بعد عشرة أعوام.. بعض حصائل الثورة!

ميشيل كيلو-

بعد عشرة أعوام من ثورة السوريين، تزداد حاجتنا إلى إلقاء نظرة على ما آلت إليه، وأنجزته أو فشلت في تحقيقه.

أعتقد أن هناك نتيجتين ترتبتا على ثورةٍ أراد السوريون بلوغ حريتهم بواسطتها، والتخلص من الوضع الشاذ والمخالف للطبيعة الذي يعيشه وطنهم ومجتمعهم منذ عام 1970، حين استولى حافظ الأسد على السلطة بانقلاب عسكري، وابتدع نظامًا ليس في سياساته غيرُ التنكيل بمواطنيه، بمختلف أشكال العنف والإرهاب، وإخضاعهم لما لا يطيقه شعبٌ من إذلال وإقصاء، وغمرهم بأزمات حرص على تنميتها وتضخيمها، لـ “يطبشها” برؤوس مواطنيه بعد إنضاجها، وجرّهم إلى أزمة أو أزمات أخرى، يتسلط عليهم بواسطتها، وهكذا دواليك.

تتجلى أولى نتائج التمرد الثوري السوري في الإطاحة بنمط السلطة الأسدي، وبالعلاقات التي فرضها على المجتمع السوري، وقامت على تشطيره وتقسيمه ووضعه كجماعات متعادية، بعضها يواجه بعضًا، وخلق هوة اتسعت باضطراد بين أهل السلطة والخاضعين لها، وصولًا إلى إقامة عالمين مختلفين يمتطي أحدهما ظهر الآخر، ويسومه صنوفًا شتى من الاضطهاد، ويهمّشه ويلقي به إلى درك الفقر والذل. هذا النمط من السلطة صارت استعادته، بالصورة التي كان عليها قبل الثورة، ضربًا من المحال، بسبب ما أصابه على يديها من تهتك وضعف وعجز عن إدارة مناطق سيطرته بواسطة وزاراته، ووضع سلطته جهارًا نهارًا بين أيدٍ مخابراتية، فشلت طوال عشرة أعوام فيّ لي ذراع الشعب، على الرغم مما ارتكبته من جرائم لا توصف أو تصدق، واستجلبته من غزاة أجانب لنجدتها، وهم يقفون اليوم عاجزين أيضًا عن إنجاز المهمة التي تعهّدوا بتنفيذها، سواء تعلّق الأمر بإعادة السيطرة إلى كل شبر من سورية، أم بالقضاء على التمرد. وبدلًا من تحقيق وعودهم، ها هو الأسد يقبع في القصر الجمهوري بحمايتهم، وقد أفقدوه ما يدعيه، بين فينة وأخرى، من استقلال وكرامة، بعد تحوله إلى أداة في أيديهم، لا شيء سيمنعهم من بيعها في سوق النخاسة الدولي وصفقاته، إن تواصل فشلهم في رد السوريين إلى بيت طاعته، أو في كسر إرادتهم، ضمن المناطق الخاضعة له، قبل غيرها، التي تبدو مظاهر تململها جلية للعيان، في ما يصدر عن مواطنيها من أقوال ويقومون به من تصرفات، ويرسلونه من إشارات تؤكد رغبة كثيرين منهم في الانضمام إلى المناطق الخارجة عن الأسدية، ومغادرة مناطقها إلى بلدان اللجوء الأجنبية.

 لم يعد هناك من يستطيع إعادة السوريين إلى ما قبل ثورة الحرية، ولم يعد هناك سوريون يقبلون عودة كهذه، تحت أي شرط ولأي سبب، ومهما كانت التضحيات التي يتطلبها استمرار صمودهم الأسطوري في وجه أعدائهم. ولم يعد هناك أيضًا من يستطيع إعادة النظام إلى زمن ما قبل التمرد الثوري، بعد أن دمّره السوريون بصمودهم وبتضحياتهم في سبيل الحرية والعدالة والمساواة والكرامة الإنسانية، وصاروا خطًا أحمر لن يتمكن أجنبي أو أسدي من تجاوزه، لأن الأمن في سورية صار مرتبطًا بشعبها، لا بنظامها الذي فقد وظائفه، باعتراف الروس والإيرانيين، وما يقوم به من تدابير تشبه ما كان يمارسه شطار وعيارون يعيشون من الاحتيال ليستمروا في العيش، ويستحيل أن تكون طريقتهم حبلَ نجاة لنظام قوضه شعبه، ولم يعد له من سند غير غزاة جرّهم إلى مأزقه، لا يستبعد أن تتسع الهوّة بينهم وبينه، إلى أن يدركوا استحالة إنقاذه.

ثمة نتيجة أخرى للثورة، تتعلق بالغزاة الذين يدركون اليوم أن انتصارهم على الشعب السوري هو ضرب من المحال، ووهمٌ سيكون قاتلًا، إن هم تصرفوا كمنتظرين، وضيّعوا وقتهم في إيجاد حلّ يتنكر لحقوق السوريين، لن يحلّ شيئًا، وسيورطهم في صراع لا نهاية له، لن يتردد في خوضه من فقدوا الملايين من أحبائهم، وسيثأرون ممن قتلوهم بقنابلهم أو تحت التعذيب، أو بالتجويع. إذا كانت روسيا وإيران تتوهمان أن بوسعهما إنقاذ الأسدية، عبر حلّ سياسي لا مكان فيه لحرية المواطن السوري وحقوقه، فإن وهمهم سيسوقهم إلى مهالك لن يقوى جيشاهما على تخطيها، في ظل يقظة السوريين الوطنية، وتصميمهم على نيل حقوقهم من أعدائهم، وعلى منازلته، وامتلاك قدر من الطاقات يمكنهم من استهدافه بما لن يترك له مناطق آمنة أو مقار محمية.

بالفارق بين قدرة الشعب على ترميم ما أُنزل به من دمار وتعرّض له من قتل، وبين انهيار الأسدية؛ لن يتمكن الروس، أو غيرهم، من فرض حلّ يُنقذ السفاح، إن كانوا يريدون حقًا تهدئة من لن يهنأ لهم بال، ما دام في السلطة، ووضع حد لحربٍ خالوا أنها ستكون نزهة قصيرة تستمر أسابيع أو أشهرًا قليلة، يحسمون خلالها القتال لصالحه، وها هم عاجزون عن استعادة قرابة نصف مساحة سورية، وعن إركاع مواطنيها، وإزهاق روح الحرية في نفوس بناتها وأبنائها، وبلوغ وضع يضع حدًا للقتال ضدهم أيضًا.  

 لن ينتصر الأسد على شعبٍ غدت هزيمته مستحيلة. ولن يجد الروس حلًا سلميًا لا تكون حقوق السوريين ركيزته وهدفه. ولن يبقى الغزاة الإيرانيون في بلاد ترفض احتلالهم، ولا تمانع في إقامة علاقات طبيعية ورسمية معهم. ولن يفلح أحد بالقفز عن خط الوطنية السورية الأحمر، إذا كان حريصًا على أن لا تُدقّ عنقه.

دمّرت الأسدية طاقاتٍ سوريةً كثيرة، لكن الشعب الثائر أخذ يرمم نفسه، بعد أن دمّرها، وجعلَ استمرارَها مستحيلًا، واستمرارَ الغزاة والمحتلين في وطنه تحديًا لا يستطيعون تجاوزه.

حرمون

اترك رد