10 أعوام على الثورة.. هل يفكك الانهيار الاقتصادي العقدة السياسية؟

مرهف دويدري

مع انطلاق الثورة السورية عبر المظاهرات السلمية، في آذار 2011، اختار رئيس النظام السوري بشارالأسد قمعها بالقوة، واستخدام الحل الأمني الذي ورثه كما سوريا، عن أبيه الذي نفّذ جريمة إبادة جماعية في مدينة حماه عام 1982 بيد أخيه رفعت الأسد؛ هذه الثورة التي سرعان ما تحولت إلى نزاع مسلح، بعد انشقاق عدد من ضباط وعناصر جيش النظام السوري، حيث استطاعوا تشكيل “الجيش السوري الحر” الذي سيّطر على مساحات واسعة من سوريا، ومع تصاعد نفوذ التنظيمات الجهادية وتدخل أطراف خارجية عدة ساهمت في تعقيد المشهد. حيث صنّف الأسد كل من حمل السلاح ضده بـ”الإرهابي”، حيث أسفرت عشر سنوات من الحرب عن مقتل أكثر من 380 ألف شخص واعتقال عشرات الآلاف ودمار البنى التحتية واستنزاف الاقتصاد ونزوح وتشريد أكثر من نصف السكان، مع أزمة اقتصادية حادة وتداعيات عقوبات دولية مفروضة على النظام وأركانه.

وبعد عشر سنوات على اندلاع الثورة السورية، يبدو أن المشهد السياسي قد انقلب رأساً على عقب، إذ رأى معظم المحللين السياسيين، إن بشار الأسد لن يتمكن من الاحتفاظ برئاسة البلاد أمام ضغط الشارع والمجتمع الدولي وقوات المعارضة التي تلقت اعترافاً ودعماً دولياً، لكنه شنّ حرباً شرسة استخدم فيها كل أنواع الأسلحة، واستعان بكل المليشيات الطائفية التي أنتجتها إيران، بالإضافة للدعم الكبير الذي تلقاه الأسد من روسيا وإيران ما مكنّه من الصمود في وجه الثورة واستعادة السيطرة على مناطق تفنن في تدميرها وتهجير سكانها.

ولعل من أهم أسباب استمرار الأسد في السلطة بعد عقد من الزمن، هو ولاء قيادة الجيش التي تعززت خلال عقود بأقارب الأسد وأتباعه من الطائفة العلوية التي ينتمي إليها. وشكل هؤلاء على الأرجح أكثر من ثمانين في المئة من الضباط القادة في العام 2011، وشغلوا كل منصب مؤثر عملياً داخل الجيش، وقد استفاد نظام الأسد من خوف الناس من “الفوضى” بحسب تعبيره، ومن خوف بيئته (العلوية) على وجودها في حال سقوطه، ما جعلها تستميت في الدفاع عنه دفاعا عن وجودها، كما استفاد من غياب قوى سياسية فاعلة وفقدان الأمل من دور المعارضة.

سوريا بأربع حكومات وانهيار اقتصادي

يخضع السوريون اليوم، لسيطرة أربع حكومات: حكومة النظام السوري في دمشق، التي تبسط سيطرتها على معظم البلاد والعباد مع انتشار كبير للمليشيات الإيرانية والشرطة العسكرية الروسية ومليشيات فاغنر الروسية، والتي باتت صاحب اليد الطولى في تشريع القوانين بعد سيطرتها على مفاصل هامة في البلاد، وبالتالي باتت حكومة النظام غارقة في صراع روسي إيراني لتحصيل ديون الدولتين بعد الهبات المالية الضخمة لدعم الأسد في مواجهة الشعب السوري.

وحكومة “حكومة الإنقاذ” وهي الواجهة المدنية لـ”هيئة تحرير الشام” أو “جبهة النصرة”سابقاً، وتبسط سيطرتها على جزء واسع من الشمال الغربي “إدلب وجوارها”، والتي فرضت التعامل بالليرة التركية ضمن مناطقها بذريعة الانهيار في سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية، وهو ما جعل اقتصاد هذه المنطقة مرتبط بشكل كامل مع تركيا.

