قانون “الأحوال المدنية” السوري الجديد.. تغطية على مصير المعتقلين وعقبة أمام اللاجئين

ريان محمد

في لحظة يعيش بها السوريون إحدى أسوأ الكوارث الإنسانية منذ الحرب العالمية الثانية في النصف الأول من القرن الماضي، ما تسبب في تشريد نحو نصف الشعب السوري ما بين نازحين ولاجئين، وكثيراً منهم تلاحقهم الإجراءات الأمنية جراء مواقفهم السياسية، أصدر رئيس النظام بشار الأسد القانون رقم (13) لعام 2021 المتضمن قانون الأحوال المدنية الجديد، ليفرض عليهم تجديد البطاقات الشخصية كل 10 سنوات من تاريخ إصدارها، ورفع قيمة الغرامات المالية وعقوبات السجن الخاصة بالمخالفات.  

وتثير مسألة البطاقات الشخصية وتغييرها الكثير من مخاوف ملايين السوريين الذين إما يعيشون في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام داخل سورية أو في بلاد اللجوء، إضافة إلى وجود عشرات آلاف الشبان المستنكفين عن الخدمة العسكرية في مناطق سيطرته، بالإضافة لأعداد كبيرة من الذين بحقهم إجراءات أمنية بسبب مواقفهم وآرائهم السياسية، لينص القانون، عبر المادة (54)، على “تحديد مدة سريان البطاقـة الشخصية بعشر سنوات مـن تاريخ صدورها، وعلى صاحبها أن يتقدم بطلب تبديلها خلال مدة لا تقل عن ثلاثين يوماً، ولا تزيد على ستة أشهر قبل انتهاء مدتها، ويجوز تمديد سريان البطاقة لظروف وأسباب قاهرة بموجب قرار من الوزير”.  

كما يعتبر ملف المعتقلين والمغيبين قسراً أحد أكثر الملفات الإنسانية الضاغطة على السوريين، إذ لا تغيب المطالبة بإطلاق سراحهم والكشف عن مصيرهم عن أي من مناسباتهم، كما يبقى ملف المعتقلين الذين تم إبلاغ ذويهم عن موتهم في المعتقل دون تسليمهم الجثمان، أو القلة الذين أجبروا على دفنهم دون إلقاء النظرة الأخيرة عليهم. وجاءت المادة (38) لتنص على أنه “تسجل الوفيات الحاصلة فـي السجون والمحاجر والمستشفيات استنـاداً إلى شهـادات يقدمهـا مديرو هــذه المؤسسـات، أو مـن ينـوب عنهـم، إلـى رئيـس المـركـز المختص، وتمسـك هــذه المؤسسـات سجلات خاصة بهذه الوقائع”.  

شريحة واسعة بين ملايين السوريين اللاجئين في العديد من دول اللجوء محرومة من القدرة على الوصول إلى مراكز السجل المدني المسيطر عليها من قبل النظام لإصدار وثائقهم الرسمية

وقال ناشط حقوقي معارض في دمشق، طلب عدم ذكر اسمه، لـ”العربي الجديد”، “المريب اليوم في طرح القانون الجديد تجديد البطاقات الشخصية، أن سورية تعاني من أزمة عميقة وهناك انقسام عميق بين السلطة المستبدة بالسلطة وشريحة واسعة من الشعب السوري؛ على إثر ذلك منهم من يعيش في مناطق خارج سيطرة النظام، ومنهم متوارون عن أنظاره في مناطق سيطرته أو مناطق التسويات التي لم يفرض سيطرته عليها بعد، إضافة إلى ملايين السوريين اللاجئين في العديد من دول اللجوء، وثمة شريحة واسعة منهم محرومون من القدرة على الوصول إلى مراكز السجل المدني المسيطر عليها من قبل النظام لإصدار وثائقهم الرسمية، وهناك من لا يستطيع الوصول إلى سفارات النظام، ومنهم ليست لديه الإمكانية المادية لدفع الرسوم المرتفعة التي أقرها النظام مقابل إصدار تلك الوثائق، حيث أصبح واضحا أن هدفه جباية أكبر كمية من المال”.  

وأضاف “مشكلة أخرى يقف أمامها ذوو المعتقلين مع هذا القانون: أن مدراء السجون أو المعتقلين هم المخولون قانونياً بتسجيل واقعة الوفاة بحسب المادة 38 التي لم تنص على وجوب توفر تقرير طبي يحدد سبب الوفاة، الأمر الذي يحرم عائلات المعتقلين من معرفة أسباب وفاة ذويهم في المعتقل، أو توثيق مقتل هؤلاء المعتقلين من قبل المنظمات الدولية والإنسانية”.          

