عقد على اندلاع الثورة السورية، ماذا نستفيد؟

راتب شعبو.

في العموم، يمكننا القول إن السنوات العشر الماضية شهدت ذروتين للثورة السورية: الأولى ذروة سياسية وأخلاقية بلغتها الثورة سريعًا (في غضون أسابيع قليلة)، أربكت النظام ووضعت مستفيديه وفاسديه في حالة حرج سياسي وأخلاقي أمام المجتمع (اضطر كثيرون منهم إلى إخفاء مظاهر استفادته من النظام وامتيازاته وفساده)، ودفعت النظام، إلى جانب سياسة قمع التظاهرات قمعًا تمييزيًا بحسب المناطق والأوساط، إلى اتخاذ إجراءات احتواء سريعة، مثل زيادة الرواتب، وفتح باب التوظيف واسعًا أمام الشباب، والاستجابة للمطلب الكردي بمنح الجنسية للمجردين الكرد .. إلخ.

كما لجأ النظام إلى طرق غير مباشرة، مثل التساهل مع الأنشطة الاقتصادية غير القانونية، ولا سيّما في مجال مخالفات البناء والبناء العشوائي، لإشغال الناس عن المشاركة في التظاهرات. هذا فضلًا عن تحريك مباشر للعصبيات الطائفية واستخدام الإعلام لخلق حالة غريبة من التوجّس والحيرة والخوف لدى الناس، بنشر قصص غريبة عن أشخاص وسيارات ومندسّين ومؤامرات.. إلخ، جعلت الأهالي يشكّون في أي شخص ويرتابون من أي حركة ويعززون أبواب بيوتهم بالحديد. كان الإفلاس السياسي للنظام صريحًا، في تلك المرحلة، ولم يكن لديه خطاب سياسي يواجه به مطالب التظاهرات بالتغيير.

الذروة الثانية كانت ذروة عسكرية، استغرق الوصول إليها سنوات. فمع التحول العسكري في الثورة، وصل الأمر، كما هو معروف، إلى حد أن النظام خسر حوالي ثلثي مساحة البلاد لصالح تشكيلات عسكرية معارضة إسلامية الطابع، إضافة إلى القوات الكردية في شمال وشرق سورية. لم تعد تنفع النظام، مع هذا الوضع، لا المساعدة الإيرانية ولا التدخل المباشر لـ “حزب الله” اللبناني، فاضطر إلى الاستعانة بالروس في آخر أيلول/ سبتمبر 2015، وهو على حافة السقوط، كما كشف لاحقًا وزير الخارجية الروسي.

ترافقت كلٌّ ذروة من هاتين الذروتين بنقطة ضعفٍ أضعفت فاعليتها في التغيير. الذروة السياسية والأخلاقية ترافقت بضعف القدرة على تغيير النظام، لأن أجهزة الأمن والجيش ظلت، بالغالب، على ولائها. وأمام القمع المتصاعد، كان لا بد لهذه الذروة أن تخبو، إما لجهة التراجع، أو لجهة تغيير الاتجاه نحو تبني العنف المضاد.

الذروة السياسية والأخلاقية أربكت النظام، إلا أنها لم تتمكن من تفكيك لحمته الداخلية، ولم تستطع، بسبب تركيبة النظام وتاريخه، نقل صراع الشعب السوري ضد النظام إلى صراع فعال داخل النظام نفسه، لأنها لم تجد حليفًا لها داخل البنية الصلبة للنظام، ولا سيما داخل الجيش.

إذا كانت الثورة السلمية لا تستطيع إسقاط نظام مثل نظام الأسد، وإذا كانت الثورة العسكرية لا تقود، إذا نجحت في إسقاط النظام، إلى نظام حكم ديمقراطي تشاركي، فما السبيل إلى الخلاص؟

أما نقطة الضعف التي رافقت الذروة العسكرية، فهي دخول الثورة في ثوبٍ إسلامي وإسلامي متطرف، جعلها محطّ رفض متزايد، في الغرب، وفي الداخل أيضًا، حيث راحت القوى العسكرية الإسلامية الطابع تعزز الصورة التي سبق أن رسمها النظام لجمهوره عن الثورة، بوصفها حركة إسلامية ذات دوافع طائفية. هذا فضلًا عن اندراج الثورة العسكرية في سياق أحلاف إقليمية من موقع تابع؛ فكان تغير طبيعة الثورة متناسبًا مع صعودها إلى ذروتها العسكرية. على هذا، ترافقت القوة السياسية والأخلاقية مع ضعف مقدرة مادية، وترافقت الذروة العسكرية مع ضعف مقدرة سياسية وأخلاقية. أي أن الذروتين كانتا منفصلتين ولم تتوافقا، وكان لهذا أثره في ضياع ريح الثورة وتعثرها اللاحق.

