الثورة السورية الكبرى في ذكراها

بقلم: محمود الوهب

بعد عشر سنين يصفها السوريون بالعجاف، ولعلها، في ظاهرها، كذلك. يسأل بعضهم: هل كان ضروريًا أن يدفع الشعب السوري ما دفعه من قرابين دمًا وخرابًا، وآلامَ فَقْدٍ، ومعاناةَ تشرُّدٍ، وتهجيرٍ، وتعتيرٍ؟ أمَا كان تَجَنُّبُ ذلك بالإصلاح الممكن؟ ثمَّ يأتيك سؤال آخر، في السياق نفسه، لكنه يحمل كثيرًا من اللؤم والسخرية، ونوعًا من التشفّي: وهل ما جرى يعدُّ ثورة فعلًا؟

وبغض النظر عن إيجابية الإجابة أو سلبيتها، فإن سورية تستحق ما قدَّمه شعبها من تضحيات، وما تحمَّله من أعباء وأثقال. ولا يزال يعاني شقاءً متعدّد الأوجه والأشكال! وكذلك ما ينتظره من تحقق آمال وأحلام. وتظلُّ تلك الأسئلة، على ما فيها من مغالطات، وما تضمره نفوس أصحابها من نيات، تثير أسئلةً جمّة، منها سؤال جوهري، لعله الأكثر أهميةً: من تُراه يتحمّل وزر ما حدث فعلًا؟ ففي الجواب الدقيق عنه يتوقف كل شيء. ولكن قبل الحديث عن أنها ثورة أو غير ذلك، وعن ضرورتها من عدمه لا بدَّ من التذكير بأنَّ النظام الذي استمر 48 سنة، أي منذ مارس/ آذار 1963 وحتى مارس/ آذار 2011، يعدُّ المسؤول الأول والأخير عن كل ما جرى، وما عداه تفاصيل وهوامش، مهما كانت أبعادها وأخطارها، بما في ذلك الإرهاب الذي وجد وعمّم بفعل فاعل، فقد سار النظام بتلك السنين ثقيلًا على الشعب، وبوتيرة واحدة عرجاء، يجرُّ هزائم تتوالى في ميادين السياسة والحروب، والاقتصاد، وبفشل التنمية، بشقّيها الإنتاجي والخدمي، وكذلك الفشل في تطبيق الشعارات التي رفعها.

 تستحق سورية ما قدَّمه شعبها من تضحيات، وما تحمَّله من أعباء وأثقال

وما كان لتلك الهزائم، ولا لذلك الفشل كله، أن يحدثا، إلا بسبب وحيد، الحفاظ على كرسي الحكم الذي اقتضى من حافظ الأسد، كأيّ حاكم مستبد، أن يصادر السياسة وسيرورة الاقتصاد، ومال الشعب ولسانه. وعلى ذلك، فقد اهتم، على الدوام، بتنمية أدوات قمعه كافة، فمن جيشٍ عقائدي إلى أجهزة أمن توغلت في شرايين المجتمع وفي مفاصله الحيوية.. ولم تخل منها المساجد والمدارس ودور القضاء تلك التي تحمل سمات “المقدّس”، والغاية تفرّيغ مضامينها التربوية التي تعنى بالإنسان (المواطن) ماديًا وروحيًا، وحتى عقول الأطفال لم تسلم دونما عملٍ على تسطيحها باستبدال شخص الزعيم بالقيم الوطنية والأخلاقية والإنسانية عمومًا! لقد أفسد النظام كل شيء في سعيه الدؤوب إلى الحفاظ على الحكم، إذ لم يكن لديه من همٍّ سواه.. فمن أين إذًا يأتي الإصلاح؟ حتى إن الولد الوريث الذي جاء باسم التطوير والتحديث، ومكافحة الفساد، سار على المنوال نفسه، مبتلعًا ما كان قد صرّح به في هذا السياق، بل ما كان باشره في السنة الأولى من توريثه. وما كان قد سمعه من كثيرين، معارضين وغير ذلك ممن تعزّ عليهم سورية التي كان يأكلها القمع والفساد.

وفي عودة إلى الجواب عن السؤال الساخر/ الشامت، الثورة تعريفًا هي حال من الهيجان الشعبي الواعي، يحدُث نتيجة تراكماتٍ طويلةٍ، غايته إحداث تغيير في البناء السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وفق أفكار جديدة ورؤية مستقبلية، تستلهم ضرورات الواقع، وحاجاته المرئية في أعين الناس ورؤاهم.. ولم يكن الهدف في التجربة السورية غير تحرير المجتمع، وفكّ أسره، ليمضي إلى الأمام عبر تحرير السياسة الداخلية التي اعتقلها نظام الأسد الأب، بما أسّسه من قمع وعسكر وفساد وتمييز وفشل شامل. ومن هنا، يمكن إيجاد تفسير لحالة الغموض التي أحاطت بذلك الانفجار الهائل الذي جاء على شكل ثورة قام بها ملايين المهمَّشين في وطنهم السوري العريق، إضافة إلى جيلٍ من الشباب الذين مسّتهم عدوى الربيع العربي باكتشافهم، من خلال ثورتي الاتصالات، والمعلوماتية، حقيقة عيش العالم، واتساع الهوة بين حياتهم وحياة الآخرين. وهكذا، ومن غير أحزابٍ سياسية، فلا فعالية لأي حزب في ظل الاستبداد، ودونما رأس مفكر يوجِّه ويدبِّر، سرت حرارة روح التغيير في وجدانهم. وكذلك أدرك تلك الحقيقة آلاف الخرّيجين من خلال تشرّدهم في العالم بحثًا عن عملٍ يليق بوضعهم، ويؤمّن لهم ولأسرهم عيشًا كريمًا.. فضلًا عن مظالم كثيرة عانتها أقوام وطوائف ومدن ومناطق وأحزاب سياسية من يمين ويسار، قتلًا وتحريمًا أو تضييقًا وتحجيمًا.

