موسكو … رسائلها تمنح الأمل وأفعالها تحمل الموت

بقلم : العميد الركن أحمد رحال.

شخصيات سياسية روسية ومسؤولون رسميون وكتّاب روس حملوا في تصريحاتهم مؤخراً الكثير من الأمل للسوريين، بأن نهاية التغريبة السورية اقتربت وأن هناك تفكيراً جدياً لدى موسكو بالخروج من هذا المستنقع النازف بحل قريب ينعش قلوب السوريين المتعبة.

الكاتب السياسي رامي الشاعر المحسوب على الخارجية الروسية ووزارة الدفاع قال: “ننتظر مبادرة جديدة وجديّة من القيادة في دمشق لتسهيل مهمة المبعوث الشخصي لهيئة الأمم المتحدة، للبدء في تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2254، وفك الحصار عن سوريا، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية”. وهي رسالة تحمل في طياتها جرعة من الأمل لواقع سوري توصيفه بالكارثي لم يعد ينصف بشاعته.

بلقاء جمع منصتي القاهرة وموسكو طُرحت مع الوزير لافروف نقطتان غاية بالأهمية هما عبثية مسرحية الانتخابات التي تمهد للتقسيم ربما، وعبثية الاستمرار بمفاوضات لا نهاية لها، عدا عن خروجها بدون أي نتائج، ومدى انعكاسها سوءاً على الراعي والرعية، وبالرغم من عدم وجود رد واضح من الوزير الروسي على تلك الطروحات لقناعة المجتمعين بارتباط القضية السورية بملفات أخرى لكنهم أدركوا أنه ليس رفضاً لما قالوه، وتلك فسحة أمل يُبنى عليها لاحقاً. 

وباجتماع آخر استغل السيد جمال سليمان عضو منصة مؤتمر القاهرة (المعتكف) وجود الجنرال “زورين” المستشار العسكري للرئيس “بوتين” وقدّم بصفته الشخصية وبعيداً عن منصة القاهرة ومنصة موسكو مقترحاً لتشكيل مجلس عسكري، بعد فشل كل خيارات التفاوض بين السوريين من جنيف إلى سوتشي إلى أستانا إلى جولات اللجنة الدستورية.

طرح فكرة المجلس العسكري كان كخيار وبديل عن الجمود والتعطيل وليس بديلاً أو التفافاً على قرار مجلس الأمن 2254، والفكرة وفق رؤية صاحبها قد تفتح ثغرة بالحائط المسدود الذي عمل ويعمل بشار الأسد على ترسيخه بدعم إيراني وبتنفيذ من بشار الجعفري وأحمد الكزبري، و كان على الروس تلقف تلك الفكرة لأنها تستجيب لتحفظاتهم حول المعارضة السورية بأنها غير موحدة وغير منسجمة وأنها تخضع لتأثيرات الدول المختلفة، والمجلس العسكري يحقق للروس أيضاً أهم مطالبهم الرافضة لخروج المعارضة منتصرة لأنه يكرس معادلة أن الجميع خرج ليس منتصراً لكنه أيضاً ليس مهزوماً.

ومع ذلك وجدنا تجاوباً واهتماماً شعبياً بتلك المبادرة (المجلس العسكري) كونها أوقدت لهم شمعة بنفق مظلم وفتحت باباً من الأمل أمام السوريين.

وعندما تقوم موسكو بتسريب ونشر رسائل مذلة لنظام الأسد ورئيسه بالتحديد، وتظهر حالة الارتباك، وتصور حالة الاستجداء الأسدي لروسيا للتدخل وإنقاذه من السقوط المحتم (كان سيسقط خلال أسبوع كما قال الرئيس بوتين ووزير خارجيته)، فـمن الطبيعي أن يشعر المواطن السوري بالارتياح من أن هناك انعطافة وهناك تغيراً في طريقة التعاطي الروسي مع بشار الأسد بالتحديد، ومع القضية السورية بشكل عام، يُضاف لذلك المقالات الخمسة الأخيرة للكاتب رامي الشاعر والتي حملت في طياتها توجيه النقد اللاذع للقيادة السورية، وتحميلها مسؤولية معظم نكبات السوريين، ومسؤولية فشل المفاوضات وخاصة في جولات اللجنة الدستورية، أيضاً تلك المقالات وبالموقع السياسي الذي يمثله الكاتب، حملت انتعاشة أمل للسوريين من أن هناك تغيرات قادمة قد تكون قبل “مسرحية الانتخابات” التي يطمح من خلالها بشار الأسد لترسيخ وجوده قسراً على جماجم السوريين لسنوات سبع قادمة.

عندما حاولنا ربط “نفحات الأمل” تلك مع الواقع والأفعال الروسية على الساحة السورية وجدنا أنفسنا وكأننا نتعامل بالملف السياسي والعسكري مع دولتين ومع قرارين منفصلين ومتعاكسين تماماً، ويستحيل التصديق أنهما صادران عن قيادة سياسية واحدة.