والثالثة هي الحكومة المؤقتة التابعة للائتلاف الوطني السوري، الذي ليس له سيطرة فعلية على الأرض ولا يحمل أي ثقل عسكري بالمعنى الحقيقي، وإنما تشكل واجهة سياسية للمعارضة المشتتة والمنقسمة لمنصات وولاءات دولية وإقليمية، وهي تمثل الإرادة التركية بالكامل

والرابعة هي حكومة الإدارة الذاتية في الجزيرة وشرقي الفرات، ممثلة بالإدارة الذاتية أو “مجلس سوريا الديمقراطي والمدعومة من قوات سوريا الديمقراطية، الجناح العسكري للإدارة الذاتية والمدعومة بشكل مباشرة من الولايات المتحدة، بعد التحالف الذي أثمر عن طرد داعش من شرق سوريا وهي تعتبر الحاضنة لما تبقى من قوات أميركية في سوريا، حيث تسيطر على حقول النفط في المنطقة بدعم من التحالف الدولي لمحاربة داعش، وهي المكلفة بإدارة مخيمات أسر مقاتلي داعش والسجون التي تحتجز أسرى داعش.

وعلى الرغم وجود أربع حكومات في مناطق النفوذ المختلفة، إلا أن السوريين في هذه المناطق بدأوا يظهروا ضيقاً وبوادر انتفاضات متلاحقة ومتعاقبة، ضد هذه الحكومات التي فشلت في وقف الانهيار الاقتصادي وارتفاع حالات الفقر بشكل متسارع وجنوني

قانون قيصر..هل يحقق المطلوب منه؟

جاء قانون قيصر بعد أكثر من ثماني سنوات من مطالبة الشعب السوري بالدعم الدولي لحماية المتظاهرين والمدنيين، والذي يهدف إلى حرمان رئيس النظام السوري بشار الأسد من أي فرصة لتحويل التقدم العسكري الذي حققه على الأرض على حساب المعارضة السورية المسلحة، إلى مكسب سياسي يكرس من خلاله فرص بقائه في السلطة إلى أجل غير مسمى، حيث تستهدف العقوبات التي ينص عليها القانون، الكيانات التي تعمل لصالح الأسد في أربعة قطاعات هي: النفط والغاز الطبيعي، وصناعة الطائرات، والبناء، والهندسة ويشمل ذلك الدعم المباشر وغير المباشر للنظام، مثل دعم الميليشيات المدعومة من إيران وروسيا العاملة في سوريا.

وتعتبر أهمية تطبيق قانون “حماية المدنيين في سوريا”، والمعروف بـ “قانون قيصر”، أنها تظهر جلية، في موجة الذعر التي أصابت رجال أعمال وتجار سوريين وعرب يتعاملون مع نظام الأسد خوفاً من العقوبات الدولية التي بدأت تطال بعضهم، كما ويعزو النظام السوري الأزمة الاقتصادية والإنسانية الخانقة داخل سوريا إلى البدء بالعمل بهذا القانون، هذا وتزامنا مع بدء تنفيذ القانون،ودعم السوريون على نطاق واسع هذا القانون الذي أعاد إحياء الأمل بتحقيق حمايتهم من وحشية نظام الأسد الحالية وحماية مستقبل سوريا من المستفيدين من هذا الصراع بعد زوال الأسد.

ولعل إطالة أمد الاستعصاء في حل المعضلة السورية إلى جانب النتائج السلبية لعقوبات قانون قيصر وتراجع الدعم الخارجي للنظام أدت إلى دخول النظام السوري؛ المسؤول الوحيد عن السياسة النقدية في سوريا، في حالة عدم القدرة على الإنتاج بصورة شبه تامة، حيث بدأت الحكومة النظام سوري عقب ذلك، رفع أسعار خدماتها تدريجياً تماشياً مع السعر الجديد للصرف، وكانت هناك قرارات متلاحقة منها رفع أسعار المحروقات والخبز والطحين والإسمنت والرز والسكر المدعومين وتعرفة المواصلات وغيرها الكثير، ما انعكس على أسعار جميع المواد الاستهلاكية في الأسواق، وزاد التضخم بشكل حاد.