غاية الثورة السورية تحطيم السد الفولاذي الذي بناه الأسد حول سلطته، وتحت رداء “الوطنية” و”العلمانية” و”المعاصرة” وشعاراتٍ لم يشهد العالم ضجيجًا مماثلًا لها

اليوم، يحاول كثيرون ممن أذهلهم زخم الثورة السورية، وتجرؤ شبابها، وعنادهم وبسالتهم، وكذلك غناؤهم وفرحهم وانطلاقة مواهب مبدعيهم، أن يقارنوا بين الثورة السورية والثورات البرجوازية الأوروبية، وبخاصة الفرنسية منها، وحتى الثورة البلشفية أحيانًا. الحقيقة، الأمر مختلف عند السوريين، بل هو أكثر تعقيدًا، فالثورة الروسية كانت على مقربةٍ من ثورات أوروبية أو من حالة ثورية تعتري معظم البلدان الأوروبية، ثم إن هناك حزبًا يعي ما كان يريده. وثمّة قادة سياسيون على قدر من المعرفة والثقافة، والتجارب المكتسبة، ومعظمهم يحمل أفكارًا جديدة هي ابنة واقعها. ولم يكن بينهم وبين ماركس بالذات مسافات بعيدة. وذلك لم يكن متوفرًا عند السوريين. ومع ذلك، ما حدث في سورية ثورة بكل معنى الكلمة، لكنها ثورة في إطار تأثير الثورات البرجوازية في العالم. ألم تُنه تلك الثورات إمبراطوريات كانت بلداننا وغيرها في قلبها وتبعيتها؟ ثم ألم يستمد السوريون نظام حكمهم، وأول دساتيرهم، من روح الثورة الفرنسية؟ بل ألم يحاجج السوريون الفرنسيين المستعمرين في المحاكم استنادًا إلى مبادئ الثورة الفرنسية؟ (مرافعة فتح الله صقال عن إبراهيم هنانو). ثم ألم يَقُد النضال ضد الفرنسيين مَنْ درسَ في جامعاتهم، وأعني كثيرين من رجال الكتلة الوطنية، هؤلاء الذين حكموا سورية خلال السنوات الأخيرة من الاحتلال الفرنسي وبعد الاستقلال حتى عام 1958، وكانت سورية في عهدهم تسير في طليعة دول الشرق الأوسط. من هنا، ما جرى في سورية هو ثورة تدور في فلك الثورات البرجوازية، وخصوصًا الفرنسية، إذ هي الأقرب لنا في التاريخ. ولعلها تبحث في جوهرها عن “الديمقراطية المغدورة” التي جعلها المعارض المخضرم، عدنان بدر حلو، عنوانًا فرعيًا لكتابه “سورية الخمسينيات” وأكملها بعبارة “من عسكر الدولة إلى دولة العسكر”.

الثورة التي تعمل على استعادة الوجه المضيء الذي كان لسورية لا بد أن تعترضها عثرات وأوجاع كثيرة

نعم، غاية الثورة السورية تحطيم ذلك الحاجز، بل السد الفولاذي الذي بناه الأسد حول سلطته، وتحت رداء “الوطنية” و”العلمانية” و”المعاصرة” وشعاراتٍ لم يشهد العالم ضجيجًا مماثلًا لها، لكن ذلك كله ما جاء، في الجوهر والأساس، إلا لتكريس الفردية الطاغية، وللحيلولة ما بين الشعب وحرياته السياسية التي عدَّها حزب البعث رجعية (بقايا إقطاعية) أو برجوازية (متأوربة) أو (مستغربة) تعادي النظام الاشتراكي الذي أتى بانقلاب عسكري، وتحت اسم “الشرعية الثورية”، متجاهلًا أن الاشتراكية في جوهرها حرية، وما كان سبب سقوط الاتحاد السوفييتي والدول التي سارت في ركابه إلا لتغييب الحريات. وكان على البلدان الطرفية التي حاكت ذلك الأسلوب في بناء الدولة أن تسقط أيضاً، إلا أن أشكال القمع القاسية حالت دون إيجاد الفرص المواتية، وقد أتت فكان ما كان.

ويُذكر أن حزب البعث الذي تأسس في عام 1947 لم يكن لأحدٍ من رجاله أي نصيب في استقلال سورية الوطني، وما كان بناء ذلك السد الذي بناه الأسد إلا لنسيان الماضي الزاهر لسورية، وليبدأ التاريخ معه. اليوم أسقطت الثورة ذلك السد، في عودة إلى السير الطبيعي. ولا أدلّ على ذلك غير استعادة علم الاستقلال الوطني رمزًا عميقًا يشير إلى جوهر الثورة. ومع سقوط ذلك السد، يكون النظام قد سقط، وإن بقي هيكلًا يختلف المعنيون حول زمن ترقينه وأسلوبه المناسبين. وعندئذٍ، تبدأ سورية بالتعافي، وبالبناء على أسس جديدة.

أما أن يقال إن الثورة فيها كذا وكذا فهذا أمر عارض وطبيعي، فمثل هذه الثورة التي تعمل على استعادة الوجه المضيء الذي كان لسورية لا بد أن تعترضها عثرات وأوجاع كثيرة، أليست “دروبُ الحرية دروبَ آلام وأحزان”؟!

العربي الجديد

اترك رد