السؤال: هل يمكن لهاتين الذروتين أن تجتمعا؟ بوضوح أكثر، إذا كنّا أمام طغمة حكم عصبوية فاسدة، لا تتراجع أمام ثورة سلمية، مهما حازت من وزن معنوي، فسيصبح التحول العسكري في الثورة أمرًا شبه محتوم، فهل يمكن للثورة أن تحافظ على وزنها المعنوي والسياسي في تحولها العسكري؟ هل توجد ثورة مسلحة قادرة على احترام المعايير الأخلاقية، وإن بحدود معقولة، في صراع حياة أو موت مع نظام؟

جوابنا يميل إلى النفي. للصراع العسكري منطقه الغالب الذي يقوم على الانضباط الشديد، وهذا ينشئ علاقات تسلط لا محيد عنها. ويحتاج الصراع العسكري إلى إحياء “عصبيات” قديمة (قومية أو دينية أو مذهبية) أو خلق عصبيات حديثة (تحويل الفكر السياسي للجماعة إلى نوع من الديانة) تشدّ المقاتلين إلى القتال والتضحية، ولا سيما أن المقاتلين، في الغالب، هم من مستويات ثقافية دنيا. أصلًا لا يتوافق التكوين العسكري والعمل العسكري مع حرية التفكير بأي حال، لا وسط التشكيل العسكري، ولا وسط البيئة التي ينشط فيها. والنتيجة هي خنق أيّ تفكير حر أو نقدي أو مستقل، ونشوء علاقة إخضاع للمجتمع الذي توجد فيه بدواعٍ أمنية.

ومن شبه المستحيل منع ارتكاب أفعال جرمية ضد “العدو”، سواء بدافع الانتقام أو بغاية إرهاب الطرف الآخر. هذا فضلًا عن الحاجة إلى التمويل (من أجل التسليح ومن أجل إعالة المقاتلين) وهو ما سيتم إما عن طريق دعم خارجي ويتسبب بتبعية للداعمين، وإما عن طريق النهب والضرائب وفرض الخوات، وفي الحالات كلها، يجد المقاتل نفسه في محل أولوية تتيح له التسلط على المدنيين. وسوف يزداد الوضع سوءًا، كلما زادت مدة الكفاح المسلّح وترسخت متطلبات الصراع العسكري.

في النهاية، حتى لو افترضنا أن المعارضة العسكرية تمكنت من الاستيلاء على الحكم، فالراجح أن تفرض “البنية العسكرية” نفسها على الدولة، ذلك أن هناك كثيرًا من الأسباب التي تبرّر للعسكريين الجدد “تأجيل” المشاركة المدنية الفعلية في الحكم: ضرورة فرض حكم حازم يعالج انقسام المجتمع ودماره ويضع حدًا للفوضى ويلاحق الفلول ويستعيد الاستقرار.. إلخ. وإذا كان ثمة منطق في هذه المبررات، فمن شبه المؤكد أن هذا “التأجيل” سيكون أبديًا، ولا ينتهي إلا على يد تشكيل عسكري مشابه، وبالطريقة نفسها التي جاء بها.

إذا كانت الثورة السلمية لا تستطيع إسقاط نظام مثل نظام الأسد، وإذا كانت الثورة العسكرية لا تقود، إذا نجحت في إسقاط النظام، إلى نظام حكم ديمقراطي تشاركي، فما السبيل إلى الخلاص؟

يصبح هذا السؤال أكثر صعوبة، إذا أخذنا في الحسبان أن الثورة السلمية التي تمكّنت من إسقاط نظام مبارك في مصر لم تنتهِ إلى تأسيس ديمقراطية، بل ارتدت إلى نظام عسكري أسوأ من نظام مبارك.

يمكن القول، باستقراء مباشر، إن الرفض المفاجئ للاستبداد بعد تسليم طويل لا يخلص من الاستبداد الذي ترسخ طويلًا في الواقع، كما في العقول والنفوس، وإن التحرر يحتاج إلى سعي دؤوب لتفكيك الاستبداد، يجمع بين الرفض السياسي (مواجهة سياسية لفك احتكار السياسة) والرفض المدني (الصراع لضمان معيشة الناس وكرامتهم). وإذا كان العمل السياسي ينتسب إلى هويات فكرية مختلفة، ويقود بطبيعته إلى تمايز الجماعات السياسية وفرقتها، فإن أهمية النضال المدني تكمن في أنه من طبيعة جامعة، وفي أنه أساس لتماسك النسيج الاجتماعي. هذا النضال، المهمل في سورية، يحتاج إلى اهتمام أكبر من المنشغلين بالشأن العام.

حرمون

اترك رد