وإلا ما معنى أن تقوم قاعدة “حميميم” الروسية بقصف صاروخي مركز وعبر صواريخ “توتشكا” الروسية وصواريخ أخرى من إحدى سفنها البحرية الحربية لمناطق مدنيّة في شمال سوريا قرب مدينة “جرابلس” السورية، تتجمع فيها بعض الصهاريج وتقوم بنقل الوقود الخام القادم من مناطق “قسد” إلى الشمال المحرر بعد معالجته بمصافٍ بدائية محلية، وهي مناطق يسيطر عليها قادة فصائل يجتمعون مع الروس وشركاء لهم في اجتماعات “الأستانا”، وبعيدة عشرات الكيلومترات عن مواقع “هيئة تحرير الشام” التي تصفها موسكو بالإرهابية، والتي تنعم بأمان من ناحية الضربات الروسية (وتلك ليست دعوة لقصفهم) لدرجةٍ يحسدهم عليها المدنيون ببقية المناطق التي تتعرض للقصف؟؟

ما معنى القصف الجوي وبطائرات روسية للمدنيين في أرياف إدلب الأسبوع الفائت، وكذلك غض نظرهم عن الخروقات اليومية لميليشيات أسد، وبيوم واحد (الثلاثاء 10 آذار) كانت هناك أكثر من 250 قذيفة صاروخية ومدفعية انهالت على رؤوس المدنيين بقرى جبل الزاوية، وتحت أعين كاميرات المراقبة لأكثر من 12 طائرة استطلاع روسية مسيرة كانت تجوب سماء المنطقة وكانت تصحح لهم الرمايات، وواضح أنها تجمع المعلومات تحضيراً لعدوان آخر لاحق، وهذا ما أدى لحركة نزوح أخرى وخلق الرعب بنفوس المدنيين من أطفال ونساء وشيوخ، رغم أن التأكيد على اتفاق وقف إطلاق النار المعلن بالجولة 15 من أستانا لم يجف حبره بعد؟؟

ثم تخرج علينا قاعدة “حميميم” ببيانات وشهادات زور تحمّل الفصائل مسؤولية الخرق؟؟
كيف لشركاء داعش أن يكونوا حلفاء للروس بالحرب على الإرهاب؟؟

ما معنى أن تعلن روسيا وتروّج للعالم أنها تقوم بحملة ضد “الإرهاب الداعشي” في البادية السورية، وتقوم بتقديم مساندة ودعم جوي لتشكيلات وميليشيات تتبع للأسد وإيران وحزب الله في الحرب ضد خلايا داعش، وروسيا أكثر من غيرها تعلم أن جناحي داعش الإيراني وداعش الأسدي هما من أهم أجنحة داعش في سوريا، وأنهما يتلقيان الدعم المادي والعسكري والاستخباراتي بشكل مباشر من أجهزة نظام الأسد، ومن غرف عمليات الحرس الثوري الإيراني وحزب الله في سوريا؟؟

ما معنى الموقف الروسي الرافض لإدخال الإغاثة الأممية للشعب السوري المنهك والمجوّع واستخدام الروس للـ “فيتو” في مجلس الأمن ضد إدخال الإغاثة من الأمم المتحدة للنازحين في مخيم “الركبان” على الحدود السورية_العراقية ومن أي معابر أخرى بالشمال السوري خارجة عن إدارة النظام باستثناء معبر واحد (باب الهوى) الرازح تحت سيطرة وهيمنة “هيئة تحرير الشام” التي تتفرد بنهب وسرقة معظم تلك الإغاثة دون حسيب أو رقيب، وروسيا تعلم أن إدخال الإغاثة الأممية من معابر النظام يعني سرقتها وتحويلها لشبيحة إيران وحزب الله وفاطميون وزينبيون، وأنه حتى موالو الأسد المدنيون لن ينالوا حصة من تلك الإغاثة؟؟
ما معنى أن تتعهد موسكو للغرب بتحجيم الدور الإيراني ووقف تغولها في مفاصل الدولة السورية، والتعهد بإبعادها عن الجنوب السوري، لكن على أرض الواقع أصبحت إيران وبعد هذا الوعد الروسي أكثر تغولاً وأكثر تمدداً في الجغرافية السورية، وأصبحت ميليشياتها وحرسها الثوري يسيطرون بشكل منفرد على معظم القواعد الجوية العسكرية السورية وعلى مقرات الفرق البرية، وعلى مراكز البحوث والتصنيع العسكري بعد أن نقلت وسائط إنتاج الصواريخ ومعدات تصنيع وتشغيل طائرات “الدرون” من إيران إلى سوريا، بل زادت عليها إيران بطرد الروس من أكبر قاعدة جوية في “التيفور”، وأن ميليشيات إيران وحزب الله باتت تتمدد نحو مدينة “تدمر” التي كانت تسيطر عليها روسيا بشكل منفرد، وقامت تلك الميليشيات مؤخراً بافتتاح مكاتب تطويع ومقرات وحسينيات فيها، ومعلومات متداولة عن نقل إيران وبموافقة روسية وعبر شاحنات ضخمة الفوسفات السوري من موقع “خنيفيس” براً إلى طهران عبر الأراضي العراقية؟؟