طوابير سوريا

وكان قد تجاوز سعر صرف الليرة السورية حاجز الـ 4000 ليرة مقابل الدولار الأمريكي في أدنى قيمة على الإطلاق تسجلها العملة السورية، أما اليورو فقارب 4800 ليرة، ووفقاً لبيانات رسمية تتجاوز نسبة العجز في الموازنة العامة للحكومة السورية للعام الجاري 40%، حيث بلغت اعتمادات الموازنة العامة 8500 مليار ليرة سورية، في حين قدّرت الحكومة العجز في الموازنة العامة بنحو 3484 مليار ليرة.

انهيار الاقتصاد.. هل يحقق ما عجزت عنه الحرب؟

أدّت الحرب إلى تدمير أغلب ركائز الاقتصاد السوري ومقوماته، مما أثّر سلبا على الاقتصاد المدني في سوريا، حيث توقّفت أغلب المعامل عن العمل وهجرها أصحابها وعمالها، ما أحدث عجزاً بالسوق الداخلية وسبّب معاناة كبيرة في المعيشة التي باتت متدنية وشبه منعدمة لملايين الناس، ويعتبر توقّف الإنتاج الصناعي هو حرمان البلاد من مصادر دخل كبيرة، يرى محللون أن سياسات النظام تعمدت أيضاً معاقبة خصومه ومعارضيه وتدمير أي مصدر إنتاج قد يقع تحت أيديهم، حيث تشير تقارير الأمم المتحدة أن تكلفة الحرب الاقتصادية في سورية بلغت تريليون و200 مليار دولار أمريكي.

وبسبب هذه الانهيار الكبير في الاقتصاد بدأت حكومة النظام في دمشق، تواجه غضباً شعبياً عارماً بدءاً من السويداء ودرعا، فيما حالة الشكوى والتذمر والضيق تشتعل في مختلف مناطق سيطرة هذه الحكومة، بما فيها مناطق الساحل المعروفة باحتضانها للنظام، حيث باتت الوطأة الغليظة للعقوبات على النظام مع حرمانه من موارده الغذائية والمائية والنفطية في شرق الفرات، وتجارته الخارجية معطلة، وحتى المنافذ المفتوحة مع العراق والأردن لم تعمل كما ينبغي حتى باتت خزائن النظام فارغة، ومشاريعه لإعادة الإعمار تواجه تحدياً غير مسبوق.

اسواق دمشق

فحلفاء النظام روسيا وإيران، في وضع غير مريح، فهم أيضاً عرضة لعقوبات سابقة، ومشمولين بعقوبات “قانون قيصر” اللاحقة، وحرب أسعار النفط، ضربتهم في الصميم، وجائحة كورونا أثقلت بتداعياتها المالية والاقتصادية والاجتماعية كاهل اقتصاداتهم ومواردهم، وليس لديهم الكثير لتقديمه لحليف يغرق في بحر من التحديات، بعضها مفروضة عليه، وبعضها من صنع يديه.

ولعا روسيا التي نجحت في تفادي السقوط في المستنقع العسكري السوري، تسعى في تفادي الانزلاق إلى “مستنقع اقتصادي” في سوريا، وهي غير قادرة على حمل “الرجل السوري المريض” على أكتافها المتعبة لفترات طويلة، كذلك إيران الحليف الثاني لنظام الأسد، لكن إيران بخلاف روسيا، تواجه حرب استنزاف إسرائيلية ضد قواتها ومليشياتها المنتشرة على الأرض السورية، ما جلعها تفقد الشهية للتمدد في سوريا والبقاء فيها، وتحال التراجع تدريجياً كلما ارتفعت “فاتورة” هذا البقاء والتمدد، وفي مطلق الأحوال، ليس لدى إيران الكثير لتقدمه لاستنقاذ سوريا من خانقتها الاقتصادية، خاصة وأنها تعاني من العقوبات الأمريكية القصوى بعد خروج ترمب من الاتفاق النووي.

وفيما يبدو أن ما لم تحققه كل المعارك على امتداد الأرض السورية على عشرة سنوات وكل المؤتمرات الدولية والمبعوثيين الدوليين للوصول إلى حل يخرج سوريا من دوامة الوحشية الأسدية، قد يحقق انهيار الاقتصاد في إجبار النظام السوري على الخضوع لطاولة المفاوضات التي قد تفضي لرحيل فيما لو أرادت كل الأطراف الدولية والإقليمية الوصول لحل نهائي تضع الحرب فيها أوزارها

المصدر: ليفانت

اترك رد