يدعى جيفارا، كان أول الشهداء، ثمّ توالى بعدها سقوط الشهداء”.

أما الصحفي عمر قدور، فيروي تفاصيل يوم 12 آذار قائلاً: ” أذكر في ظهيرة يوم الجمعة 12 آذار 2004، بينما كنت أتناول الغداء، نقل الراديو عبر برنامج يتابع مباريات الدوري خبر شغب في ملعب القامشلي. اتصلت فوراً بالقامشلي لأستفسر عما يحدث، لم يكن الخبر قد شاع حتى في القامشلي نفسها، لكنني كنت متخوفاً من انفجار ما. وقتها كانت سلطة بشار الأسد قد أجهزت على ما سُمّي بربيع دمشق، أي انقلبت على وعودها الإصلاحية الزائفة”.

ويتابع قائلاً: “المظاهرات التي عمّت المناطق الكردية، إثر محاصرة شبان أكراد في ملعب القامشلي وإطلاق الرصاص عليهم، قوبلت بالرصاص أيضاً. في القامشلي، التي ذهبتُ إليها برفقة أكثر من عشرين ناشطاً من مختلف أنحاء سوريا للتضامن مع أهلها بين 17 و20 آذار، شاهدنا شباناً تعرضوا للتعذيب الشديد، وفي مستشفيات المدينة رأينا كيف أن غالبية الإصابات بالرصاص كانت في منطقة الرأس والصدر لا في الأقدام، أي أن الهدف كان القتل لا الترهيب فحسب، وشاهدنا لأول مرة تمثالاً لحافظ الأسد قد تعرض للتخريب من قبل متظاهرين. ورغم أن أجهزة المخابرات قامت بدورها المعهود، وكان كافياً، إلا أن السلطة قامت لاحقاً بنشر الفرقة الرابعة التابعة لماهر الأسد بهدف ممارسة المزيد من التنكيل.

كان في وسع بشار الأسد امتصاص الغضب ببعض الإجراءات، منها عزل المحافظ الذي كان أول من أمر بإطلاق النار، إلا أنه لم يفعل كما لن يفعل لاحقاً في مثال عاطف نجيب في درعا؛”  ومن وجهة نظر قدور فإن هذه الممارسات هي تأكيد على أنّه ” هذه هي طبيعة السلطة الأسدية التي لن تتغير. ومما يجب تذكّره جيداً نجاحه آنذاك في تعزيز واستثمار الحساسيات العربية-الكردية، وهو نجاح سنرى آثاره الدموية بعد اندلاع الثورة السورية. اليوم، أفضل تكريم لشهداء انتفاضة 2004 أن نراهم شهداء قضية الحرية التي لا تتجزأ، لا نفعل ذلك فقط من أجلهم أو من أجل الحقوق الكردية المشروعة، وإنما من أجل مستقبلنا جميعاً.

هدى حاج حرسان، كانت على تواصل مع اللجان الحقوقية التي قامت بتوثيق انتهاكات النظام يومها، حول تلك المرحلة تقول هدى: “في يوم الجمعة الثاني عشر من آذار شهر الفرح عند الأكراد عام ٢٠٠٤، وعلى  إثر اعمال شغب من جمهور الفتوة المسيس مسبقا والمشحون ضد الأكراد، أذيع بالراديو أنه هناك اصابات ووفيات في ملعب القامشلي، ما أجج مشاعر سكان القامشلي من كافة الاقليات على حد سواء متجهين نحو الملعب البلدي في القامشلي” وتؤكّد حاج حرسان أنّه “خرجت الامور عن السيطرة، وثار الناس خوفاً على أولادهم وذويهم ، وما زاد غضب المواطنين قرار محافظ الحسكة والذي جرى تداوله بمقولة (قوصوا هالكلاب) واستخدم فيما استخدم رصاصاً متفجراً محرماً دوليا، بشهادة الأطباء في المشافي الخاصة”

ماذا جرى لاحقاً؟

يقول نصر الدين أحمه: “عملنا على إبقاء جثث الشهداء في المشفى، حماية لهم من انتقام النظام من جهة، ومن ناحية أخرى لكي نقيم لهم تأبيناً جماعياُ يليق بهم، ولكن القوات الأمنية لم تتوانَ لحظةً عن استخدام الرصاص الحي، وفرضت الحواجز وحظر التجوال بين المدن والبلدات الكردية، ومع ذلك خرجت أعداد هائلة من المشيعين، حتى مدن وبلدات عامودا وديريك وسواها التي لم تتمكّن من الوصول إلى قامشلو، فقامت بالتظاهر في مدنها وبلداتها حتى عمّت الاحتجاجات سائر مناطق الشمال السوري، حيث المناطق التي يسكنها الكورد”.وأكّد أبو رامان على حالة التعاضد والتعاطف الإنساني التي أبداها أبناء الشعب الكوردي من المغتربين وقال: “لقد أرسلوا مساعدات مالية جرى توزيعها على ذوي الشهداء وكانت التبرّعات كافية لمساعدة الأسر لفترات طويلة”