ولفت إلى أن “القانون لم يلحظ واقع تشتت السوريين وحرمان جزء منهم من حقهم في الحصول على أوراقه الرسمية، بل جاء بفرض رسوم مادية كبيرة لا تتناسب مع دخل السوريين بشكل عام، الأمر الذي سيحرم كثيرا من العائلات من إنجاز تلك المعاملات”.

وتضمن القانون اثني عشر فصلاً، جاء فيها التعريف والأحداث والمهام، والسجل المدني وأحكام التسجيل في السجل المدني والولادات والزواج والطلاق والوفيات وتصحيح قيود الأحوال المدنية والبطاقات الشخصية والبطاقة الأسرية والرسوم والغرامات والعقوبات وأخيرا فصل الأحكام الانتقالية، وتضمن 79 مادة.  

مدراء السجون أو المعتقلون هم المخولون قانونياً بتسجيل واقعة الوفاة بحسب المادة 38 التي لم تنص على وجوب توفر تقرير طبي يحدد سبب الوفاة، الأمر الذي يحرم عائلات المعتقلين من معرفة أسباب وفاة ذويهم في المعتقل

كما بينت المادة رقم (11) أن “القيد المدنـي للمواطن يتكـون مـن البيانات الآتيـة: الرقـم الوطني واسمه ونسبتـه واســم والـده واسـم والدته ونسبتها، ومكان وتاريخ ولادته، ووضعه العائلـي وديانته، وتاريـخ تسجيلـه، وعنوانه الرقمـي، وتضاف للقـيد المدني بشكله الإلكتروني الصورة الشخصية والبصمات العشرية للمواطن عند حصوله على البطاقة الشخصية”. وبينت المادة (12) أنه “يمنـح المواطـن بمجرد تسجيلـه فـي السجـل المدنـي رقمـاً وطنيـاً خاصـاً بـه ويتميز هـذا الرقـم بأنـه وحيـد ودائـم، وتلتـزم جميـع الجهــات الرسميــة باستخـدام هـذا الرقـم وتثبيتـه فـي سـائـر المعامــلات والسجلات لديها والوثائق الخاصة بهذا المواطن”.  

ورفع القانون الجديد جميع الرسوم والغرامات الخاصة بالمعاملات المدنية، ووصل بعضها إلى ضعفي ما كان عليه سابقا، كما شدد من عقوبات السجن المنصوص عليها بما تحتويه من مخالفات.     

بدوره، زعم وزير الداخلية في حكومة النظام، اللواء محمد الرحمون، في تصريح مع التلفزيون الرسمي، نشرته وكالة “سانا” التابعة للنظام، أن الغاية من قانون الأحوال المدنية “بناء قاعدة بيانات إلكترونية مركزية تضم جميع المحافظات وتضم وحدانية الرقم الوطني، إذ يتمثل كل مواطن بقيد مدني واحد على مستوى القطر من الولادة وحتى كامل فترة حياته، بحيث تصبح قاعدة البيانات عند البدء بتنفيذ القانون أكثر ديناميكية، ما ينعكس إيجابا على المواطن وعلى موظفي الشؤون المدنية، بمعنى أن سورية ستصبح أمانة سجل مدني واحد”.  

ولفت إلى أن “هذا القانون يبسط الإجراءات على المواطن بحيث يمكنه من إنجاز جميع معاملاته، بما فيها الحصول على البطاقة الشخصية والأسرية من أقرب مركز في مكان تواجده دون الرجوع إلى مكان قيده الأصلي، كما أن تسجيل الواقعات سيصبح آنيا دون تأخير، إذ يمكن للمواطن الحصول على بيان الواقعة بعد إدخالها مباشرة”.  

وأضاف أن “القانون يسهم في مكافحة الفساد ومنع التزوير لكون البرمجيات مقوننة، ولا يمكن للموظف القيام بأي اجتهاد شخصي من قبله بإدخال معلومات على الحاسب الآلي في ظل اعتماد الرقم الوطني فقط لإنجاز جميع عمليات التسجيل والحصول على الوثائق، وكذلك الحد من الأخطاء البشرية وإنهاء مشكلة تشابه الأسماء لأن لكل مواطن رقماً وطنياً واحداً لا يتكرر”.   

العربي الجديد

اترك رد