ما معنى أن تقول موسكو أنها مع السيادة السورية ويهدد مندوبها بمجلس الأمن بتفعيل منظومة “إس_300” السورية (المعطلة روسيا) في حال استمرار القصف الإسرائيلي والأمريكي ضد ميليشيات إيران وحزب الله، بل زادت عليها موسكو عندما أعلنت مؤخراً عن اشتراك منظومات دفاعها الجوي (بانتثر، بوك إم2) بالتصدي للطيران الإسرائيلي الذي هاجم مستودعات صواريخ إيرانية في محيط “السيدة زينب”، وروسيا تعلم أن كل الأجندة الإيرانية في سوريا ليست لمصلحة الشعب السوري وضد السيادة السورية، والاحتلال الإيراني غايته خلق ساحة إيرانية إضافية لساحات صراعها المنفعية مع أمريكا وإسرائيل، ولتمرير مشروعها الفارسي والمشروع النووي الهادف للهيمنة على المنطقة والتفاخر باحتلالها لأربع عواصم عربية وتحقيق الهلال الشيعي؟؟

منذ سنوات خمس مرت ونحن نقول للروس أن لديكم أخطاء استراتيجية في طريقة تعاطيكم مع الملف السوري أهمها:

-خطأ قاتل للروس أن يظنوا ومهما قدّموا من دعم عسكري (جوي وبري وبحري) لنظام الأسد، ومن دعم سياسي إن كان عبر “فيتو” مجلس الأمن أو سواه، أن يظن الروس للحظة أن بشار الأسد سيكون أقرب لموسكو من الحضن الإيراني، وزيارة وزير خارجية الأسد الجديد “المقداد” لطهران عبّرت عن عمق تفكير دمشق بترتيب تعاطيها مع حلفائها، ومن قبلها الرسالة “المذلة” للروس التي كتبت بمكتب بشار الأسد بأقلام مخابراتية وذيلت بتوقيع عضو مجلس الشعب خالد العبود والتي تطاول فيها على الرئيس “بوتين” وهدد بطرد الروس من سوريا، رسالة تعطي صورة واضحة عن تنمر بشار الأسد ومكان تموضعه النهائي.

_ خطا قاتل للروس أن يظنوا أن الورقة السورية هي ورقة مهمة للغرب وللأمريكان، وأن استحواذ الروس عليها سيقوي أوراقهم الضاغطة على طاولة التشابكات السياسية مع العواصم الأوروبية وواشنطن، وأن بمقدور موسكو مقايضتها مع الملفات العالقة الأخرى، إن كان بملف شبه جزيرة القرم، أو ملف أوكرانيا، أو ملف الدرع الصاروخي، أو ملف العقويات الاقتصادية الغربية على موسكو، وكان على موسكو أن تعلم أن جل ما تريده واشنطن من سوريا هو ما حصلت عليه من السيطرة على مقومات الاقتصاد السوري بالجزيرة السورية عبر دعمها لحليفها “قسد” (نفط، غاز، قمح، قطن، ماء، كهرباء) وذلك لمنع إعمار سوريا بأموال السوريين، وأن الهدف الأمريكي الواضح هو تشكيل حالة اقتصادية ضاغطة على نظام الأسد وموسكو وطهران لتكون شريكاً فقط بأي حل قادم في سوريا.

_خطأ قاتل للروس وبعد علاقات قوية بين الشعبين الروسي والسوري، عسكرياً وسياسياً وحتى اجتماعياً (آلاف الضباط والمهندسين السوريين والخريجين من روسيا زوجاتهم من الجنسية الروسية)، من أن تضحي موسكو بعلاقتها مع 24 مليون سوري خدمة لمصالح وبقاء أقل من 200 شخصية سياسية وعسكرية من بينها بشار الأسد.

ما ينطبق على الروس اليوم المثل المصري القائل: أسمع كلامك أتبسط، أشوف أفعالك أستعجب!!!
وهناك أسئلة تدور في أذهان السوريين: 
متى تخرج القيادة الروسية من عنادها وإصرارها على البقاء في المستنقع الذي وضعهم فيه الأمريكان، وقد قالها المبعوث الأمريكي “جيمس جيفري” منذ أسابيع: (لقد ورطنا الروس بالمستنقع السوري وهم يزدادون انغماساً واستنزافاً هناك)؟؟ 

متى تدرك موسكو أن هناك خيارات أخرى يمكن من خلالها الحفاظ على مصالحها وعدم التضحية بإرث علاقاتها مع الشعب السوري، وتتيقن أن العلاقات المتينة والقوية هي علاقات تُبنى مع الشعوب وليس مع ديكتاتوريات وحكام ساقطين مهما طال الزمن؟؟

متى تدرك موسكو أن النصر ليس هدفاً وحيداً حتمياً في كل المعارك، بل إن تقليل الخسائر ووقف الاستنزاف قد يكون هدفاً سياسياً وعسكرياً ملحاً في بعض الأوقات؟؟

أورينت

اترك رد