أما هوشيار ميجر، وهو ابن المعتقل السياسي ميجر عكيد آغا، والذي يعتبر شيخ معتقلي انتفاضة 2004، بحسب ناشطي المنطقة، كونه أكبرهم سناً، حيث اعتقل لمدة شهر في الأمن العسكري بعد أن رفض الخروج من البلاد، بل فضّل أن يقوم بتسليم نفسه، يقول هوشيار: “جملة واحدة قالها والدي بعد خروجه من المعتقل لا زالت تدور في مخيلتي و كانت الدافع الأكبر لي لأكون جزء من ثورة الكرامة وهي: كان لنا في كل حدث يخص الكرد في سوريا نصيب من الإعتقال والتعذيب، وكان من المعيب جداً أن يمر هكذا حدث دون أن يكون لنا نصيب من الإعتقال فيه” . 

انتقام النظام السوري.. مرحلة ما بعد الانتفاضة

ترى مصادر حقوقية أنّه على مدار أكثر من خمس سنوات منذ مارس/آذار 2004، التزمت سوريا سياسة قمع متزايد بحق الأقلية الكردية السورية. وهذا القمع جزء من قمع الحكومة السورية الأوسع لأي من أشكال المعارضة السياسية من قبل أي مواطن سوري، لكنه أيضاً يشتمل على خصائص مميزة، مثل قمع التجمعات الاحتفالية الكردية؛ لأن الحكومة ترى تهديداً في الهوية الكردية ، وكذلك تتضح خصوصية قمع الأكراد من الأعداد الغفيرة من الأكراد الذين يُقبض عليهم. وقد صدر مرسوم رئاسي في سبتمبر/أيلول 2008 يفرض نظاماً أكثر حزماً على بيع وشراء العقارات في بعض المناطق الحدودية، وهو النظام الذي يؤثر بشكل أساسي على الأكراد ويُعتقد أنه موجه ضدهم. 

حيث أنّه ومنذ عام 2005، حتى عام 2009عمدت قوات الأمن السورية إلى قمع ما لا يقل عن 14 تجمعاً سياسياً وثقافياً عاماً من تنظيم جماعات كردية، وهي في الأغلبية الساحقة من الحالات تجمعات سلمية، وعادة ما لجأت قوات الأمن السورية إلى العنف في تفريق الحشود. وفي واقعتين اثنتين على الأقل أطلقت قوات الأمن النار على الحشود وتسببت في وقوع وفيات، وبحسب تقرير هيومن رايتس ووتش لم تأمر السلطات بفتح أي تحقيقات في وقائع إطلاق النار. 

ولم تكتف قوات الأمن بمنع الاجتماعات السياسية من الانعقاد فحسب، بل أيضاً منعت التجمعات التي تحتفل بعيد النوروز (رأس السنة الكردية)، والاحتفال باليوم العالمي لحقوق الإنسان، والمظاهرات التي تم تنظيمها احتجاجاً على معاملة الأكراد في الدول المجاورة. حتى أن قوات الأمن حققت أيضاً مع مجموعة من طلاب المدارس الثانوية من الأكراد لأنها نظموا وقفة حداد لمدة خمس دقائق في 12 مارس/آذار 2008، لإحياء ذكرى أحداث 12 مارس/آذار 2004 في ملعب كرة قدم القامشلي، والتي تسببت في إشعال احتجاجات عام 2004. 

لم تتوان القبضة الأمنية في جمهورية الرّعب يوماً عن ممارساتها القمعية تجاه كلّ من يسعى لإيجاد موطئ قدمٍ له تحت الشمس، بعيداً عن سطوة الأجهزة الأمنية. لم يكن ما حصل في قامشلو عام 2004 إلا بروفا تحضيرية لما جرى بعد ثورة 2011 وبفارق سبع سنوات، من قتل وتنكيل وتهجير واعتقال، نال من كلّ السوريين على حدّ سواء، لتشهد المنطقة ثورة جديدة، يسقط فيها سوريون من كلّ الفئات، وتصبح المأساة حاضرة في كلّ بيت سوري.

ليفانت

اترك رد